على سيرة الرسوم الضريبية التي فرضت على المواطنين وأبرزهما الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 % وضريبة الـ 3.5 دولارات على صفيحة البنزين واللتين تصيبان جيوب المواطنين بشكل مباشر، تظهّر رسم جديد محدّد من إدارة مرفأ بيروت السابقة بقيمة 46 دولارًا يُستوفى بدءًا من 26 شباط الجاري على كل مستوعب يمرّ عبر السكانر الجديدة التي تمّ تركيبها في مرفأي بيروت وطرابلس.
وافقت الحكومة على قرار فرض رسم 46 دولارًا على كل مستوعب يمرّ عبر الـ «سكانر» الحديثة في مرفأ بيروت، والصادر منذ نحو عام. تستوفي إدارة المرفأ من هذا المبلغ 37 دولارًا، ليدخل ضمن إيراداتها التي ستغذي أيضًا خزينة الدولة. بعد موافقة الحكومة، وقع رئيس مجلس إدارة ومدير عام مرفأ بيروت مروان النفّي على التعميم بغية بدء تقاضي الرسم فور الإعلان الرسمي عن تشغيل آلات السكانر الجديدة التي ركّبت حديثًا في مرفأي بيروت وطرابلس، ويتوقع تشغيلهما رسميًا خلال أسبوع.
إذًا، هذا الرسم جديد غير معمول به في السابق، حدّدته إدارة المرفأ فور استقدام آلات السكانر الحديثة التي من شأنها أن تكافح التهريب والتهرّب من تسديد الرسوم الجمركية ورفع عائدات الدولة ومراقبة جودة ونوعية السلع التي تخرج وتدخل من وإلى لبنان من خلال مرفأ بيروت بسبب المعاينة الدقيقة والسريعة عبر السكانر الحديثة، ما سيتبع ذلك من عودة الصادرات اللبنانية تدريجيًا إلى الدول الخليجية وتحديدًا السعودية.
كلفة تشغيلية لـ CMA-CGM
آلات السكانر الحديثة استقدمتها شركة CMA-CGM التي تشغل وتدير وتؤمّن الصيانة لمحطة المستوعبات في مرفأ بيروت، وتتراوح قيمتها بين 8 و 10 ملايين دولار، وكونها ستتكفل بالكلفة التشغيلية لتلك الآليات مثل أعمال صيانة وتسديد فواتير الكهرباء وأكلاف القطع والتركيب وتحديث برامجها لمدّة 6 سنوات كما علمت «نداء الوطن»، ستتقاضى تلك الشركة رسمًا بقيمة 9 دولارات من أصل الـ 46 دولارًا على كل مستوعب مستورد أو معدّ للتصدير باستثاء مستوعبات الترانزيت، يمرّ عبر آلات الماسحة الضوئية، هذا الرقم ثابت وصادر بقرار عن مجلس الوزراء. فيما ما تبقى من الرسم وهو عبارة عن 37 دولارًا تتقاضاه إدارة مرفأ بيروت وفق الرقم الذي حدّدته الإدارة السابقة منذ نحو عام.
إعادة النظر بالرسم
لكن، ونظرًا الى البلبلة التي حصلت حول قيمة تلك التعرفة، علمت «نداء الوطن» من مصادر مطّلعة، أن لجنة التعرفة في مرفأ بيروت دعت إلى عقد اجتماع اليوم الجمعة لإعادة النظر في رسم الـ 46 دولارًا وتحديدًا رسم الـ 37 دولارًا (لأن المتبقي ثابت لـ CMA-CGM كما ذكرنا آنفًا) الذي ستستوفيه إدارة المرفأ كرسم على كل مستوعب يمرّ عبر آلة المسح الضوئي الحديثة، كي يكون منصفًا ومدروسًا ولا يتسبّب بأعباء على المستوردين والمصدّرين.
فهل ستخفّض لجنة التعرفة في المرفأ هذا الرسم أم أنه قد يبقى على حاله؟ كل الاحتمالات مطروحة حول هذا الرسم الذي سيدرّ للخزينة عائدًا باعتبار أن آلة المسح الضوئي الجديدة التي لا تزال قيد التجربة حاليًا وبالتالي لا تستوفى أية رسوم على المستوعبات التي تمرّ عبرها، قادرة على مسح نحو 100 مستوعب خلال ساعة مقارنة مع 40 مستوعبًا في اليوم وفق آلية التفتيش المعتمدة سابقًا قبل استقدام الـ «سكانرز».
عبء الرسوم على الصناعيين
في ظلّ الرسوم المتراكمة على الصناعيين، يبرز السؤال حول مدى تأثير هذا الرسم على الصناعيين في عمليات الاستيراد والتصدير؟
يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين زياد بكداش لـ «نداء الوطن» «إن هذا الرسم لن يرهق الصناعيين لو لم نكن في ظروف تصديرية تراجعية وفي ظل وجود اقتصاد موازٍ يساوي نسبة 60 %. فمجموع الرسوم في ظلّ ضعف التصدير وهو الواقع الذي نعيشه اليوم، سيرهق القطاع الصناعي ويرفع كلفة المنتج المحلّي وسعره ما سيحدّ من قدرته على المنافسة في الخارج».
وقال بكداش، هذا الشهر شكّل مفاجأة للصناعة اللبنانية لناحية الأعباء والأكلاف الإضافية التي ستؤثر على القطاع الصناعي وهي:
أولًا، مرّت في الموازنة تهريبة في بند نصّ على أنه «يُمنع على كل القطاعات استرجاع الضريبة على القيمة المضافة على فواتير البنزين والمياه والاتصالات والكهرباء» .
ثانيًا، فرض رسم 3,5 دولارات على صفيحة البنزين.
ثالثًا، زيادة الضريبة على القيمة المضافة 1 % إلى 12 %.
رابعًا، إضافة رسم جمركي على مستوعبات الـ 20 قدمًا بقيمة 50 دولارًا والـ 40 قدمًا بقيمة 80 دولارًا.
خامسًا، إضافة رسم سكانر 46 دولارًا لكل مستوعب يمرّ عبر الـ «سكانر» بهدف التصدير أو الاستيراد .
كل تلك الضرائب ستؤثر سلبًا على الاقتصاد وخصوصًا على الصناعة الوطنية. فالصناعة اليوم مع تلك الضرائب يقول بكداش «لن تبقى منافسة للتصدير، ستحصل عملية هروب أو غياب للمستثمرين كيف لا وموازنة وزارة الصناعة هي الأدنى ما سينعكس سلبًا بالتالي على النمو وسيكون هناك أثر اقتصادي ومالي سلبي إضافة إلى تضخّم متراكم».
بدائل الرسوم والضرائب
وسط حاجة الدولة إلى عائدات إضافية، لفت بكداش إلى أن هناك بدائل كثيرة لتحصيل 800 مليون دولار لتغطية زيادات رواتب وتقديمات العاملين في القطاع العام والعسكريين، مثل: ضبط فواتير الاستيراد، الضريبة على التعدي على الأملاك البحرية، الرسوم على بعض الأماكن السياحية، ضرائب على أصحاب المولدات الكهربائية وصهاريج المياه، ضبط المكتومين من التهرّب والتهريب، إعادة النظر بإيجارات أبنية الدولة، الإصلاح من خلال تقليص عدد الموظفين في القطاع العام والبالغ 320 ألف موظف، ضبط الهدر في القطاع العام. إلى ذلك يرى أنه «بدل تكليف الخزينة 70 مليون دولار تقديمات مدرسية لموظفي القطاع العام، الأفضل تحسين المؤسسات التعليمية الحكومية فيدرس أبناء الموظفين في الجامعة اللبنانية وفي مدارس رسمية، إلغاء معاشات وتقديمات وتعويضات النواب والرؤساء السابقين، توقيف معاشات التقاعد إذا وجد هذا الشخص عملًا آخر أسوة بسائر الدول». وأخيرًا، العمل على أن يكون الاقتصاد منتجًا وليس ريعيًا، ووضع خطة اقتصادية عملية لإعادة بناء الدولة وتحسين الأداء الإداري وضبط الأداء الجمركي».
الصناعة على الخط الأحمر
أكّد بكداش أن» الصناعة الوطنية التي أثبتت نفسها منذ العام 2019 إلى اليوم باتت على الخط الأحمر، إذ إن أرقام التصدير تتراجع بسبب زيادة الكلفة والتعاون مع السعودية والبحرين في الاستيراد والتصدير لا يزال متوقّفًا ونتعرّض لخسائر في مجال التصدير. وتأتي الضرائب لتزيد الكلفة إذ بات من الصعب تحقيق المنافسة بصناعتنا الوطنية».
الصناعة سلسلة متكاملة من المنتوجات، إذ تستخدم علب الكرتون والطباعة والورق والحبر والمعلبات والنقل… وتلك المواد سترتفع أكلافها 1 أو 2 % لكل منها، ما يعني أن السلع المتواجدة في السوق المحلية ستزيد كحدّ ادنى بنسبة 5 و7 %. يبقى الاقتصاد غير الشرعي المشكلة الأساسية في الدورة الاقتصادية والمستفيد الأكبر من تلك الزيادات على الرسوم إذ سترتفع أرباحه أكثر مع زيادة الـ TVA التي لا يسدّدها فيحقق منافسة أكبر في السوق، إضافة إلى الضرائب التي لا يسدّدها وتدفعها المؤسسات والمصانع الشرعية».
إذًا من كل ما ذكر هناك مشكلتان تواجههما الصناعة الوطنية:
– الاقتصاد غير الشرعي سيقوى على حساب الاقتصاد الشرعي.
– الأسعار لن تحقق المنافسة في ما يتعلّق بالتصدير إلى الخارج .
لذلك يطالب الصناعيون كما سائر مؤسسات القطاع الخاص قبل أن تحصل الكشوفات من الدوائر الحكومية على المؤسسات الشرعية، فلتتوجّه إلى المؤسسات غير الشرعية والمكتومة أولًا ليستقيم وضعها، ثم تحاسب الشرعية منها.
الرسوم المتراكمة على البنزين والـ TVA وعلى الصناعيين… من شأنها إلى جانب ارتفاع الأكلاف والأسعار العالمية أن تنعكس مزيدًا من التضخم في الأسعار، ما سيؤدّي إلى تآكل رواتب محدودي الدخل الذين سيطالبون ايضًا بتصحيح الرواتب التي لا تزال متدنية لتعود إلى مرحلة ما قبل الأزمة.



