لم تقتصر خسائر الحرب في الجنوب على الأراضي المحروقة والأشجار والمحاصيل المتضرّرة. فقد تعطّلت معها دورة إنتاج كاملة تبدأ من زراعة القمح والزعتر والملوخية والزيتون وغيرها، وتمرّ بالقطاف والتجفيف والتصنيع، وصولاً إلى بيع المونة واستهلاكها. والنتيجة، هذا العام، مواسم ضائعة، ومُنتِجون بعيدون عن أراضيهم، ومواد أولية أقل وأغلى، وزبائن يبحثون عن مُنتجات اعتادوا تأمينها مباشرة من قراهم.
تشكّل المونة جزءاً من اقتصاد عدد كبير من العائلات الجنوبية، سواء للاستهلاك المنزلي أو لتأمين دخل من بيع الكشك والزعتر والملوخية والمكدوس والمُربّيات وغيرها. لكنّ العدوان الإسرائيلي أصاب مختلف حلقات هذه الدورة: أحرق أراضيَ، وأخرى منع الوصول إليها، وتسبّب في نزوح عائلات عن حقولها، ودمّر منشآت وآلات زراعية لعدد من المزارعين.
مشروع كامل دُمّر في دير سريان
في دير سريان، لم يخسر محمد ناصر موسماً واحداً فقط. عائلته، التي تعمل في الزراعة، انتقلت عام 2019 إلى الاستثمار في التصنيع الزراعي، وأقامت مشروعاً متكاملاً يبدأ بزراعة القمح وينتهي بإنتاج البرغل والفريك، إلى جانب زراعة السمسم والعدس والسماق والزعتر.
وكان المشروع يضمّ مطاحن وصالة عرض وجرّارات زراعية ومولّداً للكهرباء. كل ذلك، بحسب ناصر، دمّره العدو في الحرب الأخيرة. كذلك خسر المشروع المخزن وآلات الإنتاج والمحصول المزروع، في وقت كانت العائلة تستعدّ فيه لزراعة التبغ.
ولم تسلم أشجار الزيتون، وبينها أشجار يزيد عمرها على مئة عام. يقول ناصر إن بعضها اقتُلع وبعضها الآخر احترق، «وفق ما ظهر في الصور الجوية»، وفي الوقت الذي لا تزال فيه دير سريان محتلة، تنتظر العائلة المُهجّرة في برجا استقرار الأوضاع لإعادة تشغيل مشروعها، ولو في منطقة قريبة مثل بلدة الغازية.
الإنتاج انتقل مع النازحين
لم يحتج استمرار الإنتاج دائماً إلى أرض بديلة فقط، بل إلى إعادة تكييف العملية كلها مع مكان النزوح. غدير إبراهيم، من عرمتى، تعمل في إنتاج الكشك والزعتر، وقرّرت مواصلة عملها على الرغم من اعتراض المحيطين بها بسبب عدم استقرار الأوضاع. لكنها سرعان ما اصطدمت بفوارق لم تكن محسوبة. فالتجفيف يتأثّر بالطقس ونسب الرطوبة التي تختلف بين منطقة وأخرى، فيما لم يعد الوصول إلى المواد الأولية مُتاحاً كما في السابق. وكانت إبراهيم تقطف الزعتر من الأراضي المحيطة ببلدتها، قبل أن يصبح الوصول إليها محفوفاً بالمخاطر، ما اضطر زوجها إلى تأمين الزعتر من المنطقة التي يعمل فيها في الشمال.
وتغيّرت أيضاً خريطة زبائنها. فقبل الحرب، كان نحو ثلاثة أرباع مبيعاتها يذهب إلى أهالي الجنوب، تقول، فيما باتت الوجهة الأساسية اليوم جبل لبنان وبيروت والمناطق الأكثر أمناً، حيث ازداد الاعتماد على المونة الجاهزة بعدما تعذّر على كثيرين إعدادها بأنفسهم.
لكنّ ارتفاع الطلب في مناطق النزوح لا يعني بالضرورة تعويض الخسارة. فطلبات أصحاب المحالّ تراجعت بدورها. وتورد إبراهيم مثالاً على ذلك: «فرن كان يشتري منها ما بين 8 و9 كيلوغرامات من الزعتر، بات يطلب نحو ثلاثة كيلوغرامات فقط».
هكذا، تكشف المونة جانباً آخر من الخسائر الاقتصادية التي خلّفتها الحرب في الجنوب. فاحتراق الأرض أو تعذّر الوصول إليها لا ينتهي عند خسارة المحصول، بل يمتد إلى كلفة البذار والأسمدة، وإلى أعمال التجفيف والتصنيع، ودخل العائلات، وشبكات البيع المحلية، وصولاً إلى المستهلك الذي بات يدفع سعراً أعلى للحصول على مُنتج كان يصل إليه مباشرة من قريته. واستعادة هذه الدورة تبقى مرتبطة، أولاً، بقدرة المزارعين والمُنتِجين على العودة إلى أراضيهم والعمل فيها من جديد.



