الرئيسية اقتصاد لبنان الحرب تضرب الشركات: أعمال مفتوحة بإيرادات مُنهارة

الحرب تضرب الشركات: أعمال مفتوحة بإيرادات مُنهارة

إضافةً إلى الأضرار المادية، من دمار وخسائر في البضائع والأصول، انعكست الحرب الجارية على أداء المؤسسات والشركات اللبنانية، حتى في المناطق التي كانت بعيدةً عن تركّز العدوان الإسرائيلي.

إضافةً إلى الأضرار المادية، من دمار وخسائر في البضائع والأصول، انعكست الحرب الجارية على أداء المؤسسات والشركات اللبنانية، حتى في المناطق التي كانت بعيدةً عن تركّز العدوان الإسرائيلي. يظهر ذلك في تقرير صادر عن مصرف «بلوم للاستثمار» بعنوان «العبء الاقتصادي لحرب لبنان وإسرائيل عام 2026 على الشركات اللبنانية»، وهو يستند إلى دراسة أعدّتها «ليبانون أوبورتشيونتيز» في نيسان 2026، وخلاصتها أن جزءاً واسعاً من الشركات اللبنانية تعرّض لضربة قاسية رغم أنه لم يُصب بأضرار مادية مباشرة، إذ واصلت شركات كثيرة العمل بطاقة أدنى وسط تراجع الطلب وارتفاع الكلفة واضطراب سلاسل النقل والتوريد وتراجع الثقة في السوق.

يمكن الاستنتاج من التقرير أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتحوّل النقل واللوجستيات إلى مسألة أكثر كلفة وتعقيداً، رفعا كلفة التشغيل على الشركات في لحظة كانت فيها الإيرادات تتراجع أصلاً بفعل انكماش الاستهلاك وتراجع الحركة في الأسواق. في حالات اللَّايقين كهذه، لا يتعامل أصحاب المؤسسات مع المخاطر من خلال التحوّط، لذلك يتراجع الاستثمار، وتتأجل الإصلاحات والمشاريع الجديدة، وتتحوّل القرارات اليومية إلى إدارة للسيولة وخفض للنفقات.

بهذا المعنى، لا تقف الخسائر عند حدود المناطق المُعرّضة مباشرةً للعدوان الإسرائيلي، حيث يتضرّر العمل بفعل القصف والنزوح والإقفال، بل تمتد عبر قنوات أخرى، مثل تراجع المبيعات، خفض ساعات العمل، تجميد التوظيف وتقليص الرواتب. والنتيجة أن خسارة الدخل لا تحصل فقط عندما تُقفل المؤسسة أو يُفقد العمل، بل أيضاً عندما تبقى المؤسسة قائمة ظاهرياً، لكنها تعمل بطاقة أدنى وتدفع أجوراً أقل أو توفّر في ساعات العمل.

يستند التقرير إلى مسح أُجري بين 25 آذار و24 نيسان 2026، وشمل 196 شركة تتركّز بمعظمها في بيروت وجبل لبنان، أي خارج المناطق التي شهدت الدمار والإخلاء الأوسع مثل الضاحية الجنوبية ومناطق جنوب الليطاني. ومن هنا يمكن القول إن النتائج تتحدّث عن أثر الحرب على الدورة الاقتصادية نفسها، وعلى قدرة الشركات على البيع والتشغيل وتمويل نشاطها اليومي.
في آذار 2026، أبلغ نحو 77% من الشركات المشمولة بالمسح عن تراجع في إيراداتها مقارنة بشباط 2026، فيما سجّل نحو 74% تراجعاً مقارنة بآذار 2025. والأخطر أن متوسط الخسائر لدى الشركات المتضررة بلغ نحو 58%.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الصدمة جاءت فوق صدمة سابقة، إذ إن كثيراً من الشركات لم تكن قد تعافت بالكامل من حرب 2024 قبل اندلاع التصعيد الجديد. لذلك، دخلت الكثير من المؤسسات الحرب من موقع هشّ أصلاً، مع سيولة محدودة وقدرة أقل على امتصاص الخسائر. هكذا، عمّقت الحرب هشاشة كانت قائمة، ودفعت الشركات إلى نمط دفاعي يقوم على الصمود لا التوسّع.

وتبرز المفارقة الأساسية في التقرير بين محدودية الضرر المادي واتساع الضرر الاقتصادي، إذ إن 88% من الشركات قالت إنها لم تتعرّض لأضرار مباشرة في المباني أو المعدّات أو المخزون، ومع ذلك واجهت صعوبات تشغيلية كبيرة.

وكان تراجع الطلب أو المبيعات المشكلة الأكثر انتشاراً، إذ ذكرها 76% من المشاركين، تلتها زيادات الكلفة غير المحتملة بنسبة 62%، ثم غياب الموظفين أو عدم قدرتهم على العمل بنسبة 42%، واضطرابات النقل واللوجستيات بنسبة 37%، ومشكلات التدفّق النقدي أو التمويل بنسبة 35%. أمّا الأضرار المادية أو المخاوف الأمنية فبلغت 21% فقط، ما يؤكّد أن العبء الأوسع للحرب كان اقتصادياً وتشغيلياً لا مادياً فقط.

ومع ارتفاع كلفة الوقود والطاقة والنقل والمواد الأولية، اضطرت شركات كثيرة إلى تعديل طريقة عملها. بعض المؤسسات خفّضت ساعات العمل أو الإنتاج، وبعضها أوقفت أجزاء من نشاطها مؤقّتاً، فيما لجأت شركات أخرى إلى تغيير طرق التسليم، أو الاعتماد على المخزون القائم، أو رفع الأسعار لمحاولة الحفاظ على السيولة. هكذا تحوّل هدف الشركات من النمو إلى الاستمرار، ومن الاستثمار إلى إدارة الخسائر اليومية.

كذلك، انعكست الأزمة على سوق العمل، لكن ليس دائماً عبر الصرف المباشر. فبحسب التقرير، لجأت شركات كثيرة إلى إجراءات مثل تجميد التوظيف وخفض ساعات العمل والرواتب. فقد خفّض نحو 30% من الشركات ساعات عمل الموظفين، وجمّد 26% منها التوظيف، فيما خفّض 7% الرواتب بشكل كبير. وهذا يعني أن الاستقرار الوظيفي الظاهر لا يعكس بالضرورة استقراراً اقتصادياً حقيقياً، لأن جزءاً من العاملين بقي في وظائفه لكن بدخل أقل وساعات عمل أدنى وقلق أكبر حيال المستقبل.

وتُظهِر النتائج أن الشركات الصغيرة والمتوسطة كانت الأكثر هشاشة أمام الصدمة. فهذه المؤسسات تملك عادة احتياطات مالية أقل وقدرة أضعف على تحمّل انقطاع المبيعات أو ارتفاع الكلفة. أمّا الشركات الكبرى، فلم تكن مُحصّنة، لكنها امتلكت قدرة أعلى على امتصاص الضغط لفترة أطول. الفارق إذاً لم يكن بين شركات تضررت وأخرى لم تتضرر، بل بين من يستطيع الصمود مؤقّتاً ومن ينزف بسرعة أكبر.

وتختلف حدّة الأثر بحسب القطاعات. فشركات التجارة كانت الأكثر تعرّضاً بسبب اعتمادها المباشر على الطلب الاستهلاكي وشبكات النقل، وهما عنصران تضرّرا كثيراً خلال الحرب. أمّا الصناعة، فواجهت ضغطاً مزدوجاً من كلفة الطاقة والمواد الأولية والنقل، ما جعل الحفاظ على الإنتاج أكثر صعوبة. في المقابل، بدت بعض شركات الخدمات أكثر قدرة على الاستمرار تشغيلياً، لكنها لم تنجُ من ضعف الطلب ومن ضبابية المرحلة المقبلة.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقةمبادرة وطنية من غرفة طرابلس الكبرى تجاه معرض رشيد كرامي الدولي: إفتتاح منصة للطاقة النظيفة الصديقة للبيئة برعاية وزير الاقتصاد..
المقالة القادمةشركات الطيران خفضت رحلاتها بسبب الأوضاع الأمنيّة وارتفاع أسعار التذاكر