بداية متحفظة لترمب تثير التفاؤل الاقتصادي العالمي

كان صناع السياسات الاقتصادية العالمية يستعدون لعاصفة اقتصادية قادمة من الإدارة الأميركية الجديدة، ولكنهم فوجئوا ببداية متحفظة بشكل مفاجئ من دونالد ترمب الذي رغم تصريحاته الكثيرة لا يزال يظهر حذراً في اتخاذ الإجراءات، على الأقل في الوقت الراهن.

ومنذ بداية ولايته، ألمح ترمب إلى فرض حواجز تجارية شاملة، إلا أنه بدلاً من ذلك ركز في الأسبوع الأول من منصبه على أجندته المحلية، مع عدم حدوث تغييرات كبيرة في المشهد التجاري العالمي. وقد أثار التهديد بفرض تعريفات جمركية شاملة، والذي كان جزءاً أساسياً من وعوده الانتخابية، مخاوف من عودة التضخم، وفق «رويترز».

ورغم تحذيره من احتمال فرض ضريبة بنسبة 25 في المائة على الواردات من كندا والمكسيك اعتباراً من الأول من فبراير (شباط)، فإن ضبط النفس الذي أبداه حتى الآن سمح بظهور ثقة حذرة في التوقعات الاقتصادية العالمية. ومن المتوقع أن يقوم كل من البنك المركزي الأوروبي، وبنك كندا، وبنك إنجلترا، بتخفيض أسعار الفائدة في الأيام والأسابيع القادمة، في رهان من صناع السياسات على أن التضخم سيستمر في التباطؤ.

وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن يخفف بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بشكل أكبر يوم الأربعاء، بحجة أن التضخم ربما يتباطأ مع استمرار ارتفاع حرارة الاقتصاد وتهديدات التعريفات الجمركية. ومن المرجح أن يثير ذلك استياء ترمب الذي يضغط بالفعل على البنك لتخفيض تكاليف الاقتراض.

وبعد تهديد الصين بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 60 في المائة، قال ترمب إنه قد يعقد صفقة مع بكين بعد محادثة وصفها بنبرة متوهجة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. وعن الاتصال المبكر أوضح ترمب: «كانت محادثة جيدة وودية»، مشيراً إلى أنه يفضل عدم الحاجة إلى استخدام التعريفات الجمركية ضد الصين. وفي هذا السياق، قال مسؤول في وزارة التجارة الصينية إن بكين مستعدة للعمل مع واشنطن من أجل الحفاظ على علاقات تجارية مستقرة.

وقد عززت هذه التصريحات من رهانات السوق على استمرار انخفاض التضخم، مما منح البنوك المركزية حول العالم مجالاً لخفض أسعار الفائدة بشكل أكبر، ومنح الأسواق بعض الاستقرار بعد أكبر ارتفاع في الأسعار منذ أجيال.

وشعرت الأسواق بالراحة؛ إذ ارتفعت الأسهم، وانخفضت أسعار النفط، وتعززت التوقعات بخفض أسعار الفائدة. كما تراجعت بعض المكاسب الاستثنائية التي حققها الدولار بعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).

ومضى بنك اليابان قدماً في رفع أسعار الفائدة الذي تم الإعلان عنه بشكل جيد يوم الجمعة، في حين خففت سنغافورة سياستها كما كان متوقعاً. أما في السويد، فقد ظل خفض أسعار الفائدة يوم الأربعاء محسوباً بالكامل، مما يشير إلى أن الأسبوع الأول لترمب لم يشهد تغييرات كبيرة في مسارات أسعار الفائدة المستقبلية.

وقال بول جرونوالد، كبير خبراء الاقتصاد العالمي في «ستاندرد آند بورز غلوبال» للتصنيفات الائتمانية: «لم يتم أخذ التصريحات، بما في ذلك خطاب التنصيب، على محمل الجد». وأضاف: «فُسرت هذه التصريحات على أنها مزيج من نيات السياسة وتكتيكات التفاوض والخطاب السياسي»، مشيراً إلى أن التقلبات المحتملة وعدم اليقين حول إدارة ترمب قد «تم استيعابها» من قبل المستثمرين.

أجزاء متحركة كثيرة

وبينما يعتقد الكثيرون أن هذه الراحة قد تكون مؤقتة، أشار بعض القادة إلى تحول نبرة ترمب تجاه الصين باعتبارها نقطة تحول مهمة. وقال ثارمان شانموغاراتنام، رئيس سنغافورة، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «لقد أوحى ذلك برغبة في فهم جديد ورغبة في تجنب التفكك المستمر لعلاقة لا تزال مهمة للغاية للاقتصاد العالمي».

ومع ذلك، فإن هذا النوع من عدم اليقين هو ما يجعل صناع السياسات يتعاملون بحذر. وكان بعض المحللين يتوقعون أن يخفض بنك الشعب الصيني أسعار الفائدة أو يضخ السيولة هذا الشهر، ولكن حتى الآن ظل البنك متحفظاً، وأبدى قلقاً بشأن انخفاض قيمة اليوان مؤخراً، وهو أمر قد يتسارع إذا تصاعدت التوترات التجارية.

وفي حين أنه لا يُتوقع أن تتحول البنوك المركزية الأخرى في الأسواق الناشئة إلى سياسات متشددة – باستثناء البرازيل التي استأنفت دورة رفع أسعار الفائدة – فإن التقلبات الناجمة عن تصريحات ترمب والمخاطر المرتبطة بالتضخم ما تزال تحد من المجال أمامها لتخفيض أسعار الفائدة.

وقال محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي في جنوب أفريقيا، ليسيتيا كجانياجو، لـ«رويترز» في «دافوس»، إن هناك «أجزاء متحركة كثيرة» بحيث لا يوجد رؤية واضحة للضغوط السعرية في الوقت الحالي.

ويعد اجتماع بنك الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع هو محور الاهتمام المباشر.

ومن المفارقات أن السبب الرئيسي وراء انخفاض التضخم في الولايات المتحدة ببطء هو أن الاقتصاد يثبت أنه أكثر قوة مما كان يعتقده الجميع، وهو ما ينبغي أن يكون نعمة لترمب. وقال داريو بيركنز من «تي إس لومبارد»: «لقد كان الهبوط ناعماً في الأساس».

وأضاف: «لقد عاد التضخم إلى المستويات التي يريدونها، وعادت سوق العمل إلى التوازن الكامل، ولم تعد هناك اختلالات مالية أساسية؛ لذا يجب علينا ألا ندمر ذلك».

مصدرالشرق الأوسط
المادة السابقةالدولار يتأرجح وسط مخاوف تجارية
المقالة القادمةالمحروقات تُهرّب عبر الحدود بسبب فارق الأسعار