تتزايد المؤشرات بشأن تعزيز الذكاء الاصطناعي موقعه باعتباره القوة الدافعة الأبرز لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم، بعدما تحول من مجرد تقنية ناشئة إلى محور رئيسي تتنافس حوله الاقتصادات الكبرى، الأمر الذي يؤكد مدى أهمية هذه التكنولوجيا المتقدمة في إعادة بناء أولويات أصحاب المال.
تعيد رؤوس الأموال العالمية رسم خارطة أولوياتها مع تسارع الإنفاق على مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات، في تحول يكشف عن بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها القطاعات التقليدية لصالح البنية التحتية الرقمية والتقنيات المتقدمة.
ويؤكد تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، تحت عنوان “الاستثمار الدولي في حقبة مضطربة” أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت المحرك الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر.
وقد استحوذت هذه التكنولوجيا المتقدمة خلال عام 2025 على نحو 60 في المئة من إجمالي الاستثمارات التأسيسية (غرينفيلد) في القطاعات الإستراتيجية.
ويعكس هذا التحول الطلب المتزايد على مراكز البيانات العملاقة، والشبكات السحابية، والبنية الرقمية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتطلب قدرات حوسبية هائلة واستهلاكاً مرتفعاً للطاقة، ما دفع الشركات العالمية إلى ضخ استثمارات قياسية في هذا المجال.
وسجلت قيمة المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية نمواً تجاوز 80 في المئة خلال عام واحد، في واحدة من أسرع موجات التوسع الاستثماري التي شهدها العالم خلال العقد الأخير، مدفوعة بتسارع الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
ويشير التقرير إلى أن الاقتصادات الكبرى كانت المستفيد الأكبر من الطفرة، فالولايات المتحدة تتصدر قائمة أكبر المستثمرين في هذه التقنية والبنية الرقمية، مستندة إلى هيمنة عمالقة وادي السيليكون واستثماراتها الضخمة في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.
وبرزت أوروبا بوصفها الوجهة الرئيسية لاستقبال هذه الاستثمارات، مستفيدة من بيئة تنظيمية متطورة وأسواق رقمية واسعة وبرامج حكومية تستهدف تعزيز القدرات التقنية للقارة، بما يجعلها أحد أهم مراكز استقطاب رؤوس الأموال المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
قيمة المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية نمت بمقدار 80 في المئة خلال عام واحد
أما الصين، فتواصل لعب دور محوري في قطاع المعادن الحرجة، التي باتت تشكل أحد الأعمدة الأساسية لصناعة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبطاريات.
ويبرز حضورها من خلال الاستثمار المباشر في الدول الغنية بالموارد الطبيعية، إضافة إلى توسيع استثماراتها في مراحل المعالجة والتصنيع، بما يعزز نفوذها في سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم ذلك، سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى شرق آسيا، بما في ذلك الصين، تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الثلاث الماضية.
ووفق أونكتاد، فقد انخفضت من 296 مليار دولار في 2023 إلى 270 مليار دولار في 2024، قبل أن تتراجع إلى 238 مليار دولار في 2025، في ظل تباطؤ اقتصادي وتزايد الضغوط الجيوسياسية وإعادة توزيع الاستثمارات نحو مناطق وأسواق أخرى.
ويكشف التقرير عن تحول هيكلي واسع في أولويات المستثمرين العالميين، إذ ارتفعت حصة القطاعات الإستراتيجية، التي تضم الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن الحرجة والطاقة، من 16 في المئة فقط من إجمالي الاستثمار التأسيسي العالمي في عام 2020 إلى 44 في المئة العام الماضي.
وبالأرقام، ارتفعت قيمة الاستثمارات في هذه القطاعات من 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار خلال خمس سنوات فقط، وهو ما يعكس تغيراً جذرياً في خريطة الاستثمار الدولي، وانتقال رؤوس الأموال من الصناعات التقليدية إلى التقنيات المستقبلية.
كما واصل قطاع الرقائق تسجيل معدلات نمو استثنائية، إذ ارتفع الاستثمار فيه بمعدل سنوي بلغ 54 في المئة، مدفوعاً بالطلب العالمي المتزايد على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والأجهزة الذكية.
وأظهرت بيانات التقرير تراجعاً في معظم القطاعات الأخرى، بما في ذلك الطاقة المتجددة، بينما سجلت مشاريع النفط والغاز نمواً محدودا.
ويقول خبراء أونكتاد أن ذلك يعكس تغيراً في أولويات المستثمرين الذين باتوا يركزون بصورة أكبر على البنية الرقمية والتقنيات المتقدمة باعتبارها محرك النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة.
وعلى المستوى العالمي، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 6 في المئة خلال 2025 لتناهز 1.6 تريليون دولار، بعد عامين متتاليين من الانخفاض، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذا التعافي لم يكن متوازنا.
واستحوذت أكبر عشرين دولة مضيفة وحدها على أكثر من 80 في المئة من إجمالي التدفقات العالمية، ما يعكس اتساع الفجوة بين الاقتصادات القادرة على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا، وتلك التي لا تزال خارج دائرة المنافسة.
وإقليمياً، واصلت غرب آسيا تعزيز مكانتها على خارطة الاستثمار العالمي، إذ ارتفعت التدفقات الواردة إلى 111 مليار دولار في 2025 مقارنة مع 92 مليار دولار في 2024 و86 مليار دولار في 2023.
وفي ضوء ذلك تكون هذه المنطقة قد استحوذت على حوالي 6.8 في المئة من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.
كما بلغت التدفقات الصادرة من المنطقة 142 مليار دولار، متجاوزة لأول مرة حجم الاستثمارات الوافدة، بما يعكس تنامي دور الاقتصادات الخليجية كمصدر رئيسي لرؤوس الأموال العالمية.
أما في أفريقيا، فقد تراجعت التدفقات إلى نحو 70 مليار دولار مقارنة بالمستوى الاستثنائي البالغ 94 مليار دولار في 2024، لكنها بقيت أعلى بنحو الثلث من متوسط الفترة بين 2010 و2024، لتسجل ثالث أعلى مستوى منذ عام 1990.
وكان ذلك مدفوعا باستثمارات قوية في مشاريع البنية التحتية للطاقة، والصناعات الاستخراجية، والطاقة المتجددة، والمعادن الحرجة، وهي القطاعات التي أصبحت تمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي الجديد الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.



