بعد أن تزامن تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لزراعة القنب في العام الماضي مع نمو موسم “غير شرعي”، تعود الأضواء إلى سهول قرى بعلبك الهرمل التي عرفت على مر العقود بزراعة “الحشيشة”، في ترقب للمسار الذي سيسلكه مزارعوها بعد ست سنوات بالتمام والكمال على صدور القانون 178/2020 الذي شرع زراعة القنب لأغراض طبية وصناعية، وسنة تقريبًا على أول خطوة تنفيذية نحو تطبيق القانون بدأت مع تشكيل أول هيئة ناظمة للقطاع.
غير أن الأرض التي تتحضر من جديد لإنتاج “الحشيشة” هذا العام أيضًا، سبقت على ما يبدو مجددًا المراسيم التنظيمية التي تمهد الطريق نحو تشريع علمي وقانوني للزراعة. فهل نحن أمام موسم آخر من زراعة ممنوعة تتفوق على الجهود المبذولة للانتقال بهذا القطاع من تجارة سوداء إلى صناعة واعدة؟
لا مراسيم تنظيمية لموسم “الحشيشة”
في المبدأ أنهت الهيئة الناظمة برئاسة الدكتور داني فاضل وضع المراسيم التنظيمية للقطاع، ورفعتها إلى مجلس الوزراء منذ الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني من العام الجاري. إلا أن هذه المراسيم لم تناقش حتى الآن في مجلس الوزراء، ولا قدمت الوزارات ملاحظاتها عليه، أو أحالتها إلى مجلس الخدمة المدنية لاستكمال الإجراءات العملية نحو تفعيل عمل الهيئة عبر تأمين كادرها الإداري.
وباستثناء الملاحظات التي تلقتها الهيئة من وزارة المالية على موازنتها للعام 2026 قبل أيام، والتي سيناقشها أعضاء الهيئة ورئيسها هذا الأسبوع، فإن كل المؤشرات تدل على أن إقرار المراسيم لن يسبق موسم “الحشيشة” هذا العام أيضًا. والمرتقب أن يعبق سهل البقاع مجددًا برائحة الممنوعات التي قد تضطر الأجهزة الأمنية لتلفها مجددًا، حتى لو أظهرت التحاليل المخبرية في العام الماضي، احتمالية عالية لإمكانية استخراج المواد الطبية الصناعية من بذورها الوطنية، والتي يمكن استخدامها خصوصًا في التخفيف من آلام الشقيقة ومعالجة بعض أنواع السرطانات بالإضافة إلى التغلب على مشكلة عدم النوم.
شراء “الحشيشة”… مستبعد
سابقة “منح الهيئة الحق بتصريف الإنتاج لجهات خارجية عبر القنوات القانونية المعتمدة، أو للداخل عبر مصانع الأدوية الوطنية التي سيسمح لها بالتصنيع” أحبطت في العام الماضي. وقد رفضت الحكومة طلبًا تقدمت به الهيئة حينها يسمح بتصريفها إنتاج سنة 2025 كبادرة “حسن نية” تجاه المزارعين الراغبين في التعاون مع الدولة، لتحويل زراعة القنب من زراعة ملاحقة قانونيًا إلى زراعة مرغوبة لأغراض طبية وصناعية عالميًا.
وعليه فإن إعادة محاولة شراء موسم “الحشيشة” هذه السنة مستبعدة كليًا. وهذه المرة بإصرار من رئيس الهيئة داني فاضل الذي كان من أشد المتحمسين لذلك في السنة الماضية. وبحسب فاضل “نحن ملتزمون بقرار الحكومة، ووظيفتنا هي تطبيق القوانين، ونريد أن نفعل ذلك وفقًا للمعايير الدولية التي تناقشنا بها في مؤتمرات عديدة بالخارج، وآخرها في لندن”.
يصر فاضل في المقابل على نياته الحسنة التي جعلته يلجأ إلى هذا الخيار في العام الماضي، بعد زيارات ميدانية وتحاليل مخبرية سمحت بالتعرف على خصائص طبية في النبتة الوطنية. ولذلك يقول أنه لا يندم على قنوات الثقة التي فتحها مع المزارعين، وسمحت بتوثيق وحفظ إرث من بذور هذه النبتة الوطنية، والتي لو أتلفت من دون اخضاعها لفحوصات مخبرية لبقيت خصائصها الطبية مجهولة كليًا.
ولكن ثقة المزارع هذه تبدو مزعزعة اليوم، لا بالهيئة ربما وانما بالدولة نفسها، التي كلما تأخرت في إقرار المراسيم التطبيقية لقانون تشريع زراعة القنب، شرّعت الأبواب أمام استمرار التجارة غير الشرعية لزراعة الممنوعات، خصوصًا أن لا نية لدى المزارعين بالإقلاع عن هذه الزراعة من دون بديل، وهذا ما يفتح شهية مافيات المخدرات التي تتحين الفرصة لوضع الأصبع في عين الدولة، وتحتكر الساحة وتحكم السيطرة عليها، بصرف النظر عن “مسرحيات” التلف المتكررة في كل عام.
منذ أن رفضت الحكومة إذا أن تكون شريكة في “ترويج” موسم الحشيشة في شهر تشرين الثاني من العام الماضي، كان يفترض أن تشكل الإشكاليات المثارة حول هذه الزراعة مسارها التقليدي، لتتحول بها نحو واقع مريح للتصريف. وهذا ما عملت عليه الهيئة الناظمة فعليًا. فأنجزت المراسيم التنظيمية لتشريع زراعة القنب لأغراض صناعية وطبية، وأرسلتها إلى الحكومة، وبدأت بتجهيز منصتها، التي تنكب حاليًا على تنقيحها وترجمتها إلى الإنكليزية، بانتظار قرار الحكومة لإطلاقها كاملة مكملة.
ولكن الحكومة على ما يشرح فاضل لم تضع حتى الآن المشروع المرسل اليها من الهيئة على طاولة البحث، وعليه كلما تأخر نشره في الجريدة الرسمية، كلما بقي الأمر مشرعًا على واقع غير شرعي بالنسبة للمزارعين وخسائر فادحة لخزينة الدولة.
لا تراخيص حتى اللحظة
فمن دون مراسيم تنظيمية، يتعذر على الهيئة الناظمة منح التراخيص للمزارعين. إذ أن وظيفة هذه المراسيم لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين البائع والشاري، بل تسمح بتتبع التربة والمياه ونوعية الزراعة والإنتاج. لأننا في هذه الحالة ننتج دواء من النباتات، وهذا الدواء يجب ان يكون خال من الامراض والجراثيم والمواد الضارة والسامة. وليكون خال منها هناك شروط يجب ان يطبقها المزارع. وعليه ان يفحص المياه والتربة ويضع نتائج عينات التربة على المنصة.
وهذه أنظمة تكتب بحسب القوانين الدولية، ولا تعدل قياسًا إلى قرارات الوزارات إلا في حال برز التعارض بينهما عند التنفيذ. وترسم هذه المعايير وفقًا لفاضل الخطوط الحمر، وخصوصا لناحية احتكار او محاولة احتكار الإنتاج من قبل من استحصلوا على تراخيص سابقة باستثماره. مؤكدا أن منح تراخيص التصنيع أيضا يخضع لمعايير الكفاءة الدولية وليس للمحاصصة.
ويشدد فاضل على أن هذا القطاع ممنوع ان يكون محتكرا. فهو معني بالنهوض بلبنان واقتصاده، وإذا سار منذ البداية بالمحاصصة ف”العوض بسلامتكم”.
ولذلك يقول “نريد ان نسير بطريقة صحيحة. كل من هو مستحق لترخيص التصنيع، سواء أكان لديه مصنع للدواء او لا، يجب أن يكون ملتزمًا بشروط تصنيع الدواء من القنب، وأن يكون مصنعه متطابقًا مع المتطلبات الدولية”.
موسم “الحشيشة” غير الشرعية انطلق
ومن هنا يصر فاضل على عدم منح أي ترخيص قبل إطلاق الإطار التنظيمي للقطاع وربطه بمنصة تجمع المزارع، كما المصنع والطبيب والمريض. فالطبيب أيضًا يجب أن يخضع لتدريب على وصف الأدوية المستخرجة من القنب، والمريض نفسه يجب أن يسجل على المنصة ليحصل على الدواء. أما كل زراعة واتجار من خارج المنصة فيقع برأيه في إطار تبييض الأموال. لافتا إلى دور المنصة في اعتماد الشفافية الكاملة، وخصوصًا لناحية استخدام التكنولوجيا والرقابة الرقمية والأقمار الصناعية، القادرة على تحقيق “حواجز تنظيمية” بين الهيئة والمزارعين وبالتالي منع التدخلات والوساطات أو حتى الصدامات مع القوى الأمنية.
ويشير فاضل إلى أن المنصة جاهزة لإطلاقها في اليوم التالي لنشر المراسيم بالجريدة الرسمية. ويتحدث عن دورها أيضًا في نشر التوعية الدائمة للمزارعين حول أهمية التمييز بين الاستخدام الطبي المشروع للنبتة وبين تحويلها إلى مواد إدمانية.
ويطلب في المقابل حماية ودعم للهيئة “التي تحاول أن تقلب مفاهيم زراعة عمرها من قبل المسيح”. هذه الحماية التي يرى فاضل أنها توازي بأهميتها الاستقرار المالي والإداري للهيئة. متطرقا إلى الجدل المثار على صعيد تعيين مدير عام للهيئة. فيقول فاضل “لن يعين أي مدير عام، ولن أرفع أسماء ثلاثة إلى مجلس الوزراء قبل إقرار المراسيم، وبناء لمواصفات محددة لهذه الوظيفة أو سواها، ولمسابقة بأسماء مغلقة يتم من خلالها اختيار الأكفأ”.
والى أن يتحقق ذلك يبدو أن موسم “الحشيشة” غير الشرعية سيسبق الدولة خطوة. ومع ذلك يرفض فاضل أن يقال أن التأخير فوّت على لبنان فرصة الاستفادة من تشريع موسم العام الجاري، مشيرا إلى أن الزراعة “المقوننة” وفقًا للمراسيم التي وضعناها، يمكن أن تكون مستدامة، وليست مرتبطة بالمواسم التقليدية. ولكن الأهم أن نبدأ وفقا للأصول والمعايير الدولية.



