أخطر ما قد تفعله الحكومة في ملف الفجوة المالية ليس اتخاذ قرار خاطئ، وهذا الامر سبق وحصل، بل في الامتناع عن تصحيح الخطأ بذريعة، ان هناك من يصحّح وراءها. فإحالة مشروع قانون الفجوة المالية إلى مجلس النواب بصيغته الحالية، من دون إدخال التعديلات التي تجعله عادلاً وقابلاً للتنفيذ وقادراً على حماية المودعين والقطاع المصرفي، لا تبدو مجرد مسألة تقنية أو تشريعية، بل تطرح سؤالاً جوهرياً حول مسؤولية السلطة التنفيذية في مرحلة الإنقاذ الاقتصادي.
المشكلة أن المعطيات المتوافرة حول المشروع بصيغته الحالية تشير إلى نتائج شديدة الخطورة، والغريب ان المسؤولين في الحكومة اطلعوا على هذا الواعق، واقتنعوا بخطورته. وتُظهر الأرقام، ان تطبيق مشروع القانون كما هو قد يؤدي إلى حرمان نحو 550 ألف مودع من استرداد ودائعهم، وإلى ضياع ما يقارب 29 مليار دولار من الأموال، فضلاً عن تحميل القطاع المصرفي أعباء قد تهدّد قدرته على الاستمرار وتضرب بنيته برمتها. وإذا كانت هذه النتائج معروفة أو متوقعة، فإن إبقاء المشروع من دون معالجة جوهرية لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره موقفاً محايداً.
السؤال هنا: من يتحمّل مسؤولية القرار؟
الحكومة هي التي تملك القدرة على إعداد مشروع قانون متكامل، يوازن بين حقوق المودعين، ومسؤولية الدولة، وقدرة مصرف لبنان، وإمكانات المصارف، ومتطلبات إعادة تكوين القطاع المصرفي. أما أن تُحال صيغة يعلم واضعوها أنها غير قابلة للتطبيق أو ستؤدي إلى نتائج كارثية، ثم تُترك مهمة تصحيحها لمجلس النواب، فهذا يقترب من نقل المسؤولية السياسية بدلاً من ممارسة المسؤولية التنفيذية.
ومن ثم، رئيس الحكومة يعرف ان الوزراء ليسوا مرشحين للانتخابات النيابية. وهذه ليست نقطة تفصيلية، بل إحدى وظائف النظام السياسي في الأزمات. الوزير يستطيع، نظرياً، اتخاذ قرار صعب إذا كان مقتنعاً بأنه يخدم المصلحة العامة، حتى لو كان القرار غير شعبي. أما النائب، فهو في موقع مختلف: علاقته المباشرة بالناخب تجعله أكثر عرضة للضغوط السياسية والشعبية، ولا سيما في قضية حساسة كالودائع المصرفية.
وهنا تحديداً يجب أن تقوم الحكومة بدورها.
القرارات الكبرى في الدول التي تتعرض لانهيارات مالية لا تُتخذ بناءً على سؤال: «هل سيحبها الناس؟»، بل بناءً على سؤال: «هل تنقذ الاقتصاد وتمنع الخسارة الأكبر؟». ومن الطبيعي أن يرفض الناس في البداية إجراءات تؤدي إلى تضحيات أو خسائر أو تغييرات مؤلمة. لكن مسؤولية السلطة التنفيذية هي أن تشرح للناس لماذا اتُّخذ القرار، وأن تؤمّن أكبر قدر ممكن من العدالة في توزيع الأعباء، لا أن تتجنّب القرار خوفاً من كلفته السياسية.
التجربة اليونانية خلال أزمتها المالية مثال واضح. فقد اضطرت الحكومات المتعاقبة إلى اتخاذ إجراءات قاسية لم تكن تحظى بشعبية، من خفض الإنفاق وإعادة هيكلة المالية العامة إلى إصلاحات واسعة في الاقتصاد والقطاع العام. ولو عُرضت بعض هذه الإجراءات على الرأي العام قبل تنفيذها وسُئل المواطنون عما إذا كانوا يريدونها، لكان من الطبيعي أن ترفضها الأكثرية الشعبية. لكن الحكم على القرارات لا يكون دائماً وفق شعبيتها لحظة اتخاذها، بل وفق نتائجها على المدى الطويل. وقد ساهمت تلك الإجراءات، رغم كلفتها الاجتماعية والسياسية الكبيرة، في وضع الاقتصاد اليوناني على مسار التعافي.
لبنان اليوم أمام لحظة مشابهة، وإن كانت خصوصيات أزمته مختلفة. المطلوب ليس تحميل المودعين وحدهم كلفة الانهيار، ولا إنقاذ المصارف من دون إصلاح، ولا إعفاء الدولة ومصرف لبنان من مسؤولياتهما. المطلوب توزيع عادل وشفاف للخسائر، وإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الثقة، ووضع آلية واقعية لإعادة الودائع إلى أصحابها.
ولهذا، فإن تعديل مشروع قانون الفجوة المالية في الحكومة ليس ترفاً ولا تدخلاً في صلاحيات مجلس النواب. إنه جوهر مسؤوليتها. فالمجلس النيابي يستطيع أن يناقش ويعدّل ويرفض، لكن على الحكومة أن تأتي إليه بمشروع يعكس تصورها للإنقاذ، لا بمشروع تترك له مهمة إنقاذه من عيوبه.
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس شجاعة الحكومات بعدد القرارات التي تحظى بالتصفيق، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات الضرورية عندما يكون التصفيق غائباً.
وإذا كانت الحكومة مقتنعة بأن الصيغة الحالية لقانون الفجوة المالية تؤدي إلى خسارة عشرات مليارات الدولارات وحرمان مئات آلاف المودعين وضرب القطاع المصرفي، فإن مسؤوليتها الأولى ليست الدفاع عن المشروع كما هو، بل إصلاحه قبل إحالته إلى النواب. الهروب من القرار الصعب لا يلغي المسؤولية. إنه فقط يؤجّلها، ويرمي ثقلها على مؤسسة أخرى.



