لم يكن ما قاله حاكم مصرف لبنان كريم سعيد لناحية تقديم شكاوى ضدالحاكم السابق للمصرف رياض سلامة دون أن يسميه ومصرفي سابق، لاتهامهما بإنشاء أربع شركات “أوفشور” وهمية في جزر الكايمان بهدف الاستيلاء على أموال المصرف، وتحقيق إثراء غير مشروع، مجرد كلام عابر، بل كلام له وقعه المدوي.
التحاليل اختلفت بين توقيت هذه الخطوة أولاً، وما يجري خارجياً لناحية اعلان النيابة العامة الفرنسية (PNF) فتح تحقيق رسمي في قضية احتيال مالي بقيمة 154 مليون دولار، ويشتبه بتورط كلّ من بنك عودة ورئيسه السابق سمير حنا ورياض سلامة، الى جانب مسؤول مصرفي كبير سابق، وذلك إثر شكوى جنائية قدمتها منظمة ACTS Accountability Now المعنية بمكافحة الفساد المالي.
في خضمّ مؤتمره الصحافي، أشار سعيد إلى أن الأموال المحوَّلة إلى “فوري”ليست للدولة بل لمصرف لبنان. في حين علّق القاضي جان طنوس، عبر حسابه الخاص على منصة “أكس”، على الموضوع، قائلاً: “هذا الكلام غير دقيق، فالمادة 97 من قانون النقد والتسليف تُلزم مصرف لبنان بترويج قروض الدولة مجاناً، أي من دون أي عمولات. فإذا سُلِّم بأن الدولة لا حق لها بهذه الأموال، يكون مصرف لبنان قد استوفاها بلا سبب قانوني، بما يفتح الباب أمام المصارف التجارية للمطالبة باستردادها بوصفها أموالاً خاصة لا أموالاً عامة. وعندها يبرز خطر إعادة تكييف الجرائم المرتبطة بها كجنح تخضع لمرور الزمن الثلاثي، لا كجنايات تخضع لمرور الزمن العشري”. فماذا يعني بذلك؟.
“ببساطة، إذا ذهبت الأمور بهذا المنحى وتم تصوير ما تم اختلاسه من أموال على أنها أموال خاصة وليست عامة، فهذا يعني أن ما قام به سلامة ليس اختلاساً وأنه لا يوجد جرم إختلاس أموال”. هذا ما يشير اليه القاضي طنوسفي حديث لـ”النشرة”، لافتاً إلى أن “سعيد يقول إن هذه الأموال هي للمصرف المركزي وليس للدولة، والمصرف المركزي لا يحق له أن يتقاضى عمولة إذا كان يروّج لقروض للدولة، وبالتالي تأتي المصارف لتقول إنّ المصرف المركزي لا يحق له أن يتقاضاها لأنها بصورة غير مشروعة، واذا كانت ليست للدولة فيحقّ لها، أي المصارف، أن تطالب باستردادها لأنّها أموال خاصة، وإذا كانت مالاخاصا تسقط الملاحقة مع مرور الزمن أي بعد ثلاث سنوات”. أما المتخصّص في الرقابة القضائية على المصارف المركزيةالمحامي الدكتور باسكال ضاهر، فيرى أن سعيد أقدم على هذه الخطوة في ظلّ وجود دعاوى مرفوعة في الخارج، لا سيما في فرنسا، بحق مسؤولين وأسماء كبيرة في البلاد، وقد قبلتها النيابة العامة الفرنسية، ما يدلّ على وجود أموال يُراد استعادتها.
ويشير الدكتور ضاهر إلى أنه “عندما نصف الأزمة بأنها أزمة نظاميّة، فهذا يفترض من حيث المبدأ اللجوء إلى إقرار قوانين جديدة لمعالجتها. أما إذا جرى توصيفها على أنّها غير نظاميّة، فإن معالجتها يجب أن تتم حصراً بالاستناد إلى القوانين النافذة والقواعد التنظيميّة القائمة”. ويلفت إلى وجود تناقض واضح بين المسار الذي تسلكه الحكومة وما صرّح به الحاكم الحالي لمصرف لبنان، إذ أكد الأخير أن هذه الأموال هي أموال المودعين، وأن مصرف لبنان يعمل على استعادتها بالاستناد إلى القوانين الحالية بهدف إعادة الانتظام المالي والمصرفي. ويسأل:”إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تتجه الحكومة إلى سنّ قانون جديد يُلغي الصفة الجرميّة عن هذه الأفعال، ويخفّف العبء عن المصارف، ويحوّل الجرائم إلى تعويضات، مع وضع شروط لحماية المرتكبين”؟.
ويتابع: “إذا كانت القوانين التي يستند إليها مصرف لبنان تُستخدم لاسترداد أموال ناتجة عن ارتكابات جرميّة أو جرائم ماليّة، في حين أن اقتراح القانون الحكومي يتعامل مع الأفعال نفسها على أنها غير نظامية، ويؤدّي عملياً إلى تجهيل المرتكبين، وإلغاء الصفة الجرميّة عن الفعل، وتحويل الجرم إلى مجرد تعويض –إن حصل التعويض أصلاً– فما الجدوى من هذه القوانين؟ ولماذا يتم الإصرار على توصيف الأزمة بأنها نظامية”؟.
ويحذر الدكتور ضاهر من أنه في حال إقرار اقتراح القانون الذي تقدمت به الحكومة، فإن الأموال التي يعمل مصرف لبنان على ملاحقتها، والتي تُقدَّر بنحو 50 مليار دولار، ستفقد إطارها الجرمي، ما يؤدّي عملياً إلى طمس المسؤوليّات وتجهيل المرتكبين. وعندها يُطرح السؤال الجوهري: إذا أُلغيت الصفة الجرمية عن هذه الأفعال، فلمن تعود هذه الأموال، وكيف يمكن استردادها، وعلى أي أساس قانوني؟.
إذاً، وحتى الساعة ليس مفهوماً أين ستذهب الأمور في هذا الموضوع، ليبقى السؤال الأساسي: إذا اقر القانون الذي احالته الحكومة في مجلس النواب لمن تذهب الـ50 مليار دولار، وهل تطير اموال المودعين؟!.



