يختلف مشهد وقف إطلاق النار المُعلَن في المرحلة الراهنة عن ذلك الذي اتفق عليه في تشرين الثاني 2024. وبناء عليه، لا تتشابه صورة عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، بين المرحلتين، وضمناً، عملية رفع الأنقاض. ويُبنى على هذا الواقع، سؤال المتضرّرين عن عملية إعادة الإعمار.
والعودة التي شهدها الجنوبيون منتصف حزيران الماضي كانت جزئية، بفعل استمرار احتلال الكثير من القرى وتدمير بعضها بشكل كامل. علماً أنّ شريط القرى المحتل اتّسَع مقارنة مع حرب العام 2024، وارتفع عدد القرى غير المحتلّة بشكل مباشر، لكنّها بقيت مهدّدة بالاعتداءات، وهو الأمر الذي يمنع عودة أهلها إليها. ومع ذلك، تشهد صور والنبطية والضاحية الجنوبية لبيروت، عمليات رفع الأنقاض بوتيرة مختلفة.
فتح الشوارع وتسهيل أمور الناس
لا يخفي العائدون إلى أحيائهم وبيوتهم خوفهم المستمر من عودة الحرب بنسختها الموسّعة، ومعها عودة القصف والدمار. إلاّ أنّ الاحتمالات لا تمنع الاستفادة من أجواء الهدوء لترتيب المشهد ونفض مخلّفات العدوان الإسرائيلي عبر رفع الأنقاض، خصوصاً أنّ العملية بدأت بعد انتهاء النسخة السابقة من الحرب في تشرين الثاني 2024.
وتأسيساً على نتائج المناقصات التي انتهت إلى تلزيم شركات لإزالة الأنقاض، ترفع صور والنبطية والضاحية أنقاض المباني التي سوّيت بالأرض وقطعت الطرقات وأضرّت بالمباني المجاورة. ورفع الأنقاض يأخذ صورة “فتح الطرقات وتسيير أمور الناس”، وفق ما يؤكّده رئيس دائرة التنفيذ في مجلس الجنوب حسن طه، الذي يعتبر في حديث إلى “المدن” أنّ العملية التي تحصل الآن “هي امتداد للعملية التي بدأت قبل الحرب الأخيرة، ومن واجب الشركات التي ربحت المناقصات أن تقوم بالأعمال، خصوصاً بعد استفادتها من تعليق المهل القانونية في بداية الحرب”. ولذلك، لا يزال مجلس الجنوب مسؤولاً عن أعمال رفع الأنقاض في الجنوب والبقاع الغربي، عبر مؤسسة “بيتا” للهندسة والمقاولات، وشركة EMC(إيلي معلوف)، استناداً إلى نتائج مناقصات العام 2025. وبموجب التلزيم، على “بيتا” أن تعمل في أقضية جزين، صيدا، النبطية، حاصبيا، والبقاع الغربي، صور، مرجعيون، والنبطية، فيما تعمل شركة EMCفي قضاء بنت جبيل. لكن الظروف الأمنية لكل منطقة، تحكم موعد وآلية العمل.
ويشير طه إلى أنّ “نسبة رفع الأنقاض حتى بداية الحرب الحالية، بلغت بالمجمل نحو 65 بالمئة، لكن في بعض القرى وصلت إلى 75 بالمئة. وهناك قرىً لم نستطع الوصول إليها بسبب الاحتلال، ومنها كفركلا والعديسة ومركبا”.
وبما أنّ الملف لا يزال مفتوحاً، أتى في هذا السياق بدء رفع الأنقاض. ويلفت طه النظر إلى أنّ عدم إجراء تلزيمات جديدة، أدّى إلى “اعتماد الأسعار السابقة، رغم أنّ كلفة العمل ارتفعت بفعل ارتفاع أسعار النفط والآليات”. وبرأيه، لو كان هناك قرار باجراء مناقصات جديدة “لأتى السعر الجديد مرتفعاً، فضلاً عن خسارة الوقت للبدء برفع الأنقاض”.
وفي النبطية، تساهم المبادرات التطوعية للأفراد وبعض الجمعيات في رفع الأنقاض وتسهيل عودة الحياة إلى بعض الشوارع. مع أنّ الخطر القابع على أطراف المدينة وقراها المحيطة يجعل وتيرة العمل أبطأ ومعدّل الخوف من تجدّد الحرب وتراكم الدمار أعلى.
على أنّ الركام الذي يُرفَع من الشوارع، يذهب بحسب طه، إلى “مكبّات معتمدة بإشراف وموافقة وزارة البيئة، ومن بينها مكبّا عين قانا وحبّوش لأنقاض منطقة النبطية ومكبّا الرشيدية وطيردبا لمنطقة صور”. وبالتوازي مع ذلك، يشرف اتحاد بلديات الضاحية على عملية رفع الأنقاض في الضاحية من قبل شركة “البنيان” التي تنقل الركام إلى مركز للفرز في منطقة المريجة قبل فصل المواد القابلة لإعادة الاستخدام، ثم تنقل باقي المواد إلى مطمر الكوستا برافا لتستعمل في توسعة المطمر.
لا إعادة إعمار قريباً
قبل 2 آذار الماضي، كانت ترتفع آمال البدء بإعادة إعمار ما دمّرته حرب العام 2024، خصوصاً مع وجود قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار و75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية. كان من المنتظر أن تبدأ العملية “في شهر آذار 2026. وتستهدف الأعمال المتعلّقة بالبنى التي تضرّرت بشكل مباشر، كالطرقات، المدارس، خزّانات المياه، شبكات المياه، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء والاتصالات”، وفق طه.
لكن تجدّد الحرب في آذار، أخّر العملية وجعلها أصعب، بفعل احتلال المزيد من القرى ورفع مستوى التدمير. وإلى جانب ذلك، سمح وقف إطلاق النار في العام 2024 بعودة الناس إلى بعض القرى الحدودية وإطلاق عملية رفع الأنقاض، في خلق فرص عمل محلية للشبّان الذين اختاروا العودة، عبر تلزيم رفع الأنقاض من الشركات المتعهّدة عبر البلديات، فاستفاد الشبّان من بيع الحديد والألمنيوم، وهو واقع حُرم منه الشبّان مع نتائج الحرب الراهنة.
ورغم عمليات رفع الأنقاض، تقول مصادر مواكبة للملف في الجنوب، أنّ هذه العمليات “عبارة عن إجراءات رمزية، لكنّها لا تحلّ جوهر المشكلة، وهي الحاجة للبدء بإعادة إعمار فعلي”. وتأسف المصادر في حديث لـ”المدن” إلى أنّ “إعادة الإعمار كما هو واضح، بعيد جداً ويستحيل أن يحصل في المدى المنظور، لأنه محكوم بالقرارات السياسية التي ستخرج بعد انتهاء الحرب وحسم الخلافات الدولية في المنطقة. وهذا ما انتظرناه بعد وقف إطلاق النار في نهاية العام 2024 وتأخّر إلى حين تجدّد الحرب في آذار 2026 ولا زلنا ننتظره حتى اللحظة”.
وعلى رمزيّتها، “من الضروري إزالة الركام قدر الإمكان للسماح باستعادة أي شكل من أشكال الحركة والحياة في المدن والقرى التي عاد سكّانها، لكن على الناس أن لا ينتظروا إعادة الإعمار كشرط وحيد لاستعادة نشاطاتهم الاقتصادية، إذا كانوا قادرين على تسيير أمورهم من مالهم الخاص. مع أنّ تجدّد الحرب بوتيرة أكثر شراسة، زاد الدمار ورتّب على الناس أعباءً مالية أكبر”.
يواكب المعنيون عمليات إزالة الركام وعودة الحياة جزئياً إلى بعض المناطق. وجولات بعض الوزراء والنواب تضفي طابعاً إيجابياً يدلّ على الاهتمام الرسمي بملفّ عودة الناس. لكن ضبابية الرؤية المتعلّقة بتمويل وموعد إعادة الإعمار، تضع كل ما عدا هذه العملية، في مرتبة أدنى، لأنّ تجدّد الحرب في أي لحظة، سيطيح بكل الخطط ويبدّد الجهد المبذول حالياً لرفع الأنقاض.



