الرئيسية اقتصاد لبنان خرق في نقاشات الموازنة… المليارات تضيع في البريد والخليوي

خرق في نقاشات الموازنة… المليارات تضيع في البريد والخليوي

لم يختلف اليوم الثاني من جلسات مجلس النواب لمناقشة مشروع موازنة 2026 عما سبقه بالأمس، لولا الخروقات الطفيفة التي أحدثها قلة من النواب من خلال عرض أرقام مجدية وطروحات لزيادة الإيرادات وبعض التساؤلات حول نفقيات تحوم حولها علامات استفهام.

أما الغالبية الساحقة من النواب فاستغلت كما الجلسة الأولى، منبر المجلس لاتخاذ مواقف شعبوية وإطلاق رسائل سياسية تمحورت بمعظمها هو الدفع باتجاه اعتراف الدولة بدينها لصالح مصرف لبنان وهو موضوع معقد لم تصل فيه النقاشات بعد إلى نتيجة حاسماً، لكنه في شتى الأحوال لا يلتقي مع موازنة 2026 موضوع الجلسات. كذلك تطرق العديد من النواب اليوم إلى موضوع قانون الفجوة المالية بمواقف لا تخلو من تسجيل الأهداف الانتخابية، إذا بات الجميع حريص اليوم على استرداد أموال المودعين، حيث وجدها البعض مخرجاً ملائماً للدعوة إلى بيع احتياطات الذهب لدى مصرف لبنان.

مغارة فساد

من كافة خطابات النواب التي كثرت فيها المواقف والشعارات المبتزلة وحده خطاب النائب ياسين ياسين طرح خريطة طريق لكيفية تحصيل المليارات لصالح الخزينة العامة، من قطاع واحد فقط، قطاع الاتصالات الذي يرفد على خزينة الدولة الفُتات وتُهدر فيه المليارات.

يبلغ إجمالي اعتمادات البريد نحو 44.70 مليار ليرة لكن دون تسجيل أي إيراد في موازنة وزارة الاتصالات من هذا القطاع في حين يُفترض أن يكون البريد، كما هو الحال في الدول المتقدمة، مرفقاً عاماً تُبنى عليه خدمات أساسية، ويدر المليارات.

وللتذكير، يُدار قطاع البريد في لبنان من قبل متعهد خاص، منذ قرابة ربع قرن دون مسار إصلاحي يرفع مردود الدولة أو يحدّث الخدمة العامة، فيما تُظهر تقارير ديوان المحاسبة أن حصة الخزينة محدودة جداً قياساً بالإمكانات. وكيف يمكن لمرفق عام يقدم عشرات الخدمات من نقل وتوزيع البريد والطرود المحلية والدولية وخدمات إدارية كجوازات السفر والإفادات والمعاملات الرسمية وتحصيل الرسوم وتسليم المستندات وغيرها الكثير، من دون أي مردود يذكر لصالح خزينة الدولة.

منذ أكثر من 25 عاماً تتولّى شركة ليبان بوست Liban Post إدارة وتشعيل بريد لبنان من دون شفافية ولا وضوح بالأرقام ولا كشوفات أرباح ولا ميزانيات معلنة ولا رقابة فعلية. باختصار مرفق عام يعمل خارج مالية الدولة.

ويواجه تلزيم قطاع البريد أزمة بنيوية بعد فشل أكثر من 4 مزايدات متتالية لتشغيله عقب انتهاء عقد “ليبان بوست” ووسط تضارب بين منطق تسيير المرفق العام ومنطق الالتزام الصارم بقانون الشراء العام، بقي الملف معلّقاً لدى مجلس الوزراء بين خيار التمديد القسري لتفادي انهيار القطاع أو المضي بمزايدة غير مضمونة، في مشهد يعكس إدارة الأزمة بالترقيع لا بالإصلاح. واستمر الحال على مدى 25 عاماً من الإنتفاع التام لشركة خاصة على حساب خزينة الدولة.

… وهدر

وليس ملف الخليوي بأحسن حال من ملف البريد، فالخليوي يعد من الكنوز في البلد لكن من دون إيرادات توازي إمكاناته، ولولا تقرير ديوان المحاسبة الصادر عام 2022 عن القطاع لعشر سنوات، لما كان مجلس النواب أو الرأي العام ليعرف أن إيرادات الخليوي بين الأعوام 2010 و2020 قاربت 17 مليار دولار وأن الإفراط في الإنفاق على شركتي الخليوي قارب 6 مليارات دولار. ما يعني أن 6 مليارات دولار وهو مبلغ كاف لإنشاء شركتي خليوي جديدتين، أُنفق بشكل غير شفاف إن لم نقل أُهدر بالكامل.

أما حال قطاع الاتصالات اليوم فليس بأفضل حال من الخليوي، فلا تحسن أو نمو فعلي في أداء هذا المرفق العام، وبحسب الارقام فإن ارتفاع الإيرادات الإجمالية من نحو 407 ملايين دولار في 2025 إلى نحو 471 مليون دولار في 2026 مرده إلى إيرادات الخليوي التي ترتفع من نحو 169 مليون دولار إلى نحو 237 مليون دولار، من دون شرح رسمي واضح لأسس هذا التقدير. أما إيرادات الوزارة التشغيلية من الشبكة الثابتة فشبه ثابتة، عند حدود 235 مليون دولار، ما يعني أن التحسّن المعلن لا يعكس نمواً فعلياً.

حتى أوجيرو تدور حول شفافية الإنفاق فيها عشرات الأسئلة أبرزها أن 70 في المئة من نفقات وزارة الاتصالات تتوزع بين تجهيزات أوجيرو من معدات وبنى تحتية ومديرية الاستثمار والصيانة، وتشمل أوجيرو والهيئة الناظمة للاتصالات. وتفتقد عمليات الإنفاق في هذه المجالات لأدنى معايير الشفافية والمراقبة ما يشرّع باباً كبيراً للهدر والفساد.

وعلى الرغم من تعيين الهيئة الناظمة للاتصالات، فإن ثمة شكوكاً باستقلاليتها وشفافية قراراتها باعتبار انها مموّلة بتحويلات من وزارة الاتصالات بقيمة تقارب 1.6 مليون دولار.

باختصار تحوّل قطاع الاتصالات في لبنان بكل مؤسساته إلى أحد أكبر مسارب الإنفاق غير الشفاف، رغم كونه من أكثر القطاعات قدرة على رفد الخزينة سنوياً.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةعوائد سندات اليورو تنخفض مع تحذير «المركزي الأوروبي» من قوة اليورو