الرئيسية اقتصاد دولی الهيليوم: الغاز الخفيّ في أزمة الطاقة العالمية

الهيليوم: الغاز الخفيّ في أزمة الطاقة العالمية

الهيليوم، الغاز الخامل المرتبط بإنتاج الغاز الطبيعي، يشكّل عنصراً حيوياً للقطاعات الطبية والتكنولوجية، فيما يضع اعتماد إمداداته على قطر ومضيق هرمز السوق العالمية أمام مخاطر لوجستية كبيرة.

في أسواق الطاقة التي يُقاس فيها التوتر عادةً بتقلّبات أسعار النفط والغاز الطبيعي، يمرّ غاز آخر بصمتٍ نسبي على الرغم من أنّ تعطّل إمداداته يربك مصانع الشرائح الإلكترونية والمستشفيات والمختبرات المتقدّمة في آن معاً.
هذا الغاز الخفيف وغير القابل للاشتعال هو الهيليوم: عنصرٌ كيميائي خامل، ينتمي إلى عائلة الغازات النادرة الكيميائية.

تنتجه غالباً آبار النفط بوصفه مُنتجاً مرافقاً للغاز الطبيعي، بمعنى آخر، عند استخراج «الميثان»، أو الغاز الطبيعي، من مكامنه يخرج معه غاز الهيليوم. لذلك، عندما تُطرح مسألة إقفال مضيق هرمز، لا يكون التهديد محصوراً بشحنات النفط والغاز المُسال فقط، بل يمتد أيضاً إلى الهيليوم الذي تنتجه قطر بشكل أساسي، والتي تُعدّ أهم عقد الإمداد العالمية لهذا الغاز.

ما هو الهيليوم؟
الهيليوم عنصر كيميائي خامل للغاية، أي إنه لا يتفاعل بسهولة مع الموادّ الأخرى، وهو ما يعطيه خصائص صناعية مهمة. يتميز بانخفاض شديد في درجة غليانه، ما يجعله أساسياً في تطبيقات التبريد العميق، أي التبريد إلى حرارة تقلّ عن سالب 260 درجة مئوية. هذه الخصائص هي ما يفسّر أهميته الاستثنائية: فهو يُستخدم في تبريد قطع المغناطيس الفائقة التوصيل في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي «MRI»، وفي بعض تطبيقات البحث العلمي المتقدّم، كما يُستخدم في تصنيع أشباه الموصلات والألياف الضوئية، ويُعدّ من ضمن الغازات المُستخدمة في المختبرات، وفي بعض عمليات اللحام، وكشف التسرّبات الدقيقة، وعمليات الضغط والتطهير في الصناعات الحساسة.

وبخلاف الصورة الشائعة التي تربط الهيليوم بالبالونات فقط، فإن القيمة الحقيقية لهذا الغاز تكمن في كونه مادة تشغيل أساسية لقطاعات عالية الحساسية. فأجهزة الرنين المغناطيسي تحتاج إليه للحفاظ على بيئة تبريد شديدة الانخفاض، بينما تعتمد عليه صناعات الإلكترونيات الدقيقة في بعض مراحل التصنيع والبيئات النظيفة. ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في السوق لا ينعكس أولاً على الاستخدامات الترفيهية، بل على القطاعات الطبية والتكنولوجية التي تُعطى عادة أولوية في التوريد عند الشح.

وبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فاستهلاك الولايات المتحدة لعام 2024 لغاز الهيليوم يتركّز في المختبرات بنسبة 22%، وغازات الرفع (المناطيد) بنسبة 18%، وأجهزة الرنين المغناطيسي بنسبة 17%، وصناعة الألياف الضوئية وأشباه الموصلات بنسبة 15%، حيث يُستخدم لـ«ضبط الأجواء»، أي بغية الحصول على بيئة خالية من الملوّثات، ثمّ اللحام بنسبة 8%، وأخيراً الضغط والتطهير بنسبة 7%.

كيف يُستخرج الهيليوم؟
الهيليوم التجاري لا يُنتج غالباً بوصفه غازاً مستقلاً، بل يُستخرج من الغاز الطبيعي عندما تكون نسبته فيه كافية اقتصادياً. على سبيل المثال، توضح المصادر الرسمية القطرية أن «كمية الهيليوم الموجودة في حقل الشمال ضئيلة جداً وتبلغ نحو 0.04% من محتوى الخزان». ولكن ضخامة الحقل نفسه تجعل هذه النسبة الصغيرة كافية لتأسيس صناعة عالمية كبيرة. لذا، بعد استخراج الغاز الطبيعي ومعالجته، يُفصل الهيليوم ويُنقّى ويُسال ثم يُنقل في حاويات خاصة إلى المشترين الصناعيين حول العالم.

هذه الطبيعة «المرافقة» لإنتاج الهيليوم تفسّر أيضاً هشاشة السوق: فإمداداته لا ترتبط فقط بوجوده الجيولوجي، بل ببنية الغاز الطبيعي ومحطات المعالجة، والتسييل، والفصل، والنقل. لذلك، حين تتعطّل المنشآت الغازية الكبرى أو مرافئ التصدير المرتبطة بها، يتأثّر الهيليوم معها تلقائياً.

من أين يأتي الهيليوم في العالم؟
وفق أحدث جداول الإنتاج العالمي الواضحة الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عن عام 2024، بلغ الإنتاج العالمي من الهيليوم نحو 180 مليون متر مكعّب. وتتوزع الحصة الأساسية من الإنتاج بين الولايات المتحدة، وقطر، وروسيا، والجزائر، وكندا، فضلاً عن دول أخرى ذات إنتاج أقل.

وتُظهِر الجداول نفسها أن قطر أنتجت عام 2024 نحو 64 مليون متر مكعّب، مقابل 68 مليون متر مكعّب من الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي، إضافة إلى 13 مليون متر مكعّب من حقل «كليفسايد»، فيما بلغ إنتاج روسيا 17 مليون متر مكعّب، والجزائر 11 مليون متر مكعّب، وكندا 6 ملايين متر مكعّب. وهنا تؤكد «قطر للطاقة» أنّ تشغيل مصنعي الهيليوم في مصفاة رأس لفان بكامل طاقتهما يتيح لها تلبية نحو 25% من الإنتاج العالمي.

لماذا يرتبط الهيليوم بمضيق هرمز؟
الجواب المباشر هو أن الهيليوم القطري يُنتج ويُشحَن من مصفاة وميناء رأس لفان، وأن قطر تعتمد بحرياً على الممر الخليجي للوصول إلى الأسواق العالمية. بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال العالمية مرّت عبر مضيق هرمز عام 2024، في المقام الأول من قطر، فيما تذكر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المُسال تعبر المضيق. وبما أن منشآت الهيليوم القطرية مرتبطة ببنية الغاز نفسها في رأس لفان، فإن تعطّل الملاحة في هرمز يعني عملياً تعقيد أو تعطيل خروج شحنات الهيليوم أيضاً.

إذا أُخذ رقم الإنتاج القطري لعام 2024، أي 64 مليون متر مكعّب، وقورن بالإنتاج العالمي البالغ 180مليون متر مكعّب، فإن الحصة المرتبطة بقطر تعادل نحو 35.6% من الإنتاج العالمي. وهذه ليست كلّها بالضرورة «سوقاً فورية» تمرّ في لحظة واحدة، لكنّها تعطي صورة واضحة عن حجم الكمية التي تصبح عرضة للخطر اللوجستي إذا تعطّل هذا الممر البحري. أي إن أكثر من ثلث الهيليوم المُنتج عالمياً يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمركز إنتاج وتصدير يعتمد على الخليج ومضيق هرمز.

هل يمكن تعويض نقص الهيليوم؟
جزئياً فقط. وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، «لا يوجد بديل حقيقي للهيليوم في التطبيقات الكريوجينية، أو التبريد العميق، والتي تتطلّب درجات حرارة أدنى من -268 مئوية. ولهذا السبب تحديداً يصعب استبداله في تبريد أجهزة المغناطيس الفائقة التوصيل، ومنها أجهزة الرنين المغناطيسي. صحيح أن غاز الأرغون يمكن أن يحلّ مكانه في بعض عمليات اللحام، وأن غاز الهيدروجين قد يُستخدم في بعض تطبيقات الرفع أو الغوص في ظروف خاصة، لكن هذه بدائل جزئية لا تنطبق على أهم استعمالات الهيليوم وأكثرها حساسية.

من هم المستهلكون الرئيسيون؟
إذا نظرنا إلى الاستهلاك من زاوية القطاعات، فإن أكبر المستهلكين هم: الصناعات التحليلية والمخبرية والغازات المتخصّصة، ثم الطب، خصوصاً أجهزة الرنين المغناطيسي MRI ثم أشباه الموصلات والألياف الضوئية، وبعدها تطبيقات الرفع واللحام والضغط والتطهير.

وإذا نظرنا جغرافياً، فإن آسيا تبدو الأكثر حساسية، لأن صناعات الشرائح والإلكترونيات فيها تعتمد بدرجة كبيرة على واردات مستقرة من الهيليوم. وتذكر التقارير أنّ كوريا الجنوبية واليابان وتايوان والصين من بين أبرز المستهلكين المعتمدين على الهيليوم القطري، ما يفسر سرعة تفاعل الأسواق الآسيوية مع أي اضطراب في الخليج.

ماذا يعني أي اضطراب طويل في هرمز؟
أولاً، تفقد السوق العالمية مرونتها بسرعة. فالمنتجون الآخرون موجودون، مثل الولايات المتحدة وكندا والجزائر وروسيا، لكنّ القدرة على تعويض توقف كبير في الصادرات القطرية ليست فورية، سواء بسبب الطاقة المحدودة أو بسبب طبيعة العقود الطويلة أو تعقيدات النقل في حاويات الهيليوم السائل. وقد أظهرت تقارير حديثة في آذار من عام 2026 أن الاضطرابات المرتبطة بالمنطقة دفعت الأسعار إلى الارتفاع، مع تحذيرات من أثر مباشر على قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية، خصوصاً مع محدودية السعة الفائضة عالمياً.

بمعنى آخر، قيمة الهيليوم ليست في حجمه التجاري مقارنة بالنفط، بل في عدم قابليته السهلة للاستبدال داخل صناعات حرجة. ولهذا فإن إقفال مضيق هرمز أو حتى اضطراب الملاحة فيه لا يهدّد فقط ناقلات الطاقة التقليدية، بل يهدّد أيضاً واحداً من أكثر الغازات حساسية للاقتصاد الطبي والتكنولوجي المعاصر. وما يبدو في الظاهر مادةً «صغيرة» في سوق الطاقة، يتحوّل عند الاختناق إلى عنصر قادر على تعطيل قطاعات كاملة، من غرفة التصوير في المستشفى إلى خط إنتاج الرقائق في المصنع.

الهيليوم بالأرقام
الإنتاج العالمي عام 2024: 180مليون متر مكعّب.
إنتاج قطر عام 2024: 64 مليون متر مكعّب.
حصة قطر من الإنتاج العالمي: نحو 35.6%.
أبرز المنتجين عام 2024: الولايات المتحدة، قطر، روسيا، الجزائر وكندا.

مصدرجريدة الأخبار - فؤاد بزي
المادة السابقةالأسمدة متوافرة حتى إشعار آخر
المقالة القادمةوزارة الزراعة تطلق مبادرة لضبط أسعار البطاطا