يواصل معرض “بيلدكس 2026” الدولي للبناء والتشييد في دمشق استقطاب اهتمام واسع من الشركات والمستثمرين والخبراء، في دورة تُعد الأكبر منذ انطلاق المعرض، بمشاركة نحو 700 شركة من 55 دولة وعلى مساحة تتجاوز 140 ألف متر مربع. ويعكس الحضور المحلي والدولي الكثيف تنامي الرهان على السوق السورية خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في قطاعات البناء والتطوير العقاري والبنية التحتية.
ويحمل المعرض هذا العام مؤشرات واضحة إلى توجه رسمي نحو تسريع مشاريع إعادة الإعمار وإعادة هيكلة المدن، بالتوازي مع جهود جذب الاستثمارات وتحديث البيئة التشريعية والتنظيمية، ما جعله منصة لعرض مشاريع وخطط حكومية تستهدف إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص للمشاركة في عملية التنمية العمرانية.
إعادة هيكلة الواقع العمراني
في هذا السياق، أكد وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري محمد عنجراني أن ملف إعادة الإعمار وتطوير المدن في سوريا يدخل مرحلة أكثر تقدماً من العمل المؤسسي القائم على التخطيط والدراسات الميدانية، مشيراً إلى أن الوزارة تتعامل حالياً مع مجموعة واسعة من المشاريع المتعثرة التي تراكمت خلال السنوات الماضية، سواء تلك المتعلقة بالمقاسم التنظيمية أو بالأبنية غير المكتملة التي تحتاج إلى استكمال وتأهيل وفق أسس هندسية حديثة.
وأوضح في تصريح لـِ “المدن” أن الجهود الحكومية تتركز على إعادة هيكلة الواقع العمراني في المدن والبلدات، من خلال الانتقال من المعالجات الجزئية إلى الحلول التخطيطية الشاملة، بما يضمن معالجة جذور التعثر وليس فقط نتائجه، لافتاً إلى أن مشاريع كبرى مثل “البوابة الثامنة” وغيرها من المشاريع السكنية والاستثمارية يجري العمل على إعادة دراستها وتحديث مسارات تنفيذها بالتعاون مع الجهات المعنية والقطاع الخاص.
وأشار عنجراني إلى أن ملف المقاسم التابعة للوحدات الإدارية يشهد حالياً مراجعة شاملة، حيث يتم إعداد مشروع تنظيمي جديد من المتوقع أن يفتح المجال أمام التوسع الصناعي والعمراني بشكل مدروس، مع تقديم تسهيلات أكبر في المخططات التنظيمية، بما ينسجم مع احتياجات التنمية المحلية وخطط إعادة الإعمار.
وأضاف أن الوزارة تعمل على تعزيز بيئة الاستثمار المحلي والعربي في قطاع البناء والتطوير العقاري، عبر تحديث التشريعات وتبسيط الإجراءات، بما يتيح تحريك المشاريع المتوقفة وإعادة إدخالها في الدورة الاقتصادية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً تدريجياً في إدارة المدن على أسس أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
منصة مهمة لتبادل الخبرات
وبحسب الوزير عنجراني فإن خطة المرحلة المقبلة لن تقتصر على المدن الكبرى، بل ستولي اهتماماً خاصاً بالمحافظات النائية والمناطق التي تعرضت لضرر واسع، وفي مقدمتها المحافظات الشرقية مثل دير الزور والحسكة والرقة، من خلال برامج لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، بما يشمل شبكات الطرق والمياه والكهرباء، إلى جانب إعادة تأهيل المدارس والمنشآت الخدمية لضمان عودة الحياة التعليمية والخدمية بشكل تدريجي ومستدام.
ولفت إلى أن هذه المناطق ستكون أيضاً ضمن أولويات جذب الاستثمارات، لاسيما في قطاعات السياحة والخدمات، من خلال تشجيع إقامة مشاريع فندقية واستثمارية تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل، بما يعزز عملية التعافي وإعادة التوازن التنموي بين مختلف المحافظات.
وبيّن أن المشاريع المطروحة تشمل قطاعات حيوية كالبنية التحتية، وإعادة الإعمار، والتطوير العقاري، والصناعات التحويلية، وتدوير الأنقاض ومعالجة النفايات، مؤكداً استمرار العمل على تطوير البيئة التشريعية للاستثمار بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.
وفي سياق متصل، أكد وزير السياحة السوري مازن الصالحاني في تصريح لـِ “المدن” أن معرض “بيلدكس” يشكل منصة مهمة لتبادل الخبرات واستعراض أحدث الابتكارات، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثمار في القطاع السياحي، ولا سيما في مشاريع ترميم وبناء الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية. وأضاف أن قطاع المعارض يعد من القطاعات المحفزة للسياحة، لما يسهم فيه في جذب المستثمرين وتنشيط الحركة الاقتصادية.
لإعادة تموضع دمشق كمركز اقتصادي
كما أكد محافظ دمشق ماهر مروان أن هذا الحدث الاقتصادي يمثل محطة مهمة في مسار تعزيز بيئة الاستثمار في سورية، لما يوفره من منصة لتبادل الخبرات وفتح قنوات مباشرة بين المستثمرين والجهات الحكومية، مشيداً بالمستوى التنظيمي العالي للمعرض والدور الذي يلعبه في إبراز فرص العمل في مجالات البناء وإعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والتحول الرقمي والتخطيط العمراني والبيئي، بما ينعكس إيجاباً على تحسين جودة الحياة في المدن السورية.
وأوضح في تصريح لـِ “المدن” أن هذه الفعاليات تمثل فرصة استراتيجية لإعادة تموضع دمشق كمركز اقتصادي وخدمي قادر على استقطاب الاستثمارات المحلية والخارجية، لافتاً إلى أن أبواب سوريا مفتوحة أمام مختلف أشكال الاستثمار والبناء، وأن الحكومة تعمل على توفير التسهيلات الممكنة وتبسيط الإجراءات الإدارية بما يضمن بيئة عمل مستقرة وجاذبة للمستثمرين، ويساعدهم على تنفيذ مشاريعهم بنجاح واستمرارية.
وأشار المحافظ إلى أن المرحلة الحالية تقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على مشاريع إعادة التأهيل والتطوير العمراني داخل مدينة دمشق ومحيطها، بما ينسجم مع خطط التوسع الحضري وتحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وأضاف أن التفاؤل بالمستقبل الاقتصادي مشروع وواقعي في آن واحد، لكنه مرتبط بمدى القدرة على الاستمرار في العمل والإصلاح التدريجي، مؤكداً أن تحقيق نتائج ملموسة يحتاج إلى وقت وجهد وتراكم في الإنجاز، إلا أن ما يتم إنجازه اليوم يشكل أساساً لبناء اقتصاد أكثر قوة وتوازناً، وقد يضع سوريا على مسار تجارب تنموية ناجحة في المنطقة خلال السنوات المقبلة، إذا ما استمرت الجهود بالوتيرة ذاتها.
شركات عربية مشاركة بالمعرض
وتتميز الدورة الحالية من معرض بيلدكس بتنوع واسع في الاختصاصات التي تشمل مواد البناء والتشييد، الحديد والألمنيوم، الدهانات، الآليات والمعدات الهندسية، الطاقة البديلة، التقنيات الذكية، أنظمة المياه المستدامة، والتطوير العقاري والخدمات الهندسية والاستشارية، إلى جانب فعاليات تقنية وعلمية متخصصة، وإطلاق تطبيق BUILDEX AGE وبرنامج لقاءات الأعمال B2B.
كما يشكل المعرض منصة تجمع الخبرات والتقنيات الحديثة، حيث يتيح للشركات المحلية والدولية عرض أحدث منتجاتها وحلولها، إلى جانب تعزيز فرص التعاون والشراكات في قطاع البناء والتطوير العمراني، من خلال مشاركة مئات الشركات المتخصصة في مختلف المجالات الهندسية والتقنية.
وفي هذا السياق، أكد فواز كزبري، ممثل شركة مدار المتخصصة في الحلول الإنشائية، أهمية المشاركة في المعرض باعتباره منصة استراتيجية لاستعراض أحدث التقنيات والتواصل مع الشركاء، مشيراً إلى أن الشركة تقدم حلولاً متطورة في مجالات الألمنيوم والزجاج والأنظمة الإنشائية والأمن والحماية.
كما أوضح حسام البني، مدير شركة بيروت للإعمار، أن المشاركة في بيلدكس تأتي في إطار تعزيز حضور الشركة في مشاريع إعادة الإعمار داخل سوريا، وفتح آفاق تعاون جديدة مع مختلف الجهات، مؤكداً أهمية توفير بيئة استثمارية مستقرة ومرنة لدعم نجاح هذه المرحلة.
ويستمر معرض بيلدكس حتى الرابع عشر من حزيران، وسط توقعات بأن يسهم في إبرام شراكات واتفاقيات جديدة تدعم مسار التنمية وتفتح آفاقاً أوسع للاستثمار خلال المرحلة المقبلة، بما يعزز موقعه كأحد أبرز الفعاليات الاقتصادية والهندسية في المنطقة.



