الرئيسية اقتصاد لبنان الهجمات الإسرائيلية تُفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في لبنان

الهجمات الإسرائيلية تُفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في لبنان

وسط استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، تتكشف يومًا بعد آخر أبعاد الأزمة الإنسانية والمعيشية التي تعصف بالبلاد، لتضيف طبقة جديدة من الصعوبات إلى الانهيار الاقتصادي المزمن الذي يعانيه اللبنانيون منذ سنوات طويلة.

ولا تمثل الأوضاع الحالية فقط تحديًا للقدرة الشرائية، بل تعكس أيضًا هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية التي انهارت تحت وطأة الصراعات الإقليمية والأزمات الداخلية المتراكمة.

وتبرز شهادات المواطنين حجم المعاناة اليومية، حيث بات تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية أمرًا شبه مستحيل، مع استمرار المخاوف من تدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب، في ظل غياب أي مؤشرات على تحسن قريب.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الهجمات المستمرة منذ 2 مارس الجاري أسفرت عن سقوط 1247 قتيلًا و3680 جريحًا، فيما نزح أكثر من مليون شخص عن منازلهم، وفقًا لبيانات السلطات اللبنانية.

وتأتي هذه الهجمات في سياق الحرب الإقليمية الأوسع التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حليفة حزب الله، منذ 28 فبراير الماضي، والتي خلفت بالفعل آلاف القتلى والجرحى في مناطق متعددة.

وتستهدف هذه الحملة الإقليمية تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تزيد من حدة الأزمة الإنسانية في الدول المتأثرة مباشرة، وفي مقدمتها لبنان، الذي يعاني منذ سنوات أزمة اقتصادية خانقة انعكست على مختلف جوانب الحياة اليومية.

وقبل اندلاع الهجمات الحالية، كان اللبنانيون يعيشون بالفعل في ظل أزمة اقتصادية صعبة انعكست على القدرة الشرائية، وفرص العمل، والأسعار، وخدمات الحياة اليومية.

ومع ذلك، تشير شهادات مواطنين إلى أن الوضع الحالي تجاوز مرحلة الصعوبة إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور.

ويصف إبراهيم، عامل يبلغ من العمر 45 عامًا، واقع معيشته قائلاً إن “الوضع الاقتصادي كان دائمًا على حافة الكفاف”، مضيفًا أن طبيعة عمله غير مستقرة، وأنه يعمل بعض الأيام ويظل بلا عمل أيامًا أخرى، في إشارة واضحة إلى محدودية فرص العمل حتى قبل الهجمات.

ويشير إبراهيم إلى أن الأسواق كانت تعاني ركودًا ملحوظًا، وأن اندلاع الهجمات جعل الواقع الاقتصادي أكثر قسوة، حيث “لم يعد لدى الناس المال، والقدرة الشرائية تتراجع بشكل حاد”. ويختصر المشهد بالقول “إذا كنت تأكل وتشرب فاحمد الله، فهناك من فقد عمله وبيته وحتى أسرته”.

ويؤكد خالد، مواطن آخر يبلغ من العمر 50 عامًا، أن الأزمة الاقتصادية شملت جميع القطاعات، وأن تأمين قوت اليوم لم يعد مضمونا، حيث أصبح من الصعب جدًا التوازن بين الدخل والمصروف.

ويضيف أن الأوضاع “شاملة من كل النواحي”، وأن الهجمات الحالية فاقمت الوضع إلى مستوى غير مسبوق.

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لم يتركوا أي هامش للتخطيط المالي أو مواجهة أي طارئ، مما دفع العديد من الأسر إلى الاعتماد على المساعدات المحلية والدولية لتأمين أبسط احتياجاتها اليومية.

وفي مدينة صيدا جنوب لبنان، يعكس محمد القرص، البالغ 60 عامًا، معاناة العمال الذين يعتمدون على دخل يومي، في ظل التزامات مالية متعددة تشمل إيجارات المنازل وفواتير الكهرباء وتكاليف التعليم، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.

ويشير وسام البزري، 47 عامًا، إلى أن النشاط الاقتصادي شبه متوقف، وأن ارتفاع أسعار السلع بين 30 و40في المئة خلال فترة قصيرة زاد من معاناة المواطنين، بينما تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات متدنية.

ويشير البزري إلى أن الأزمة لم تقتصر على نقص الموارد، بل امتدت لتشمل توقف الأعمال التجارية والخدماتية، ما خلق حالة من الركود شبه الكامل، وأدخل لبنان في مرحلة شلل اقتصادي ملموس في معظم المدن والمناطق.

شهادات المواطنين تبرز حجم المعاناة اليومية، حيث بات تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية أمرًا شبه مستحيل، مع استمرار المخاوف من تدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب، في ظل غياب أي مؤشرات على تحسن قريب.

كما تضرر قطاع التعليم بشكل مباشر، حيث توقفت العملية التعليمية في عدد من المدارس نتيجة القصف والنزوح.

ويوضح بسام جمعة، معلم رياضيات في إحدى ثانويات النبطية، أن الطلاب حرِموا من متابعة دروسهم، بينما تضرر دخل المعلمين نتيجة توقف الدروس الخصوصية، على الرغم من استمرار الرواتب الرسمية.

ويشير إلى محاولاته الفردية لدعم الطلاب النازحين، في محاولة للتخفيف من آثار الانقطاع عن التعليم.

ومنذ بداية الهجمات، حُرم نحو نصف مليون طالب من مدارسهم التي تحولت 350 منها إلى مراكز إيواء لأكثر من مليون نازح.

ويبرز هذا التأثير حجم الكارثة الاجتماعية، حيث يتعرض الجيل الشاب لخطر فقدان التعليم المنتظم، ما قد يؤدي إلى تأثيرات طويلة الأمد على مستوى المعرفة والمهارات المستقبلية.

النازحون أنفسهم يعكسون الصورة المعيشية الصعبة. عباس درويش من النبطية اضطر للنزوح إلى صيدا بعد توقف عمله في مجال الأدوات الصحية والتدفئة المركزية.

وإسماعيل بشر، صاحب مطعم في النبطية، فقد مصدر دخله نتيجة القصف، واضطر للجوء إلى صيدا، ليجد نفسه اليوم بلا عمل أو موارد مالية، معتمدًا على المساعدات في ظروف صعبة. هؤلاء النازحون يمثلون شريحة واسعة من السكان الذين فقدوا سبل العيش بشكل كامل، وأصبحوا عاجزين عن إعادة بناء حياتهم اليومية في ظل استمرار الهجمات وغياب الدعم الكافي.

وتظهر هذه المعطيات أن الهجمات الإسرائيلية المستمرة لم تفاقم فقط الأزمة الإنسانية في لبنان، بل عمّقت الانهيار الاقتصادي وأدخلت البلاد في مرحلة من الشلل شبه الكامل، حيث يتراجع النشاط التجاري والخدماتي، وترتفع الأسعار بشكل سريع، وتصبح الحياة اليومية أكثر تعقيدًا على جميع المواطنين، سواء في المدن أو القرى أو مناطق النزوح.

كما أن هذه الأوضاع تزيد من هشاشة النظام الاجتماعي وتؤجج التوترات بين السكان، في وقت تظل فيه المؤسسات الحكومية عاجزة عن تقديم حلول جذرية وفعالة.

الجانب الإنساني يضاف إليه البعد النفسي، إذ يعيش السكان حالة من الخوف وعدم اليقين، مع انتشار مشاعر القلق والإحباط بين المواطنين. إبراهيم يصف الوضع بقوله “الخوف يسيطر على الناس ولا أحد يعرف ماذا سيحدث لاحقًا”، ما يعكس التأثير النفسي الكبير للهجمات على الأفراد والمجتمع ككل.

كما أن استمرار تضرر البنى التحتية الأساسية، من كهرباء وماء وطرق، يفاقم معاناة السكان، ويجعل أي جهود لإعادة الحياة الطبيعية شبه مستحيلة في ظل الأوضاع الحالية.

ويعيش لبنان اليوم أزمة مركبة تجمع بين النزوح الهائل، الانهيار الاقتصادي، توقف التعليم، والضغط النفسي على السكان. الهجمات الإسرائيلية المستمرة أسهمت بشكل مباشر في تعميق هذه الأزمة، وجعلت من صعوبة الحياة اليومية واقعًا ملموسًا يواجهه المواطنون يوميًا.

ومع استمرار هذه الهجمات، يبقى السؤال الأكبر حول إمكانية تدخل عاجل لدعم السكان، سواء عبر المساعدات الإنسانية المباشرة أو جهود إعادة الإعمار، قبل أن تتحول الأزمة اللبنانية إلى كارثة أكبر تتجاوز الحدود المحلية لتطال الاستقرار الإقليمي بأسره.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةتوترات الشرق الأوسط تربك أكبر أسواق العالم
المقالة القادمةالأسعار تقفز بأكثر من 30%… واللبنانيون في “جحيم مزدوج”