تحرُّك نيابي ومصرفي لردِّ مشروع الفجوة الماليّة

أفادت مصادر نيابيّة لـ”المدن” بأنّ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي يخوض نقاشًا داخليًا في مجلس النوّاب، لدراسة إمكانيّة رد مشروع قانون الفجوة الماليّة، بالاستناد إلى فهم معيّن -يميل له رئيس المجلس- لمضمون المادّة 65 من الدستور. مع الإشارة إلى أنّ هذه المادّة تتيح اتخاذ القرارات بأكثريّة الحضور، تمامًا كما حصل عند التصويت على مشروع قانون الفجوة في مجلس الوزراء. إلا أنّ عددًا من النوّاب -ومن بينهم أعضاء في كتلة برّي- يعتبرون أنّ مشروع قانون الفجوة الماليّة من “المواضيع الأساسيّة”، التي تحتاج بحسب المادّة نفسها إلى أكثريّة “ثلثي عدد أعضاء الحكومة المُحدد في مرسوم تشكيلها”، وهو ما لم يتوفّر عند إقرار مشروع القانون في مجلس الوزراء.

نوّاب ومصارف ضد المشروع

وكان النائب قبلان قبلان -المحسوب على برّي في كتلة التنمية والتحرير- قد أشهر الحرب “الدستوريّة” من على منصّة إكس، بُعيد الإعلان عن إقرار مشروع القانون. إذ تساءل قبلان عمّا إذا المشروع يُعتبر “من الأمور الأساسيّة في البلد، أم هو من الأمور الثانويّة”.

وإذا اعتبرنا أن المشروع هو من الأمور الأساسيّة، “وهذا صحيح”، بحسب قبلان، “فلماذا تم خرق الدستور وخالفتم الفقرة 5 من المادة 65 التي تقول: (…) أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها”. وعلى هذا الأساس، دعا قبلان المجلس النيابي إلى رفض “استقبال هذا المشروع” وإعادته إلى الحكومة “بدون إبطاء”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ جمعيّة المصارف قد استغلّت هذا الخلاف لإطلاق بيان دعا “المجلس النيابي إلى اتخاذ موقف حرّ وشجاع”، معتبرةً أنّ مشروع قانون الفجوة الماليّة سيؤدّي إلى “هدم الاقتصاد الوطني”. وفي بيانها المُتشنّج، استنكرت الجمعيّة المفعول الرجعي للقانون، في إشارة إلى الغرامات التي سيتم تحميلها للمصرفيين الذين هرّبوا أموالهم الشخصيّة -على حساب سائر المودعين- إلى الخارج، فضلاً عن استعادة جزء من الأرباح والمكافآت المُفرطة، الموزّعة للمصرفيين خلال وقبيل الأزمة.

ومن المعلوم أن لوبي المصارف كان قد رفض -خلال المفاوضات التي سبقت إقرار المشروع- مبدأ ضمان كل وديعة لغاية مئة ألف دولار، مُطالباً بشطب جزء من هذا المبلغ لكل مودع، بحسب استفادته من سحوبات تعاميم مصرف لبنان، أو في حال استفادته من عمليّات قطع من ليرة إلى دولار بالسعر الرسمي. كما طالبت بفرز الودائع بحسب مفهوم “مؤهّل وغير مؤهّل”، ما يعني شطب جزء من الودائع التي تحرّكت داخلياً بين حسابات مختلفة، بعد 17 تشرين الأوّل. ولمّا لم يؤخذ بهذه المطالب، بما فرض ضمان الحد الأدنى من دون الأخذ بهذه العوامل، أعلنت المصارف رفضها للمشروع.

في جميع الحالات، وبحسب عدّة مصادر نيابيّة، ردّ رئيس لجنة المال والموازنة النيابيّة إبراهيم كنعان على تساؤلات زملائه النوّاب، مشيراً إلى أنّه لم يتسلّم مشروع قانون الفجوة الماليّة بعد، كي يفتح باب المناقشات داخل اللجنة. وهذا ما يشير إلى أنّ رئيس المجلس لم يتخذ حتّى اللحظة قرار قبول مشروع القانون، بصيغته الراهنة، وإحالته إلى اللجان النيابيّة. مع الإشارة إلى أنّ برّي كان قد أشار في سياق حديثه عن القانون إلى أنّه “سيطبّق ما يقوله الكتاب”، في تلميح إلى إشكاليّة دستوريّة التصويت على مشروع القانون داخل مجلس الوزراء.

وفي سياق النقاشات غير الرسميّة الجارية، أفادت المعلومات بأنّ النائب علي حسن خليل انضمّ إلى زميله في التكتّل قبلان قبلان، لبحث سبل الطعن في دستوريّة مشروع القانون. ومن بين الخيارات المطروحة، امتناع هيئة مكتب المجلس النيابي عن تسلّم مشروع القانون، أو ردّه بذريعة عدم دستوريّته، أو محاولة الاستناد إلى قرار من مجلس شورى الدولة لتعطيل مرسوم المشروع.

دستوريّة المشروع

في مقابل هذه المساعي، برزت آراء دستوريّة تشكّك بجدوى الطعن بمشروع القانون. فالمادّة 65 من الدستور تعدّد بوضوح المسائل التي تحتاج إلى أكثريّة الثلثين في مجلس الوزراء، بعبارة “يُعتبر مواضيع أساسيّة ما يلي”، ما يعني تحديدها على وجه الحصر لا المثال. وبطبيعة الحال، لا يندرج مشروع قانون مصرفي، يُعنى معالجة اختلالات ماليّة، ضمن هذه المواضيع. ولا تتضمّن المادّة أي عبارة تفتح الباب على مواضيع إضافيّة، غير تلك المذكورة.

أمّا بالنسبة لمجلس شورى الدولة، فنطاق عمله يشمل القضاء الإداري، المختص بالنظر في مشروعيّة أعمال الإدارة. ويُشترط في أعمال الإدارة، كي تخضع لمهام المجلس، أن تكون إداريّة ونهائيّة ومُنتجة لأثر قانوني مباشر. أمّا مشروع القانون نفسه، فلا يمكن تصنيفه كقرار إداري، كي ينظر في قانونيّته مجلس شورى الدولة. كما لا يختص المجلس بالبت بمسائل حكوميّة داخليّة، مثل آليّة التصويت داخل مجلس الوزراء.

ماذا لو رُدّ مشروع القانون؟

من الناحية العمليّة، يمكن القول أنّ غالبيّة الوزراء المُعترضين على مشروع القانون قدّموا -خلال النقاشات السابقة- حججاً ذات طابع عمومي، من دون تقديم بدائل تقنيّة لتذليل التحفّظات الذي جرى طرحها. وبهذا المعنى، كان من الواضح أنّ النقاش والفرز داخل الحكومة اتخذا طابعاً سياسياً. وربّما كان ذلك مرتبطًا بالحرج الذي واجهته بعض الأحزاب في التعامل مع هذا الملف الملتهب، في ظل المزايدات المتبادلة التي طفت إلى السطح داخل الحكومة وخارجها. ولهذا السبب، ومن الناحية السياسيّة، في حال ردّ مشروع القانون سنكون أمام إشكاليّة سياسيّة بالدرجة الأولى: من هي الجهة السياسيّة التي ستتحمّل وزر تأمين الأكثريّة المطلوبة لتمرير المشروع، والنزول عن شجرة المواقف الحادّة والمتشنّجة؟

في لحظات معيّنة، طرح بعض الوزراء الرافضين للقانون مجموعة من المقترحات، ومنها على سبيل المثال تخفيض السقف المضمون لكل وديعة، بحسب استفادتها من سحوبات تعاميم مصرف لبنان. كما طرح وزيران أفكاراً من قبيل بيع جزء من احتياطات الذهب، لتذليل العقبة الناتجة عن رفض المصارف تحمّل 40% من كلفة تمويل الحد المضمون من الودائع. وفي حال رُدّ مشروع القانون إلى الحكومة، وفُتح النقاش من جديد هناك، يُخشى أن يؤدّي ذلك إلى تحقيق بعض المطالب التي رفعتها سابقاً جمعيّة المصارف، على حساب الثروات السياديّة وحقوق المودعين.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةفضائح وفظائع الغذاء: أسعار مقلقة وهذا ما كشفته وزارة الاقتصاد
المقالة القادمةاكسا الشرق الاوسط تكرم موظفيها بغداء احتفالا بالاعياد