تفاصيل صغيرة

 

يتساءل او ينتقد البعض لماذا اركّز على تفاصيل صغيرة او ثانوية برأي البعض. فلماذا مثلاً اركّز على استيراد طرد بريدي، او قطعة غيار عبر البريد السريع وكلفتها والوقت الذي تستغرقه لتسلّمها، في حين هناك مشاكل اكبر، وفي حين هناك من يرسم رؤى اقتصادية أشمل. جوابي بكل بساطة انّ هذه الامور الصغيرة هي مثل الثغرات في مركب كبير تسمح بإدخال المياه مهما بلغت قوة المركب وتُغرقه في النهاية.

البريد السريع ليس قضية ثانوية، هو من وسائل الاقتصاد الناجح، هو صلة وصل لبنان بأسواق اوسع وتجارة عالمية، كما يوسّع آفاق العمل ويخلق فرصاً جديدة، مثل التجارة الالكترونية وتصميم البرامج الالكترونية والخدمات اللوجستية، وبالتالي ليس قطاعاً هامشياً، وفعاليته تُعتبر رافعة للاقتصاد الوطني.

فصناعة البريد السريع تشكّل قناة رئيسية لتعزيز تنمية التجارة الإلكترونية وقوة دافعة لتحويل النمط الاقتصادي.

بات التسوّق والاستيراد من خلال الإنترنت يشكّل جزءاً اساسياً من عمليات التبضّع في كل العالم المتطوّر بأسعار تنافسية. فلا يمكن لأي بلد اليوم أن يبقى خارج التجارة الالكترونية العالمية مثل Amazon , Ebay Aliexpress وغيرها. فذلك يزيد من تنافسية الاقتصاد ويمنع الاحتكار من قِبَل التجار لاسيما الوكلاء الحصريين، حيث يبيعون قطع الغيار وغيرها بأسعار مرتفعة لصعوبة الاستيراد والرسوم غير القانونية المفروضة عن غير حق.

 

بالإضافة الى انّ خدمة البريد السريع هي اساسية اليوم للمصانع والشركات للحصول على نماذج. فمثلاً، طرد بريدي فيه نموذج (مسطرة بلغة الصناعيين) بلاستيك لا يتعدّى وزنُه 10 غرامات يتمّ تسعيرُه بـ50 الف ليرة لبنانية وسعره الحقيقي 50 ل. ل، من أجل استيفاء جمارك ورسوم بمبلغ 30 الف ليرة.

فمثلاً، تكلّف المستورد شركة البريد السريع 60 الف ليرة لبنانية لتدفع عنه الـ30 الفاً، هذا موضوع معيب يصيب عدداً كبيراً من اللبنانيين والصناعيين والتجار.

ضرائب ورسوم غير مفهومة. هكذا نشجع الاستثمار ونشجع تنافسية صناعتنا ونمنع زيادة الاحتكار وزيادة أسعار قطع الغيار في لبنان. هل يوجد بلد واحد في العالم الضرائب فيه أكثر بكثير من سعر السلعة، علماً انّ كل قطع الغيار الصناعية معفية كلياً من رسوم الجمارك؟ كل ما تجنيه الدولة من ضرائب يخسره المجتمع والاقتصاد الوطني بأضعاف.

فما بين الرسوم التي تتقاضاها الجمارك، وهي رسوم تعتمد على تسعير القطع مزاجياً، في المقابل تعاود شركات البريد السريع أخذ رسوم إضافية (أجرة المعاملة)، وبين الضريبة التي تأخذها الدولة، وهي ضريبة مبنية على تخمينات غير علمية، والرسوم التي تتقاضاها شركات البريد السريع، يدفع المواطن رسوماً بما يوازي او يتخطى سعر القطعة التي قام باستيرادها.

علماً أنّ الرسوم الجمركية تصدر عادةً بقانون تشريعي من مجلس النواب، ولكن في كل ما يُسمّى استيراداً بالبريد السريع أو حتى بشحن جوي، هناك بدعة التكاليف المقطوعة لتحقيق الربح غير المشروع.

وفي لمحة عن اهمية ما نتحدث عنه، تعرفت الى شاب لبناني مبدع في بريطانيا، يعمل في مجال إصلاح قطع الكترونيك صناعية، وهذا القطاع واعد جداً مع التقدّم الكبير في الروبوتيك.

سألته: “شو قاعد تعمل هون، مصلحتك عظيمة انتقل الى لبنان”، فضحك وقال: “أستطيع ان انتقل واخلق عشرات فرص العمل في لبنان، وخصوصاً انّ الشباب اللبناني مبدع ويملك الكثير من الافكار، الا انّ لبنان سوق صغير وانا بحاجة لأسواق عالمية ترسل القطع الالكترونيك للتصليح! اي ان الاتكال الاساسي سيكون على ارسال القطع من الخارج الى لبنان واعادتها عبر البريد السريع بسرعة وفعالية”

وسألني :”هل جرّبت البريد السريع والجمارك والكلفة في لبنان، وهل نضمن السرعة في التسليم؟”.

فعلاً هو فرصة ضائعة إضافية لبلد يتعثر في ايجاد فرص عمل لشبابه. والافكار في التجارة العالمية كثيرة، تصاميم، خدمات لوجستية، تصليح قطع، تنفيذ نماذج. كلها تحتاج الى ان نكون جزءاً من هذه المنظومة العالمية.

وبدل هذا التفكير الواسع، نحصر أنفسنا برسوم نُدخلها الى خزينة عاجزة، من دون ان ندرك ضرر هذه الرسوم على ربط لبنان بالاقتصاد العالمي. وما الضرر الذي نجنيه جرّاء خلق فرص عمل جديدة؟

بواسطةفادي عبود
مصدرجريدة الجمهورية
المادة السابقةشقير لـ”الجمهورية”: نتّخذ القرار أو على البلد السلام
المقالة القادمةدولة “المأزومين” تدفع الناس الى الشارع