بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي مرفأ الناقورة وتفجيره وردمه بالكامل، تلقّى أبناء المهنة ضربة جديدة قبل يومين. فقد طلبت منهم مخابرات الجيش إقفال مرافئ المونس وعين القنطرة جنوب منطقة الصرفند. ونقلوا مراكبهم إلى مرفأ الزيرة في الصرفند، حيث رسا نحو ثلاثين مركباً في مرفأ يعاني أساساً من الاكتظاظ، وهذا ما أدى إلى تكدّس المراكب وربطها خلف بعضها البعض في ظروف يصفها الصيادون بالخطرة.
وفق رواياتهم، لم يحصلوا على تفسير رسمي واضح لأسباب القرار. قيل لهم إن القرار “جاء من فوق”، وعندما طالبوا بإثبات يؤكد أن الدولة هي صاحبة القرار، جاءهم الردّ بأن الجهة التي أصدرته “أعلى من الدولة”. وتتداول أوساط الصيادين معلومات تفيد بأن القرار مرتبط بلجنة “الميكانيزم” المشرفة على ترتيبات المنطقة الحدودية.
البداية من الناقورة
“مصيبتنا كبيرة، ومع ذلك لم يتحدث معنا أحد ولم يساعدنا أحد”. بهذه العبارة يختصر الصياد أحمد فايز واقع مئات العاملين في قطاع الصيد البحري في جنوب لبنان. الرجل الذي أمضى أكثر من ربع قرن في بحر الناقورة، وكان يشغّل عشرة عمال على مراكبه، بات اليوم يعمل لدى أحد أصدقائه ليؤمّن قوت عائلته. أما البحر الذي شكّل مصدر رزقه، فلا يزال محفوفاً بالمخاطر، من المسيرات الإسرائيلية التي تلاحق الصيادين إلى التشويش الذي يعطل أجهزة الملاحة ويجبرهم على العودة إلى طرق الاستدلال التقليدية.
يشرح فايز لـِ “المدن” أنه خلال حرب 2024، وبعد دخول القوات الإسرائيلية إلى مرفأ الناقورة، أغرقوا مراكب وسُرقت أخرى وألحقوا أضراراً كبيرة بمرفأ الناقورة. وتعرّض مركبه للتخريب.
ويضيف أنه في حرب 2026 نزح الصيادون من المنطقة، ولم يعودوا قادرين على العودة، مشيراً إلى أنَّهم طلبوا من الجيش إذناً لنقل مراكبهم إلى صور، إلا أنَّ الأوضاع الأمنية وسوء الأحوال الجوية حالا دون ذلك.
ويتابع أنَّ المرفأ جرى تفجيره والمراكب وتعاونية الصيادين، كما رُدم بالكامل وتحوَّل إلى ساحة عسكرية استُخدمت فيها الدبابات والجرافات، وهبطت فيها المروحيات أكثر من مرة.
يختم قائلا: “أجدادنا هم من بنوا هذه المرافئ، واليوم أصبح الصيادون متكدسين فوق بعضهم البعض في الصرفند وتبدأ المشاكل بالظهور، فيما لا أحد يسأل عنهم أو عن مصير هذه المهنة”.
إنقاذ المهنة
فقد علي سليم 4 مراكب له دُمّرت بالكامل في الناقورة، في واحدة من أكثر الضربات قسوة التي طالت قطاع الصيد البحري في الجنوب. ويقول سليم إن معظم أصحاب المراكب هناك تكبّدوا خسائر فادحة، فيما اختفى المرفأ نفسه تقريباً ولم يعد له أيُّ أثر يُذكر على الخريطة بعد عمليات القصف والتدمير.
وبحسب سليم، فإن ما جرى يتجاوز حدود الخسارة الفردية، ليطال قطاعاً كاملاً يعيش حالة تآكل يومي مستمر، مع غياب أي خطة فعلية للإنقاذ أو التعويض. ويضيف أنَّ المشكلة الأعمق تكمن في أنَّ قطاع الصيد البحري بات ينهار تدريجياً دون أي تدخل فعّال، معتبراً أن ما يحدث يهدد مصدر رزق عشرات العائلات التي تعتمد كليّاً على البحر.
ويختم بالمناشدة عبر “المدن” إن أي مساحة أو مرسى قادر على استقبال المراكب اليوم بات ضرورة ملحّة، داعياً إلى فتح الأبواب أمام الصيادين الذين فقدوا مرافئهم ومراكبهم في الحرب، في ظل واقع لم يعد يحتمل المزيد من الإهمال أو التأجيل.
“شعرت وكأن أحداً طردني من منزلي”
عبد الله حلال، أحد صيادي مرفأ المونس، يروي أن عملية نقل المراكب إلى الصرفند جرت قبل يومين، بعد إغلاق المرفأ وإخلائه. ويقول لـ”المدن” إننا “أصبحنا اليوم في الصرفند بعد أن كان مركبي في مرفأ المونس. لكن هنا لا تتسع المساحة للجميع، فقد تكدَّست المراكب إلى جانب بعضها البعض، وبدأت المشاكل والخلافات، فيما لم يجد بعض الصيادين أماكن لرسوّ مراكبهم حتى”.
ويضيف أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، لأن اقتراب المراكب من بعضها يسبب أضراراً متكررة، ما يفرض كلفة مالية إضافية عليهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
ويشير حلال إلى أن مرفأ المونس أقدم من مرفأ الصرفند، وهو أساس نشاط الصيد في المنطقة، معرباً عن قلقه من خلفيات ما يجري. ويقول لـ”المدن”: “لا أعرف ماذا يريدون منّا، لكن يبدو أن هناك أمراً يُحضّر. طُلب منا إخلاء المنازل، فأرسلت عائلتي إلى الصرفند، وبقينا نحن قرب بيوتنا. كانوا يقولون لنا إن بإمكاننا النزول إلى البحر مساءً، فنخرج عند السابعة أو الثامنة، ثم نعود فجراً وننتظر الصباح للعودة إلى منازلنا، نحن ننام داخل المراكب، فيما تحوم المسيّرات في السماء فوقنا ليلاً وعلى علو منخفض”.
أما أبو علي عطوي، فيقول لـِ “المدن” إن الصيادين اعتادوا خلال الحروب على القيود والحصار، لكن لم يُطلب منهم يوماً مغادرة مرافئهم أو نقل مراكبهم بهذا الشكل. ويضيف: “أمضيت 37 عاماً في مرفأ المونس، وأستصعب أن يأتي أحد ويقول لي اخرج من بيتك، فأنا أعتبر المرفأ بيتي”.
ويحذّر عطوي من أن الهدوء الحالي قد يكون خادعاً، لأن المشكلة ستظهر عند أول تقلبات جويّة، في ظل تلاصق المراكب ووجود مراسٍ غير نظامية مربوطة بالصخور.
من جهته، يقول قاسم فرحات “شعرت كأن أحداً طردني من منزلي. عندما وصلنا إلى مرفأ الزيرة شعرنا أننا ضائعون”. ويضيف أن الصيادين خرجوا من مرافئهم كما يُطرد الإنسان من بيته، من دون أي تهيئة أو بدائل واضحة”.
ويختم بالإشارة إلى أن الصيادين لم يتلقوا منذ بداية الحرب سوى حصة غذائية واحدة، فيما تزايدت الأعباء عليهم اليوم مع الحاجة إلى حبال ومراسي جديدة لكل مركب، وهي كلفة إضافية تثقل كاهلهم في ظل غياب أي دعم أو خطة إنقاذ للقطاع.



