بين الانهيار الاقتصادي وغياب الدولة، تحوّلت بطاقة أمان من وعد بالحماية الاجتماعية إلى موضع شكّ واسع. فهل أدّت دورها بوصفها شبكة أمان للفقراء، أم سقطت بدورها في فخّ الزبائنية والمحسوبيات؟
“أنا معوّق بلا عمل وبلا مدخول، وزوجتي أيضًا معوّقة وكانت تعمل سابقًا في إحدى الجمعيات. قلت أخيرًا سترانا الدولة وتنصفنا عبر بطاقة أمان، لكن للأسف هي لا ترانا أبدًا”.
بهذه العبارة يختصر محمد م. 29 عامًا من بلدة الفاكهة قصّة آلاف اللبنانيين الذين علّقوا آمالهم على برنامج أمان بوصفه شبكة حماية اجتماعية، لا سيما بعد مرحلة الانهيار، قبل أن يصطدموا لاحقًا بأبوابٍ موصدة ومعايير غامضة في كيفية تعريف الفقر على الأرض.
يعاني محمد م. من إعاقة حركية تمنعه من العمل، ويحتاج إلى أدوية دائمة. تقدّم بطلب للاستفادة من خدمات الوزارة عبر الرابط الإلكتروني الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية، وانتظر أكثر من عام قبل أن يُبلّغ بأنه غير مؤهّل. يقول في حديث إلى المدن “أحسست أنّ الإعاقة تهمة، وكأن الفقر وحده لا يكفي. أعرف أشخاصًا أصحّاء ميسورين حصلوا على البطاقة، وأنا تمّ رفضي بلا تفسير”.
صرخة محمد ليست حالة فردية، بل مؤشر فاضح على الخلل في تنفيذ برنامج وُلد أصلًا كمظلّة حماية وشبكة وقاية للمهمشين ومعدومي الدخل.
وُلد كشبكة أمان.. ولكن
في بلد يترنّح ويفتقد أدنى مقوّمات العيش الكريم، وُلد برنامج أمان كشبكة حماية اجتماعية تموّلها جهات دولية وتنفّذها وزارة الشؤون الاجتماعية، بهدف مساعدة الأسر الأكثر فقرًا عبر تحويلات نقدية شهرية.
لا يمكن إنكار أنّ البطاقة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً مع الانهيار المالي وتبّخُر الودائع منذ عام 2019 وارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 70 في المئة من السكان. في ظل غياب نظام ضمان اجتماعي فعلي، شكّلت المساعدة النقدية المباشرة متنفسًا حقيقيًا لآلاف العائلات التي ما عاد دخلها يكفي لتأمين الخبز والدواء وفاتورة الكهرباء.
لكن أهمية أي برنامج اجتماعي لا تُقاس بالنوايا والشعارات البرّاقة، بل بعدالة تنفيذه وبالوصول إلى مستحقيه بشفافية ووضوح، وهنا تحديدًا تبدأ الإشكالية اللبنانية.
هل وصلت إلى مستحقيها؟
في بلدات البقاع الشمالي، حيث يتقاطع الفقر والحاجة مع غياب الدولة، يتكرّر السؤال ذاته لماذا حصل بعض الميسورين على بطاقة أمان، فيما حُرمت منها أسر معدمة وتحت مستوى خط الفقر؟
أبو علي55 عامًا من بلدة اللبوة يقول لـ”المدن”: قدّمت طلبًا ورقيًا منذ الأيام الأولى لبرنامج الأُسَر الأكثر فقرًا، ثم أعدت تعبئته إلكترونيًا دون جدوى في الحالتين. ليس لديّ عمل ثابت أعتاش منه. ويسأل بحدّة “كيف أنا غير مؤهّل لأني فقير؟ وبذات الوقت جاري صاحب السوبرماركت اسمو بأول المقبولين؟”.
أما أم حسين الحجيري من بلدة عرسال فتقول: “مدخولي الوحيد كان من البستان ومن أهل الخير. البساتين والمواسم ضاعت بين المسلحين والجفاف، والضائقة عمّت الجميع. من كان يساعد غيره بات بحاجة لمن يساعده”. وتشير إلى رفض طلبها، بينما قُبل طلب جارها “المدهن” لأن قريبه من بين الموظفين.
هذه الشهادات تتكرّر في أغلب بلدات البقاع الشمالي ولبنان، وتشير إلى فجوة خطيرة بين هدف البرنامج نظريًا وآلية تنفيذه ونتائجه واقعيًا.
المحسوبيات والسياسة
في قرى بعلبك – الهرمل وغيرها من المناطق يقولها الجميع علانية “لوائح المستفيدين ليست بعيدة عن تدخّلات حزبية وسياسية وبلدية وشخصية”.
يقول مختار عرسال علي الحجيري لـ”المدن” “الجميع مقتنع أنّ البطاقة تحتاج إلى واسطة، مئات العائلات الفقيرة لم يصلها شيء. هذه البطاقة للأغنياء وذوي الدخل العالي، لقد راسلت المعنيين منذ سنوات بسوء العمل بها، ولكن لا حياة لمن تنادي”.
هذا النمط يكرّس مبدأ الزبائنية الذي يحكم الادارة العامة في لبنان منذ عقود، واجبات الدولة يتم توزيعها كمغانم على الأزلام والمحاسيب. لكن أخطر ما في الأمر هذه المرّة أنّه يحصل تحت مظلّة الحماية الاجتماعية وبتمويل خارجي، ما يشوّه صدقية الدولة في تنفيذ البرنامج ويقوّض ثقة الداعمين الدوليين والمواطنين معًا.
الغياب الصادم لذوي الإعاقة
من أكثر الثغرات غرابة في برنامج أمان أنّه لا يشمل بشكل واضح وأساسي الأشخاص ذوي الإعاقة، رغم كونهم من الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة، ويحملون بطاقات صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية.
محمد م. ليس استثناءً، فهناك عشرات الحالات المشابهة سقطت خارج قوائم المستفيدين، في تناقض صارخ مع قانون حقوق الأشخاص المعوقين 220/2000 ومع أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية، ما يجعل من استبعادهم ليس مجرد خلل تقني، بل تمييزًا اجتماعيًا مقنّعًا.
يقول عبدالله الحجيري 42 عامًا وهو معوّق “لا أريد شفقة من أحد أريد حقي فقط. إذا أنا لست من الفقراء، فمن هو الفقير في هذا البلد؟”.
أرقام البرنامج
جاء قرار البنك الدولي مؤخراً بالموافقة على تمويل جديد بقيمة 200 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً، ليزيد من عدد المستفيدين الحاليين وقد بلغ عددهم في شهر كانون الثاني 70456 أسرة موزّعين على جميع المحافظات، فيما تجاوز عدد الطلبات المقدّمة مئات الآلاف منذ إطلاق البرنامج.
ويبلغ متوسط المساعدة الشهرية لكل أسرة حوالي 110 دولارات، وتصل كلفة البرنامج السنوية إلى نحو 220 مليون دولار، يُموَّل الجزء الأكبر منها من جهات دولية، فيما تتحمّل الدولة اللبنانية جزءًا محدودًا من التمويل. كما أنه يتم دفع مبلغ 40 دولاراً لكل شخص بين عمر يوم وثلاثين عامًا.
بالرغم من هذه الأرقام لا تزال فجوة الاستهداف واضحة، ويشكو كثيرون من استبعاد أسر معدمة بما في ذلك ذوي الإعاقة، ما يضع البرنامج أمام تحدٍّ حقيقي في تحقيق هدفه المعلن بحماية الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة في لبنان.
الوزارة للجميع
وفي ردّ على التساؤلات تقول مصادر وزارة الشؤون الاجتماعية لـ”المدن” إنّ “برنامج أمان يستند إلى معايير تقنية وضعتها الجهات المانحة بالتعاون مع البنك الدولي، ويتم اختيار المستفيدين عبر نظام نقاط يأخذ في الاعتبار الدخل وعدد أفراد الأسرة والوضع السكني ومستوى التعليم”.
ويضيف المصدر أنّ “أي تدخّل سياسي أو بلدي مرفوض رسميًا، والوزارة لا تتسلّم لوائح أسماء من أي جهة حزبية”، معتبرةً أنّ “الأخطاء وقعت في الماضي، لكن يهمّنا التصحيح، وسيكون عبر زيارات ميدانية وإعادة تقييم فعلي” وتلفت إلى ضعف الإمكانات قياسًا بحجم البرنامج وعدد الطلبات.
وفي ما يخصّ الأشخاص ذوي الإعاقة، تشير إلى أنّ “وجود برامج خاصة بفئات منهم تتقاضى بدلًا ماليًا شهريًا، بغض النظر عن قيمته”، لافتةً إلى “إمكانيّة تعديل آلية الاستهداف مستقبلًا بما يراعي أوضاع هذه الفئة”.
لكن هذا التبرير لا يبدّد غضب كثير من المستبعدين، الذين يرون أنّ الحديث عن معايير تقنية لا ينسجم مع الوقائع اليومية على الأرض.
بين الضرورة والاستغلال
يبقى برنامج أمان أكثر من ضرورة في لبنان نتيجة الانهيار الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة القطاع العام وعجزه عن إدارة الملفات وفق معايير العدالة والنزاهة.
فالمطلوب أن يتحوّل البرنامج إلى نظام حماية اجتماعية عادلة وشفّافة تقي المهمّشين العاجزين ومعدومي الدخل، وألا يكون بطاقة تُوزَّع على أساس المصالح، وتُحجب عمّن هم بأمسّ الحاجة إليها. فلا يدفع الفقراء الثمن في الحالتين، ويُلقى بهم خلف الأبواب المغلقة.



