دون خط الفقر وتحت سطح البحر: الجناح – الأوزاعي في مهب «الطوفان السنـوي»

كما يحصل في كل عام، تسبّبت العاصفة الأخيرة بغرق المنازل الملاصقة للبحر في منطقة الجناح – الأوزاعي، وحوّلت الأزقة إلى مصائد للمياه الموحلة والنفايات

مع كل إنذار بعاصفة قادمة، يعيش أبناء الأوزاعي – الجناح، ولا سيما سكان الأحياء المحاذية للبحر، حالة ترقّب ثقيلة، ليس انتظاراً لحدث طبيعي عابر، بل لاحتمال كارثة جديدة. فهؤلاء يواجهون خطر الغرق عاماً بعد عام، لأن العاصفة لا تحمل المطر فقط، بل تُعيد إلى الذاكرة مأساة الفيضانات والأضرار السنوية.

العاصفة الأخيرة، قبل أيام، مرّت بأضرار أقل على القسم العلوي من المنطقة، الأبعد من الساحل، غير أنّ التجربة علمت الأهالي أن النجاة استثناء لا قاعدة، وأن «الجرّة» لا تسلم في كل مرة. فنزول بضعة أدراج تفصل عن القسم السفلي الملاصق للبحر، تكشف آثار العاصفة التي لا تزال ماثلة للعيان: منازل غرقت بالكامل في الـ«أكابولكو» و«السانس»، وصولاً إلى «سان سيمون» و«سان ميشيل». أما الأزقة الضيقة القريبة من البحر، فقد تحولت إلى مصائد للمياه الموحلة والنفايات، من قشور الليمون وقوارير المياه البلاستيكية، إلى الأحذية وإطارات السيارات، في مشهد يتكرر مع كل عاصفة.

عند كل عاصفة، تخشى غينيت، العاملة الإثيوبية المقيمة في السان سيمون، ما تصفه بـ«جنون البحر». مع اقتراب العاصفة الأخيرة، رفعت الأثاث عن الأرض احترازاً، لكنها لم تفلح في منع الأضرار. تقول: «الأمواج ارتفعت وضربت النوافذ بقوة، واقتحمت المياه البيت وأتلفت معظم العفش». وتضيف ساخرة: «قبل أن أنتقل إلى هنا، سمعت أنّ الناس يحبون السكن بجوار البحر… لكن الأمر ليس جيداً أبداً».

مع كل عاصفة مماثلة، يشهد القسم السفلي من الأوزاعي – الجناح موجة نزوح داخلي، إذ يهرع السكان إلى أعلى الحارة، بعيداً من البحر. السبعينية أم حسين لجأت إلى منزل جارتها في القسم الأعلى حتى انتهاء العاصفة، و«عندما عدت وجدت المياه تغطي الشقة. سحبنا المياه ورفعت ما تبقى من الأثاث لأُنشفه».

التجربة واحدة لكل العائلات اللبنانية في المنطقة، إضافة إلى مقيمين من عرب المسلخ، وسوريين، وفلسطينيين، وإثيوبيين وبنغلادشيين، يعيشون في منازل تفتقد إلى أدنى شروط الحماية والأمان. بيوت صغيرة متلاصقة، جدران متشققة، أسقف من الزنك، أرضيات منخفضة عن مستوى البحر، صفائح معدنية، وطوب غير معزول، أو من تنك رقيق، تجعل أي عاصفة تهدد حياة السكان وممتلكاتهم.

وينال الأطفال النصيب الأكبر من الأضرار. سلمى تشير إلى أولادها الذين يمرضون بعد كل عاصفة بسبب الطقس البارد والتعرض لمياه البحر، وتصف عليا «فوبيا الطوفان» التي يعاني منها ابنها الذي «يخاف من صوت البحر كلما بدأ الشتاء، لأنه يعلم أنّ مياه البحر ستغمرنا عندما يشتدّ المطر».

يقف علي عند آلة الإكسبرس، موضحاً كيف تتكاتف العائلات لمواجهة الكارثة: «أهلية بمحلية… نحن نسرع لتأمين مأوى للعائلات المتضررة عبر فتح منازلنا لهم، لأننا نعتبر أنفسنا عائلة واحدة والمصيبة واحدة».

ولا تقتصر المشكلة على مياه البحر التي تغمر المنازل القريبة من الشاطئ، بل تمتد لتشمل أزمة النفايات التي تغطي الأزقة وعتبات البيوت بعد كل عاصفة. فعندما يهدأ موج البحر وتنسحب المياه، تبقى المخلفات متناثرة في كل مكان.

وتتكرر الشهادات حول حجم الخسائر السنوية، من تلف أثاث ومعدات كهربائية إلى إغلاق محال تجارية تمثل مصدر رزق لعائلات بأكملها.

هذه الحلقة هي جزء من مسلسل «اللاحماية» الذي يعيشه السكان في العشوائيات، حيث بُنِيت المنازل في مناطق منخفضة عن مستوى البحر، وهي غير صالحة للسكن، ومن دون أي معايير سلامة عامة. ما يجعل الأبنية مهددة بالسقوط باستمرار، ويزيد هاجس «السقوط» أثناء العواصف الرعدية أو الهزات الأرضية، كما حدث في شباط 2023 (راجع «الأخبار» الثلاثاء 21 شباط 2023)، كما تسهم شبكات تصريف مياه الأمطار الضعيفة والمجاري المسدودة بالنفايات والأتربة في تفاقم المشكلة، وسط وعود رسمية لم تُترجم إلى مشاريع فعلية، وسط تقاذف المسؤوليات بين المعنيين (راجع «الأخبار» الخميس 13 تشرين الثاني 2025).

من جهته، يؤكد رئيس بلدية الغبيري، أحمد الخنسا، لـ«الأخبار»، على «وجود مشكلة مزمنة يعاني منها سكان الجناح ـــ الأوزاعي سنوياً»، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن «هذه المناطق مصنفة عشوائية».

وللتخفيف من آثار العواصف، يشير الخنسا إلى مجموعة إجراءات تقوم بها البلدية كل موسم، منها «فتح الطرقات، معالجة مشكلات الصرف الصحي، متابعة الكهرباء، وإزالة النفايات». هذا العام، وبفضل اتصالات مع فعاليات المنطقة للاطمئنان على الأهالي، «تبين أن البيوت لم تغرق مثل السنوات السابقة وبنفس الخطورة، بل بدرجة أخف، واقتصر الضرر على المنازل الملاصقة للبحر».

ويشدّد على أن البلدية سبق أن حاولت «وضع بلوكات حجرية لمنع تسرب مياه البحر إلى بيوت السكان، لكن المدّ دمرها، لذلك لم نتوصل إلى حل جذري». وعن مسؤولية البلدية في معالجة الأزمة، يوضح الخنسا أن «للبلدية صلاحيات محدودة وقدرة مالية ضئيلة»، معرباً عن أمله في أن «تتحمل الوزارات المختصة مسؤولياتها لإيجاد حل دائم لهذه الكارثة السنوية».

مصدرجريدة الأخبار - يارا عبود
المادة السابقةرواتب ومكتسبات القطاع العام تحت المقصلة
المقالة القادمةمئات السيارات المستوردة عالقة عند الحدود