دراسة حول قانون الفجوة: كيف قاربت الحكومة الملف؟

نشرت منصّة “نادي القادة” (Leaders Club) دراسة موسّعة، لتقييم مشروع قانون الفجوة الماليّة، كما أقرّته الحكومة مؤخرًا. الدراسة بدأت بالإشارة إلى أنّ مشروع القانون موضوع النقاش يمثّل “المحاولة الأكثر شمولًا” منذ اندلاع الانهيار المالي عام 2019، لمعالجة الأزمة المصرفية وحل مشكلة الودائع ضمن إطار قانوني متكامل. ولفتت الدراسة النظر إلى أنّ طرح المشروع أعاد إثارة “نقاش وطني طويل الأمد”، شارك فيه فاعلون وسياسيون، وخبراء اقتصاديون ومؤسّسات من المجتمع المدني، بالإضافة إلى المودعين أنفسهم وأوساط المجتمع الدولي.

في جوهره، يسعى القانون إلى وضع إطار للاعتراف بالخسائر، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فضلاً عن توفير آليّة تدريجيّة ومشروطة لاسترداد الودائع بالعملات الأجنبيّة. وترى الدراسة أنّ هذه المحاولة تأتي في سياقٍ انهار فيه النشاط الاقتصادي، وتبخّرت الثقة بالقطاع المصرفي، كما انتقل جزء كبير من المعاملات الماليّة إلى اقتصاد نقدي وغير نظامي. وبهذا الشكل، تكون الدراسة قد لخّصت الواقع الذي يفرض البدء بالبحث عن الحل المالي، بالنظر إلى التداعيات الكارثيّة التي نتجت عن الانهيار المصرفي.

مقاربة الحكومة

عند بدء الأزمة المصرفيّة، بلغ إجمالي الودائع المصرفيّة نحو 174 مليار دولار أميركي، منها قرابة الـ 124 مليار دولار أميركي بالعملات الأجنبيّة، و60 مليار دولار أميركي بالليرة اللبنانيّة. غير أنّ الانهيار النقدي الذي جاء لاحقًا أدّى إلى محو القيمة الحقيقيّة لودائع الليرة اللبنانيّة بالكامل، فيما تحوّلت الودائع المدولرة إلى ما يُعرف بالـ “لولار”، أي أموال مقيّدة داخل النظام المصرفي المحلّي، ولا يمكن سحبها أو تحويلها إلى الخارج.

ومع مرور الوقت، تراجعت القيمة الفعليّة لهذه الودائع بشكلٍ حاد، إذ أنّ الواقع الحالي يشير إلى أنّ أجزاء كبيرة من ثروة المودعين قد “تم تدميرها بالفعل”. وفي حين يقترح القانون حالياً إعادة تصنيف نحو 32 مليار دولار أميركي من الودائع على أنّها “غير منتظمة”، سيتم إعادة تسديد 50 مليار دولار أميركي منها بأدوات مختلفة. إذ يلحظ القانون تسديد كل وديعة لغاية المئة ألف دولار خلال أربع سنوات، مقابل تحويل القيمة المتبقية إلى سندات تُسدد خلال فترات لاحقة.

مقاربة الحكومة، بحسب الدراسة، تعتمد على ست نقاط أساسيّة:

1- الانتقال من الشلل إلى المبادرة: وفقًا لمقاربة الحكومة، وبعد نحو ست سنوات من الجمود والإجراءات الظرفية والغموض التنظيمي، يمثّل قانون الفجوة انتقالًا من إنكار الواقع إلى اتخاذ القرار. فهو يعترف صراحةً بوجود خسائر وبشحّ السيولة، ويرى أنّ التأجيل يفاقم اللامساواة والعشوائية وانعدام اليقين. ومن هذا المنطلق، تُقدَّم الواقعية كفضيلة: فغياب إطار قانوني يُبقي الخسائر قائمة وموزّعة بطرق مُبهمة وملتبسة وغير عادلة اجتماعيًا.

2- الواقع القائم هو معيار المقارنة: ترى الحكومة أنّ القانون يجب أن يُقاس ويُقيّم بالمقارنة مع الواقع الحالي، لا على أساس بديل متخايل ومثالي. فالواقع يتمثّل حاليًا بودائع مجمّدة، ومصارف زومبي، واقتصاد نقدي. في المقابل، يعد القانون بـ: سداد أسرع لأموال صغار مودعين، ومسار قانوني واضح لاسترداد الودائع الكبيرة، وخريطة طريق واضحة لإعادة هيكلة المصارف واستعادة دورها كوسيط في عمليّات الادخار والإقراض.

3- المساءلة والتدقيق: تنفي الحكومة أنّ يشكّل القانون إعفاءً من المحاسبة، بل تؤكّد أنّه يفرض التدقيق وفق المعايير الدولية، مع مراجعة لجودة أصول كل مصرف، إلى جانب التدقيق في الهندسات المالية والأرباح والتحويلات غير المشروعة. وتشدد الحكومة على أنّ هذه الإجراءات لا تُلغي المسارات القضائية، إذ تبقى المسؤوليات الجنائية والمدنية والإدارية قائمة.

4- الانسجام مع المعايير الدوليّة: يعتمد القانون تسلسلًا لتوزيع الخسائر، بما يتماشى مبدئيًا مع المعايير الدولية. إذ يتحمّل المساهمون الخسائر أولًا، ثم تساهم المصارف ضمن حدود رأسمالها في تسديد الودائع، ويُعامَل المودعون كدائنين من أصحاب الأولوية.

5- الأولويّة للمودعين: تؤكد الحكومة أنّ نحو 85% من المودعين سيستردّون ودائعهم خلال أوّل أربع سنوات، مع ضمان سداد أول 100 ألف دولار لكل مودع ضمن هذه المهلة، فيما تُسدَّد المبالغ الأكبر عبر سندات مدعومة بالأصول.

6- تعافي القطاع المالي ودور الدولة: بحسب الحكومة، يهدف القانون إلى إعادة رسملة المصارف بإشراف مصرف لبنان، وبما يمتثل لمعايير بازل. كما يعترف القانون صراحةً بمسؤولية الدولة في المساهمة عبر أدوات إعادة رسملة المصرف المركزي عند الحاجة.

عيوب في المشروع

بعد شرح مقاربة الحكومة، تقدّم الدراسة الثغرات التي -برأيها- ينطوي عليها مشروع القانون، وأبرزها:

1- المقاربة لا تندرج ضمن رؤية اقتصاديّة شاملة: إذ ترى الدراسة أنّ القانون يعالج إشكاليّة إعادة هيكلة المصارف واسترداد الودائع، إنما بمعزل عن خطة تعافٍ اقتصادي متكاملة. فإصلاح القطاع المصرفي لا يمكن أن يكون منفصلًا عن إصلاح المالية العامة، وإعادة هيكلة الدين، وتطوير البنية التحتية، والسياسات الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، وإصلاح الإدارة العامة. وترى الدراسة أنّ تسوية الودائع قبل استعادة النمو الاقتصادي تعني تكريس الخسائر، في لحظة تكون فيها قيمة الأصول متدنّية والثقة العامة شبه معدومة.

2- عدم لحظ مودعي الليرة والفئات الهشّة: يركّز القانون على الودائع بالعملات الأجنبية، لكنّه يتجاهل الودائع المقوّمة بالليرة التي خسرت قيمتها بفعل الانهيار النقدي. ويُستبعد بذلك مودعون وثقوا بالعملة الوطنية، بالإضافة إلى المتقاعدين الذين خسروا تعويضات نهاية خدمتهم، وصناديق التقاعد المهنية، والمودعين الذين سحبوا أموالهم سابقًا بخسائر فادحة بموجب التعاميم.

3- الذهب وأصول المصرف المركزي: ترى الدراسة أنّ القانون يقترح ضمان السندات الطويلة الأجل عبر أصول مصرف لبنان، بما فيها الذهب، وهو ما يتعارض مع قانون النقد والتسليف والتشريعات التي تحظر استعمال الذهب.

4- الرجعيّة والمخاطر الدستوريّة: بحسب الدراسة، يضمّ القانون بنودًا رجعية تمسّ معاملات قانونية سابقة، وتفرض استرداد فوائد مع غرامات على التحويلات وسداد القروض. ويبدو هنا أنّ الدراسة تتحفّظ على تغريم المصرفيين الذين هرّبوا أموالهم -على حساب المودعين- خلال الأزمة، أو فرض رسوم على القروض الضخمة التي جرى سدادها بالليرة وبسعر الصرف الرسمي (وعلى حساب المودعين أيضاً). وتجدر الإشارة إلى أنّ جمعيّة المصارف قدّمت تحفّظًا مشابهًا، حيث اعتبرت أنّ محاسبة المصارف على هذه الممارسات تمثّل “محاسبة بمفعول رجعي” (لكن ما معنى المحاسبة، إن لم تكن “رجعيّة” وعلى مخالفات حصلت في الماضي؟ سؤال يجب توجيهه لمُعدّي الدراسة وجمعيّة المصارف معاً).

5- غياب التقديرات الماليّة: لا يتضمّن القانون أي توقّعات مالية، أو توقّعات للتدفّقات النقدية للدولة أو مصرف لبنان أو المصارف. وبدون هذه البيانات، يستحيل تقييم واقعية جداول السداد الموعودة، أو قدرة النظام على تحمّل أعباء الاسترداد وإعادة الرسملة.

في جميع الحالات، يمكن القول إنّ الدراسة أصابت في توجيه بعض الانتقادات لعدم لحظ مودعي الليرة والفئات الهشّة، وهذا ما يقتضي تصويبه عند مناقشة مشروع القانون في المجلس النيابي. ويمكن معالجة هذه الثغرات عبر لحظ استثناءات معيّنة لصناديق التعاضد والتقاعد، والاستفسار من حاكم مصرف لبنان عن السياسة النقديّة التي سيتم اعتمادها، بما يؤشّر لمستقبل سعر صرف اللبنانيّة. أمّا بخصوص التحفّظ على رجعيّة القانون، أي فرضه غرامات على مخالفات المصارف السابقة، فلا يوجد دستورياً ما يمنع فرض هذا النوع من الأعباء على عمليّات “غير نظاميّة” حقّقت ثروات لبعض المحظيين، على حساب أموال المصارف ومصرف لبنان.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالمستشفيات “مخنوقة” بالتعرفة الحالية… والـH3N2 لم يُربكها
المقالة القادمةمصرف لبنان يفجّر مفاجأة: ديون الدولة 3 أضعاف الـ16.5 مليار