الرئيسية اقتصاد لبنان الحكومة تسعى إلى إفقاده زخمه: إضراب القطاع العام مستمرّ

الحكومة تسعى إلى إفقاده زخمه: إضراب القطاع العام مستمرّ

تواصل قوى السلطة القيام بما تجيده؛ تقديم الوعود بإعطاء العاملين في القطاع العام زيادة 6 رواتب مقابل العمل على تفريق تحرّكاتهم التصعيدية واللعب على وتر انقساماتهم السياسية. وهي تسعى إلى تمرير زيارة صندوق النقد الدولي في انتظار المزيد من تعليماته الرامية إلى تقطيع أوصال القطاع العام وقضم حقوق التقاعد.

يتيح لها ذلك الخروج من حالة الإرباك التي سادت في مجلس النواب أثناء مناقشات موازنة 2026، والعودة إلى جدول أعمالها الأساسي. نواياها واضحة جداً: تحويل الحوار مع القطاع العام إلى حوارات تمكّنها من تحفيز خلافات قائمة أو الاستفراد بفئة من دون الأخرى، فضلاً عن التنصّل من أي وعود مفترضة قدّمتها تجاه منحهم 6 رواتب إضافية.

على وقع التحرّكات التصعيدية التي نفّذها القطاع العام الأسبوع الماضي والتي تقدّمت نحو «اختراق» حواجز سرية مجلس النواب وصولاً إلى مدخل المجلس الرئيسي، اضطرت الحكومة أن تتفاوض وأن تقدّم وعوداً بلا أي حبر، بأنها «تنوي» منح العاملين في القطاع زيادة قدرها 6 رواتب إضافية فوق ما يتقاضونه الآن. لكن نجاح التحرّك حفّز العاملين في القطاع العام نحو المزيد في ظل انعدام الثقة بالحكومة وبوعودها التي انفجرت على لسان وزير المال في كلمته في المجلس النيابي: ماذا سنقول لصندوق النقد الآتي إلى لبنان في 9 شباط؟

فالسؤال المطروح اليوم، لم يعد يتعلق بالرواتب الإضافية، بل بطبيعة المشروع العدواني الذي تنتهجه الحكومة تجاه موظفيها العاملين في الخدمة والمتقاعدين منهم أيضاً. فهي كانت تنوي تأجيل أي زيادة على الراتب إلى عام 2027، وتعقد العزم على الإطاحة بمكتسبات التقاعد، وهذان أمران أُنجزا بتعليمات لا لبس فيها من صندوق النقد الدولي.

على هذا الأساس، تحاول قوى السلطة سحب فتيل الإضراب من خلال ضرب وتقسيم الأساتذة بشكل أساسي. فمن الواضح أن رابطة موظفي الإدارة العامة إلى جانب العسكريين المتقاعدين، مستمرون بتحرّكاتهم، وهو ما سيؤدي اليوم وغداً إلى إقفال الدوائر الرسمية، إلا أن الأمر مختلف لدى روابط الأساتذة. إذ تبيّن في اجتماع أساتذة الثانوي أول من أمس أن مؤيدي حركة أمل والمستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي رفضوا استمرار الإضراب بحجّة أنّه يجب إعطاء فرصة لتطبيق الوعد بالزيادة، بينما يرى الآخرون أنّ التصعيد ضروري لتحقيق المطالب.

ومساء أمس أعلنت روابط التعليم الأساسي والمهني إضراباً ليوم الإثنين فقط، بما يشبه التسوية بين الفرصة والتصعيد، إلا أن أساتذة التعليم الثانوي على موعد مع تصويت في جمعيات عمومية على توصية بإضراب متقطّع ليومين أسبوعياً، أو إعطاء الحكومة مهلة حتى 15 شباط.

تحاول السلطة من خلال فرض هذه التوجّهات بواسطة مندوبيها في الروابط، أن تفرّغ التحرّك من زخمه، من أجل أن يتاح لها تمرير زيادة صندوق النقد الدولي والبحث عن طرق أخرى لترحيل الوعود إلى المستقبل البعيد، وإعادة ربط القضية بقصّ مكتسبات التقاعد.

لكن بالنسبة إلى الموظفين الإداريين، فإنه بعد إقرار موازنة عام 2026، صار واضحاً أنّ الحكومة تراوغ ولا تريد حتى الدخول في نقاش تعديل رواتب الموظفين في القطاع العام، وأن وعودها بلا أسقف زمنية. ففي اللقاءات التي عُقدت بين رئيس الحكومة نواف سلام وممثلي الموظفين والمتقاعدين، وجد هؤلاء أنفسهم أمام «حائط صدّ» من خلال إجابات سلام التي تكرّرت: لا يوجد أموال.

عملياً، تحاول قوى السلطة استعادة المبادرة لفرض جدول أعمال ببند واحد: مشروع مجلس الخدمة المدنية الذي يقضي بزيادة رواتب موظفي القطاع العام بشكل تدريجي وعلى مدى 5 سنوات تبدأ في 2027. بحسب روابط الموظفين، فإن «النقطة الإيجابية الأبرز في التحركات الأخيرة كانت الدفع إلى إسقاط هذا المشروع لأنّه يضرب النظام التقاعدي ولا يعيد للراتب كل ما فقده من قوّته الشرائية».

ويتمسّك الموظفون الإداريون بالحصول على 10 رواتب إضافية هذه السنة لحين الانتهاء من مشروع دراسة تعديل الرواتب، فضلاً عن طلب مقعد دائم لهم على طاولة مجلس الوزراء عند مناقشة أيّ تعديل يمسّ تقديماتهم.

ويرسم بيان موظفي الإدارة خريطة مطالب واضحة، تبدأ بتعديل مشروع مجلس الخدمة المدنية بما يضمن المساواة الكاملة مع أجهزة الرقابة، ورفض أي فروقات في المضاعفات بين موظف وآخر داخل الإدارة نفسها. كما يطالبون بإعادة تنظيم الدوام على أربعة أيام أسبوعياً، ورفع بدل النقل إلى مليون وخمسمئة ألف ليرة لبنانية.

العسكريون المتقاعدون: لا تراجع لا تأجيل
بعد سنوات من الوعود المؤجَّلة، يؤكد العسكريون المتقاعدون أنّ رئيس الحكومة التزم صراحة، وتحت قبة البرلمان، بإقرار حقوقهم قبل نهاية شهر شباط، وهو التزام جرى تثبيته بمحضر رسمي، لا يحتمل التأويل ولا التسويف.

وقد اختصر البيان الصادر المطالب بوضوح لا لبس فيه: مساعدات مدرسية كاملة بنسبة 100% كما هي معتمدة في تعاونية موظفي الدولة، تصحيح التعويضات العائلية للزوجة والأولاد بما يوازي ما هو معمول به في القطاع الخاص، وتصحيح الرواتب بدءاً من حدّ أدنى لا يقل عن 50% من قيمة رواتب عام 2019، على أن يُستكمل بزيادة تدريجية بنسبة 10% كل ستة أشهر، وصولاً إلى راتب يؤمن الحد الأدنى من العيش الكريم.

لكن أهمية البيان لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في ما يحمّل رئيس الحكومة من مسؤولية سياسية مباشرة، إذ رأت الرابطة أنّ أي تراجع أو تأجيل يُعدّ إعلان مواجهة شعبية مفتوحة ستفتح الباب أمام الخيار الميداني الذي «يبقى الطريق الأجدى إذا استمر تجاهل الحقوق».

مصدرجريدة الأخبار - فؤاد بزي - زينب بزي
المادة السابقة4.8 مليارات دولار عجز في الحساب الجاري
المقالة القادمةالحكومة تكذب: العجز المالي كبير