الرئيسية اقتصاد لبنان الهيئة الناظمة تحتاج إلى استشاري للقيام بمهامّها! قطاع الاتصالات «بقرة حلوب» مُجدّداً؟

الهيئة الناظمة تحتاج إلى استشاري للقيام بمهامّها! قطاع الاتصالات «بقرة حلوب» مُجدّداً؟

حين عُيّنت الهيئة الناظمة للاتصالات في أيلول الماضي، بعد شغور دام أكثر من 13 عاماً، أمضت الحكومة أشهراً في انتقاء رئيسها وأعضائها، وفق آلية يُفترض أنها قامت على الكفاءة والاختصاص. وبناءً على هذا المعيار، عُيّنت جيني الجميل رئيسة للهيئة، إلى جانب أربعة أعضاء هم ديانا بو غانم، رجاء شريف، هيثم سرحان ومحمد أيوب. ولم تكن الرواتب والتقديمات هامشية. فقد مُنحت الجميل راتباً شهرياً يوازي 8 آلاف دولار، إلى جانب تعويضات وتقديمات أخرى، فيما بلغت مخصّصات كل عضو 7 آلاف دولار شهرياً، أي ما مجموعه نحو 36 ألف دولار شهرياً لرئيسة الهيئة وأعضائها. وكان المبرّر المُعلن توفير الاستقلالية وتأمين بيئة عمل مريحة يتيحان لهم القيام بالمهام الموكلة إليهم.

ومن أبرز هذه المهام، القرار الرقم 5 الصادر عن مجلس الوزراء في 15 كانون الثاني الماضي، والذي كلّف الهيئة إعداد دفتر شروط جديد ومشروع عقد الإدارة والتشغيل لشبكتي الخلوي، ووضع شروط الاشتراك والتأهيل للمنافسة العالمية، ضمن مهلة ثلاثة أشهر.

لكنّ مجلس الوزراء نفسه عاد، في أيار الماضي، ووافق على تمديد المهلة خمسة أشهر إضافية. والمفارقة أن الهيئة لم تطلب التمديد بصراحة، بل قدّمت الأمر إلى مجلس الوزراء وكأنها تحتاج إلى مهلة إضافية لإنجاز المهمة الموكلة إليها، فيما كان الأمر عملياً أنها غير قادرة على إنجاز المهمة بقدراتها الذاتية. ولذلك، أطلقت الهيئة، في آذار الماضي، عبر هيئة الشراء العام، مناقصة للاستعانة بشركة استشارية تتولّى القيام بجزء أساسي من المهمة التي كُلّفت بها الهيئة أصلاً، أي «إعداد دفتر شروط ومشروع عقد الإدارة والتشغيل لشبكتي الخلوي ميك 1 وميك 2».

واليوم، ومع اقتراب انتهاء مهلة الأشهر الخمسة الإضافية، وجّه وزير الاتصالات شارل الحاج كتاباً، بصفة العجلة، إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، طالباً الموافقة على «تأمين التمويل اللازم للاستعانة بشركة استشارية دولية للمساعدة والتحقّق في إعداد دفتر الشروط ومشروع عقد الإدارة لتشغيل شبكتي الخلوي»، وعلى تمديد المهلة الممنوحة للهيئة حتى منتصف آذار 2027. ولم يتوقف الأمر هنا، إذ إن الحاج يطلب أيضاً من مجلس الوزراء الموافقة على اقتراح الهيئة تأمين كلفة هذه الخدمات الاستشارية من موازنة شركتي الخلوي، أي أن تموّل «ألفا» و«تاتش» العقود التي تبرمها الهيئة الناظمة للاتصالات.

وينطوي هذا الطلب على إشكاليات قانونية وإدارية عدة. أُولاها الالتفاف على القرار الرقم 5 الصادر عن مجلس الوزراء، والذي كلّف الهيئة الناظمة بإعداد دفتر الشروط ومشروع عقد الإدارة والتشغيل، لا تكليف شركة استشارية بهذه المهمة. وقد دفع ذلك رئيس هيئة الشراء العام، جان العلية، إلى رفض دفتر الشروط مرتين، ومراسلة الهيئة وتوجيه ملاحظات وإرشادات قانونية إليها، أبرزها «ضرورة عرض الموضوع مجدّداً على مجلس الوزراء للحصول على صيغة واضحة تسمح للهيئة، المُكلّفة بموجب اختصاصها الطبيعي كهيئة منظّمة ومُعيّنة من اختصاصيين ذوي كفاءات عالية في هذا المجال، بالتعاقد مع الغير لمساعدتها في تنفيذ هذه المهمة». وضمّن العلية كتابه ملاحظات على الإعلان الذي أعدّته الهيئة، والذي يفتقد إلى الحد الأدنى من معايير استدراج العروض.

وهو ما يطرح سؤالاً بديهياً: إذا كانت الهيئة تواجه صعوبة في إعداد إعلان لاستدراج عروض، فكيف يمكن أن يُعهد إليها مشروع بحجم تلزيم إدارة وتشغيل شبكتي الخلوي؟

وليست هذه آخر المفاجآت. فبحسب كتاب وزير الاتصالات، ألغى مجلس إدارة الهيئة مناقصة الاستعانة باستشاري في 11 آب 2026، بعد «دراسة نتائج عملية الشراء وارتفاع قيمة العرض المُقدّم». أي إن الهيئة احتاجت إلى خمسة أشهر من طرح الإعلان عبر هيئة الشراء العام لتكتشف «محدودية الاعتمادات في موازنتها»، البالغة 400 ألف دولار، ورغبتها في استخدام هذه الاعتمادات لدراسات تتعلّق بسوق الاتصالات».

إذا كانت الهيئة تواجه صعوبة في إعداد إعلان لاستدراج عروض فكيف يُعهد إليها مشروع بحجم تلزيم إدارة وتشغيل شبكتي الخلوي

المفارقة أن هذا الاكتشاف جاء بعدما تقدّمت نحو ثماني شركات عالمية بعروضها. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بكلفة مناقصة أُلغيت، بل أيضاً بصورة لبنان أمام شركات دولية دُعيت إلى المشاركة في عملية شراء عام قبل أن يتبيّن للجهة الطالبة أنها لا تملك التمويل الكافي لتنفيذها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: على أي أساس أطلقت الهيئة استدراج العروض، إذا لم تكن قد حدّدت مُسبقاً سقفاً مالياً يتناسب مع موازنتها وحاجاتها ودراساتها؟ وهل يُعقل أن تكون الهيئة، التي يُفترض أن تتولى تنظيم قطاع الاتصالات ومراقبته، غير قادرة على تقدير كلفة المهمة التي طلبت من شركات عالمية تنفيذها؟ وهل الهيئة مؤهّلة حقاً لتكون في هذا الموقع المرتبط بتنظيم ومراقبة قطاع أساسي في الدولة اللبنانية، يرتبط مباشرة بالمال العام؟

المسألة لا تنتهي عند حدود استعانة الهيئة باستشاري لإنجاز مهمة أوكلها إليها مجلس الوزراء. بل إن وزير الاتصالات يريد اليوم، بعد فتح قطاع الاتصالات على الخصخصة، تمرير بند آخر يتيح للهيئة إعداد استدراج عروض جديد لتفويض شركة استشارية القيام بمهامها، لكن هذه المرة بتمويل من شركتي الخلوي «ألفا» و«تاتش».
وهنا تبرز إشكالية إضافية تتعلق بتضارب المصالح وباستقلالية الهيئة. فالهيئة يُفترض أن تكون الجهة التي تنظّم عمل شركتي الخلوي وتراقبه، لا أن تتلقّى منهما التمويل مباشرة لتمويل عقودها الاستشارية. فكيف يمكن لجهة رقابية أن تحافظ على استقلاليتها، فيما تصبح كلفة بعض أعمالها مُموّلة من الشركات الخاضعة لرقابتها؟

هذا الأمر يعيد إلى الأذهان المرحلة التي تحوّل فيها قطاع الاتصالات إلى منظومة فاسدة، واستُخدمت فيها إيرادات القطاع ومُقدّراته كـ«بقرة حلوب» لتمويل أنشطة الوزراء والسياسيين والمُقرّبين منهم. وقد وثّق ديوان المحاسبة عدداً من المخالفات في هذا القطاع، وأفضت ملفات منها إلى ملاحقة ومحاكمة عدد من وزراء الاتصالات المتعاقبين.

وإذا سلّمنا جدلاً بأن الهيئة «لا تعرف» كيف تُعِدّ دفتر شروط، فثمة دفاتر شروط أُنجزت منذ عام 2019 وما قبله، يمكن أن تنطلق منها. وهذه الدفاتر أعدّها وزراء الاتصالات في حينه من دون الحاجة إلى شركات واستشاريين.

أمّا الإصرار على تكليف استشاري، فيطرح أسئلة أوسع حول جدوى الهيئة نفسها: لماذا دُفعت رواتب مرتفعة لرئيسها وأعضائها على أساس الكفاءة والاختصاص، إذا كانت أولى المهام الأساسية التي أوكلت إليها ستُحال إلى شركة استشارية؟

في عامها الأول، تبدو الهيئة أقرب إلى أن تكون حديقة خلفية للوزير لإنجاز المعاملات والمشاريع التي لا يرغب في ربطها مباشرة بشخصه. ويبقى السؤال: هل يمرّر مجلس الوزراء هذه المخالفة ويضع الأموال العامة مجدداً في خدمة امتيازات أصحاب المعالي؟

ولا تنفصل هذه الإشكالية عن أصل المهمة نفسها. فالقرار الوزاري الذي يمنح الهيئة صلاحية إعداد العقود المتعلّقة بإدارة شبكتي الخلوي يثير، وفق خبير الاتصالات وسيم منصور، التباسات قانونية. ويشير منصور إلى أن البند الأول من المادة 19 من قانون الاتصالات الرقم 431 يتصل بمنح تراخيص وخدمات دولية جديدة، وليس بتلزيم إدارة وتشغيل شبكتي خلوي قائمتين منذ نحو عشرين عاماً ومملوكتين للدولة.

مصدرجريدة الأخبار - رلى إبراهيم
المادة السابقةالاتصالات ستلغي «تشريج» الأيام والدولارات
المقالة القادمةحين يتواطأ الجميع يدفع المريض الثمن | المستشفيات للجهات الضامنة: لا أموال… لا علاج!