الرئيسية اقتصاد لبنان الفضة… عجز هيكلي يضغط على الأسعار

الفضة… عجز هيكلي يضغط على الأسعار

مع حلول الفصل الأول من عام 2026، أثبت سوق الفضّة العالمي أنه لم يعد مجرد سوق صامت في بورصة السلع، بل أصبح وبقوة، مفتاحًا للسياسات الجيوسياسية والصناعية. الفضة والتي تُعرف بالشقيق الأصغر للذهب (والأكثر تقلبًا)، شهدت أسعارها إرتفاعًا تاريخيًا ملحوظًا مع تسجيلها لفترة وجيزة مستويات قياسية في الأسواق الفورية (Spot Markets) تجاوزت 110 دولارات للأونصة خلال الشهر الماضي قبل أن تُعاود الهبوط ومن ثمّ الدخول في مرحلة من إستقرار الأسعار «غير المستقرة». عمليًا، للغوص وفهم سوق الفضة في العالم المعاصر، من الضروري فهم التوتر القائم بين النظام النقدي الإلكتروني والبيئة الواقعية المعتمدة على الموارد. بالطبع لا يجب إعتبار ما يردّ في هذا المقال كنصيحة إستثمارية، بل يجب وضعه في خانة التحليل في أساسيات سوق الفضة.

الفضّة… محرك صناعي أكثر منه مجرد زينة
لم تعد المجوهرات أو الأواني الفضية هي المحرّك الأساسي للأسعار في السوق، والسبب يعود إلى بروز سوق الطاقة النظيفة حيث تُعد الفضة العنصر الأكثر توصيلًا من حيث التوصيل الكهربائي والحراري، وبالتالي أصبحت الفضّة عنصرا أساسيا في التحول الطاقي الذي يشهده العالم حاليًا. ففي مجال الطاقة الكهروضوئية، تستهلك الألواح الشمسية التي تُولّد الطاقة الكهربائية، ما بين 120 إلى 125 مليون أونصة من الفضة سنويًا. وبالتالي ومع التوقّعات بإرتفاع قدرة إنتاج الطاقة الشمسية العالمية إلى 665 غيغاواط (1 غيغاواط يساوي 1000ميغاواط) في العام 2026، من المتوقّع أن يرتفع الطلب على الفضّة. هذا الأمر فرض أيضًا تعديلًا جوهريًا في هيكلية كلفة إنتاج الوحدات الشمسية حيث أصبحت الفضّة تُشكّل 17% من إجمالي الكلفة. وأدّى إرتفاع أسعار الفضّة إلى تفعيل عملية البحث عن بدائل على مثال ما تقوم به بعض الشركّات المصنّعة للألواح الشمسية (مثل LONGi وJinko Solar) لتبديل الفضّة بمعدن النحاس المطلي بالفضّة بهدف تخفيف كمية الفضّة المُستخدمة. إلا أن عوامل الأكسدة وموثوقية هذه التقنيات لا تزال تُشكّل تحديات كبيرة أمام الآمال بإستبدال معدن الفضّة الصافي.

أساسيات الاقتصاد الكلي: العجز الهيكلي
للعام السادس على التوالي، تشهد الأسواق عجزًا هيكليًا متجذّرًا مع تخطّي الطلب العالمي على الفضّة الكمّية المُستخرجة من المناجم! ومن المُتوقّع أن تزداد هذه الفجّوة هذا العام لتكون من أبرز سِمات الإقتصاد الكلي لسوق الفضة.

سبعون إلى خمس وسبعين بالمئة من كمية الفضة تُستخدم كمنتج ثانوي لإستخراج النحاس والرصاص والزنك والذهب. وهذا الأمر يخلق مُشكلة عدم مرونة العرض حيث من المُستبعد زيادة كمّية النحاس المُستخرجة من المناجم لمجرد ارتفاع أسعار الفضة ثلاثة أضعاف، اللهم إلا إذا إستدعت أسعار النحاس أيضًا توسيع المناجم. وبحسب التوقّعات، ستبلغ قيمة الطلب على الفضّة في العام 2026 ما يوازي 1.2 مليار أونصة، في حين أن الإنتاج السنوي في المناجم لن يتجاوز 830 مليون أونصة. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن هناك ما يوازي 200 مليون أونصة تأتي من إعادة التدوير، فإن العجز المُتوقّع يفوق المئة مليون أونصة سنويًا! في الواقع وطوال ست سنوات، تم إخفاء هذا العجز المُزمن عن طريق سحب المخزونات المخزنة في لندن (LBMA) ونيويورك (COMEX). إلا أن العام 2025 شهد تحولاً هائلاً في تجارة المعادن المادية من لندن إلى الولايات المتحدة وآسيا نتيجة الصراع الجيوسياسي والجيو – إقتصادي، مما أدى إلى أزمة سيولة في المراكز التجارية التقليدية.

التخلي عن الدولار الأميركي والصراع الجيوسياسي
إنضم معدنّ الفضة إلى الصراع الأوسع للسيطرة على الموارد. فمع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في الولايات المُتحدّة الأميركية وإحتدام الصراع الإقتصادي، وتحول دول مثل الصين والهند نحو تسويات العملات المحلية وأنظمة الدفع البديلة، بدأت العديد من هذه الدول في إعتبار الفضة من الإحتياطات الإستراتيجية، وبالتالي بدأ التخزين السيادي. وعلى الرغم من أن الذهب لا يزال يمثل الإحتياطي الأساسي للمصارف المركزية، إلا أن الفضة أصبحت عملة الإقتصادات النامية وعلى رأسها الهند التي بلغت فيها علاوات أسعار الفضة المادية مستويات قياسية في أوائل هذا العام، مما يعكس التحول الثقافي والإقتصادي الجذري نحو الأصول المادية. أيضًا، يُمكن القول إن حالة عدم اليقين الناتجة عن الرسوم الجمركية والخطر على التعريفات على المعادن المستوردة، دفع المصنعين المحليين في الدول إلى تسريع عملية ووتيرة التوريد، وهو ما نتج عنه مستويات عالية من التخزين المادي في المستودعات خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية.

السياسة النقدية والفضّة
ماليًا، من المعروف أن أداء الفضة يرتبط إرتباطًا وثيقًا بقيمة الدولار الأميركي وأسعار الفائدة الحقيقية. ومن الملاحظ حديثًا، أن قرار مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأميركي في أواخر العام 2025 بخفض أسعار الفائدة، ساهم في تقليل تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) للاحتفاظ بالأصول التي لا تدرّ عوائد (مثل الذهب والفضّة). وعلى الرغم من ذلك، تعرّضت سوق الفضّة إلى تقلبات في الأسعار لا تزال مُستمرة حتى تاريخ كتابة هذا المقال. ففي نهاية كانون الثاني الماضي، شهدت أسعار الفضة انهيارًا مفاجئًا وصلت إلى 30% من أعلى مستوى لها (110 دولارات أميركية للأونصة الواحدة) وذلك على خلفية تطبيق قواعد الهامش الجديدة في بورصة شيكاغو التجارية (CME) والتخلص من مراكز «الأوراق المالية» ذات الرافعة المالية (Leverage). وبالتالي نرى أن سوق الفضة يقف على مفترق طرق بين واقعين: من جهة الفضّة هي معدن نفيس يتأثر بتراجع قيمة العملة، ومن جهة أخرى تُشكّل الفضة مادة إستراتيجية لا غنى عنها في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

مُشكلة مُستمرة
لقد شهدت أسواق الفضة تحولاً جذرياً في العام 2025 وبداية العام 2026، حيث لم تعد تقتصر تقلبات الأسعار على مضاربات المتداولين، بل ثمة حقيقة يجب أن تظهر إلى العلن ألا وهي أن الطلب الصناعي المُرتفع يواجهه حقيقة مُؤلمة وهي محدودية كمية الفضّة في باطن الأرض. وعلى الرغم من أن شركات الطاقة الشمسية، تسعى عند إرتفاع الأسعار إلى البحث عن بديل مما يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار، إلا أن المشكلة ستبقى قائمة، إذ «لا يوجد ما يكفي من الفضّة لتلبية الطلب».

مصدرالديار - جاسم عجاقة
المادة السابقةوزارة المال: تقدّم إيجابي في المحادثات مع صندوق النقد
المقالة القادمةلبنان محاصر بالرشوة… والمواطن ضحيّة “الإكراميّة”