الرئيسية اقتصاد لبنان العجز التجاري يخرج عن السيطرة

العجز التجاري يخرج عن السيطرة

سجّل الميزان التجاري في لبنان خلال الفصل الأول من عام 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في العجز، ليبلغ نحو 4.75 مليارات دولار، مقارنة بـ3.44 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. هذا التوسع السريع في العجز يعيد تسليط الضوء على طبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على الاستيراد، في ظل ضعف واضح في القدرة الإنتاجية والصادرات.

في الوقت الذي ارتفعت فيه فاتورة الاستيراد إلى نحو 5.38 مليارات دولار بزيادة تقارب 23 %، تراجعت الصادرات إلى حدود 631 مليون دولار فقط، ما يعكس فجوة متسعة بين ما يستهلكه الاقتصاد المحلي وما ينتجه فعليًا. هذا الخلل لا يُعبّر فقط عن توازن تجاري سلبي، بل عن نموذج اقتصادي يميل بشكل متزايد نحو الاستهلاك الخارجي.

يأتي هذا التطور في سياق اقتصادي إقليمي ودولي مضطرب، حيث تشهد أسواق الطاقة والشحن العالمية تقلبات حادة، نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع المخاطر في ممرات التجارة البحرية. هذه العوامل تنعكس مباشرة على كلفة الاستيراد في لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على الخارج لتأمين حاجاته الأساسية من الغذاء والوقود والمواد الأولية.

في هذا السياق، يبدو ان “المشكلة لم تعد في ارتفاع فاتورة الاستيراد بحد ذاتها، بل في انهيار القدرة الإنتاجية المحلية. نحن أمام اقتصاد يستهلك بالدولار الذي لا ينتجه، ويستورد معظم حاجاته من دون أي قدرة حقيقية على خلق دورة إنتاج مكتملة. ومع هذا النموذج، يصبح أي ارتفاع في أسعار الشحن أو الطاقة بمثابة ضربة مباشرة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد”.

وتشير التقديرات إلى أن لبنان قد يقترب من تسجيل واردات سنوية تصل إلى 25 مليار دولار في حال استمرت الوتيرة الحالية، وهو رقم يوازي تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بنحو 29 إلى 30 مليار دولار. أما الصادرات، فلا تزال تدور في نطاق محدود لا يتجاوز 3.5 إلى 4 مليارات دولار سنويًا، ما يعني استمرار فجوة تجارية واسعة تتجاوز 20 مليار دولار.

هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد اللبناني على التحول من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي. فكل ارتفاع في الاستيراد يعني مزيدًا من الضغط على العملات الأجنبية، في وقت لا تزال فيه مصادر النقد الأجنبي محدودة وتعتمد بشكل أساسي على التحويلات والقطاع غير المنتج.

كما أن استمرار هذا الاتجاه يعكس هشاشة بنيوية في الاقتصاد، حيث لا تزال القطاعات الصناعية والزراعية عاجزة عن لعب دور محوري في تلبية الطلب المحلي أو التوسع نحو الأسواق الخارجية. ويزيد من تعقيد المشهد غياب سياسات صناعية وتجارية متكاملة قادرة على خلق توازن بين الاستيراد والتصدير.

في المقابل، هذا الاختلال لا يمكن معالجته عبر تقليص الاستيراد فقط، بل من خلال رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد اللبناني، عبر دعم القطاعات ذات القيمة المضافة، وتحسين بيئة الاستثمار، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات اللبنانية، بما يسمح بتقليص الفجوة تدريجيًا.

وبين أرقام متصاعدة في الاستيراد وعجز يتسع بوتيرة سريعة، يبدو الاقتصاد اللبناني أمام مرحلة اختبار حقيقية: إما الاستمرار في نموذج يعتمد على الخارج لتأمين حاجاته الأساسية، أو الانتقال نحو اقتصاد أكثر توازنًا يعتمد على الإنتاج والتصدير كرافعة للنمو والاستقرار الاقتصادي.

الأرقام قد تتغيّر

مع ذلك، يبدو الأرقام التي جرى تسجيلها في كانون الثاني وشباط بالنسبة الى الواردات والصادرات لا تعكس بالضرورة المسار الذي أخذته التطورات بعد ذلك، اي منذ اندلاع الحرب في اواخر شباط ومطلع آذار. وبالتالي، ينبغي انتظار ارقام آذار ونيسان وايار لكي يُبنى على الشيء مقتضاه في تقدير النتائج التي سيختتم بها العام 2026.

وقد تسبّبت الحرب بارتفاع عام في اسعار السلع، وفي مقدمها النفط، وهذا يعني ان لبنان سيحتاج الى انفاق اضافي في حال استورد الكميات نفسها التي كان يستوردها قبل الحرب. لكن المؤشرات الاولية تدل على تارجع الاستهلاك، وهذا الامر ظهر من خلال عدادات محطات البنزين التي سجلت تراجعا في حجم مبيعاتها، بما يؤكد تراجع الاستهلاك.

ويبقى السؤال: هل ان تراجع الاستهلاك يفوق نسبة ارتفاع الاسعار؟ وهل ان فاتورة الاستيراد ستتراجع رغم الغلاء؟ الجواب غير واضح حتى اليوم، خصوصا ان مسار الاستهلاك قد يتغير اكثر كلما طال أمد الحرب، واتسعت مروحة المواطنين الذين يخسرون من قدراتهم الشرائية تباعا. لكن ما هو اكيد، ان لبنان كان يتجه الى رقم قياسي في الاستيراد والعجز في الميزان التجاري، رغم ان البلد لم يخرج بعد من الانهيار المالي الذي حصل اواخر العام 2019.

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقةالبستاني: لفتح باب استيراد الإسمنت فوراً
المقالة القادمةملاحظات المصارف على قانون الفجوة : حقوق المودعين هي الأساس