يمر قطاع الأعمال في لبنان بمرحلة بالغة الحساسية في ظل استمرار الحرب وتفاقم تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ما يهدد استمرارية آلاف الشركات ويضع النمو أمام مخاطر انكماش إضافي قد يمتد تأثيره إلى سوق العمل والقطاعات الإنتاجية.
وحذّر تجمع الشركات اللبنانية من أن استمرار الحرب دون مؤشرات جدية على قرب انتهائها يضع البلاد أمام خطر مباشر يتمثل في خسارة موسم الصيف، الذي يُعدّ أحد أهم المواسم الاقتصادية في البلاد، خصوصًا لقطاعات السياحة والخدمات والتجارة.
هادي سوبرة: آلاف المؤسسات التي صمدت كانت تراهن على الموسم الصيفي لكنها الآن تجد نفسها أمام واقع اقتصادي صعب
وأوضح نائب رئيس التجمع الذي تأسس قبل عامين، هادي سوبرة في بيان أوردته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية الأربعاء، أن آلاف المؤسسات التي صمدت خلال الفترة الماضية كانت تراهن على الموسم الصيفي كفرصة لتعويض جزء من خسائرها.”
وأضاف “إلا أنها تجد نفسها اليوم أمام واقع اقتصادي صعب، بعد تراجع النشاط السياحي وتدهور الحركة التجارية، مما يدفع العديد منها إلى التفكير بالإقفال أو تقليص أعمالها بشكل كبير.”
ورغم الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية، مثل تمديد المهل المتعلقة بالاستحقاقات القانونية، إلا أن ممثلي القطاع الخاص يرون أن هذه الخطوات لم تعد كافية، في ظل تآكل القدرة التشغيلية للشركات، واستنزاف احتياطاتها المالية بعد أشهر من التباطؤ الاقتصادي وعدم الاستقرار.
ويُعدّ القطاع السياحي الأكثر تضررًا من هذا الوضع، حيث تشير تقديرات القطاع الخاص إلى أن نحو60 ألف عامل غادروا وظائفهم حتى الآن نتيجة تداعيات الحرب.
ويختزل هذا الوضع حجم الصدمة التي يتعرض لها سوق العمل، ويؤشر إلى فقدان جزء كبير من اليد العاملة في قطاع كان يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الذي يعاني من تراكم الأزمات منذ أواخر عام 2019.
وبحسب تقديرات غير رسمية صادرة عن جهات اقتصادية محلية، فإن السياحة خسرت ما بين 35 في المئة و50 في المئة من نشاطها منذ بدء التصعيد في منطقة الشرق الأوسط أواخر فبراير الماضي.
ويترافق ذلك مع تراجع حاد في نسب الإشغال الفندقي في بيروت ومناطق الجذب السياحي، مقارنة بالفترات الطبيعية قبل الأزمة.
كما تشير بيانات اقتصادية إلى أن أكثر من 40 في المئة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باتت تعمل دون طاقتها التشغيلية الكاملة.
40 في المئة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باتت تعمل دون طاقتها التشغيلية الكاملة
في المقابل تواجه نسبة متزايدة منها صعوبات في تغطية التكاليف الثابتة مثل الإيجارات ورواتب الموظفين، ما يرفع احتمالات الإقفال التدريجي خلال الأشهر المقبلة.
وتقدّر مصادر في القطاع الخاص أن الناتج المحلي المرتبط بالأنشطة السياحية والخدمية قد يتراجع بنحو مليارين إلى 3 مليارات دولار سنويا في حال استمرار التوترات، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد الذي يعاني أصلًا من أزمة مالية ممتدة.
شركة للورق
كما يحذّر خبراء اقتصاديون من أن معدل البطالة قد يرتفع ليقترب من 35 في المئة في حال استمرار الحرب، خاصة مع توسع موجات تسريح العمال في قطاعات السياحة والتجزئة والخدمات، إلى جانب توقف العديد من المشاريع الاستثمارية.
وتشير بيانات سوق العمل إلى أن نسبة كبيرة من القوى العاملة الشابة بدأت بالاتجاه نحو الهجرة، حيث يُقدَّر أن آلاف الكفاءات غادرت البلاد خلال الأشهر الأخيرة، ما يفاقم أزمة هجرة الكفاءات ويؤثر على القدرة الإنتاجية طويلة الأمد.
التقديرات تشير إلى أن القطاع الخاص إلى أن نحو60 ألف عامل غادروا وظائفهم حتى الآن نتيجة تداعيات الحرب
وفي ظل تراجع الإيرادات وتزايد التكاليف التشغيلية، تواجه المؤسسات تحديات مزدوجة تتعلق بالحفاظ على السيولة من جهة، وتأمين الحد الأدنى من الاستمرارية التشغيلية من جهة أخرى، في وقت تتقلص فيه القدرة الشرائية للمستهلكين بشكل ملحوظ.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار التوترات الأمنية والسياسية من شأنه أن يضاعف الضغط على الاقتصاد اللبناني، ويؤدي إلى تراجع إضافي في الاستثمار المحلي والأجنبي، خصوصًا في القطاعات المرتبطة مباشرة بالاستقرار مثل السياحة والعقارات والخدمات.
كما ينعكس هذا الوضع على سوق العمل بشكل مباشر، حيث ترتفع معدلات البطالة وتزداد الهجرة الاقتصادية، مع بحث آلاف العاملين عن فرص بديلة خارج البلاد، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب في بيئة الأعمال.
وفي ظل هذا الوضع دعا سوبرة جميع الأطراف المعنية إلى تحمّل مسؤولياتها والعمل على وقف الحرب، معتبرًا أن إنقاذ الاقتصاد اللبناني لا يمكن أن يتحقق دون استعادة الاستقرار، الذي يشكل الشرط الأساسي لإعادة تنشيط قطاع الأعمال ووقف الانهيار المتسارع.
وبينما يواجه لبنان واحدة من أصعب مراحله الاقتصادية في السنوات الأخيرة، يبقى مستقبل قطاع الأعمال مرهونًا بتطورات المشهد السياسي والأمني، وقدرته على استعادة الثقة المحلية والخارجية في بيئة الاستثمار.



