الرئيسية اقتصاد لبنان زيادة الباصات بالهبات ليست رؤية

زيادة الباصات بالهبات ليست رؤية

لا سياسات واضحة في لبنان. الخدمات العامة متهالكة ويجري التعامل معها بطرق مجتزأة لتخفيف العوارض لا لمعالجة أصل المشكلة. من ضمن هذه الحلول التعامل مع النقل العام باعتباره حالة مارقة لا ضرورة وحاجة عامة. تطوير القطاع يعتمد على التسوّل. بمرحلته الأولى في 2021 كان عبارة عن 50 باصاً فرنسياً، ثم 30 باصاً بمنحة قطرية، وأخيراً ها هو لبنان يحصل على 100 باص صيني. فهل المشكلة في عدد الباصات، أم في غياب سياسة نقل عام متكاملة وقابلة للاستمرار ضمن أهداف محدّدة تخصص لها الموارد وتصدر القرارات من أجل تطبيقها؟

سياسة الترقيع
قبل فترة، وافقت الحكومة اللبنانية على هبة صينية مخصّصة لتوريد مئة حافلة جديدة لصالح مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. بحسب قرار مجلس الوزراء الصادر في 2 تموز 2026، تبلغ الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 89.9 مليون يوان صيني، أي ما يعادل تقريباً 12.5 مليون دولار، على أن تُموَّل بالكامل من المنحة الصينية. وهذه الهبة هي جزء من منحة صينية أوسع بقيمة 150 مليون يوان سبق أن وافقت الحكومة اللبنانية على قبولها. وتشمل هذه الهبة تصنيع وتوريد 100 حافلة ونقلها إلى مرفأ بيروت، مع ضمان جودة لمدة سنة واحدة، وتدريب 7 فنيين لبنانيين في الصين لمدة 10 أيام، بالإضافة إلى ترتيبات مرتبطة بالدعم الفني والتشغيل والصيانة جرى بحثها بين مجلس الإنماء والإعمار والجهات الصينية.

تعيد هذه الهبة إلى الأذهان الهبة الفرنسية سنة 2021 والتي كانت عبارة عن 50 حافلة نقل عام مستعملة قدّمتها فرنسا إلى لبنان بهدف المساعدة على إعادة تشغيل شبكة النقل المشترك في بيروت. الحافلات كانت من أسطول النقل الباريسي وأطلقت إلى الخدمة في فرنسا بين عامي 2006 و2010 ثم استهلكت فأخرجت من الخدمة تدريجياً ومنحت إلى لبنان. أيضاً حصل لبنان في نهاية 2025 على 30 باصاً من دولة قطر كانت قد استعملتها في مونديال قطر ولم تعد لها حاجة بها.

اللافت أن الحكومة اللبنانية ما زالت تبحث عن حلول مماثلة عبر منحة من هنا وقرض من هناك. سياسة الترقيع هذه معتمدة منذ التسعينيات حين انتهت الحرب الأهلية وانطلق نظام الاقتصاد السياسي المنبثق عن اتفاق الطائف، بالاعتماد على الاستهلاك المفرط ونفخ سعر الليرة وتثبيتها لتضخيم القدرة الشرائية للأسر اللبنانية. وتزامن ذلك مع طفرة في القطاع المصرفي، رفعت رؤوس أمواله عبر السنوات من 2 مليار دولار في بداية التسعينيات إلى نحو 21 مليار دولار قبل الانهيار الكبير في 2019. في هذه الفترة حصلت المصارف على سيولة زائدة بالدولار استثمرتها بالدين العام وبتمويل الاستهلاك الخاص ومن ضمنها استيراد السيارات التي أصبح شراؤها بقرض أمراً سهلاً جداً. سهولة التمويل بالإضافة إلى القدرة الشرائية المضخّمة، أسهما في ارتفاع عدد السيارات في البلد، ما ضعّف قطاعي النقل العام والمشترك.

لا تخطيط ولا تنظيم
ازدياد عدد السيارات في بلد مثل لبنان، حيث تتركّز الحركة الاقتصادية والمرافق الأساسية ورأس المال في مساحة جغرافية ضيقة نسبياً، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان، جعل أزمة النقل نتيجةً شبه حتمية للنموذج الاقتصادي والعمراني المعتمد. لكن هذه الأزمة لم تنتج من ارتفاع عدد السيارات وحده. ففي مقابل السياسات التي سهّلت اقتناء السيارة الخاصة، لم تبنِ الدولة شبكة نقل عام قادرة على تقديم بديل فعلي ومنتظم، بل بقي القطاع أسير التشتّت الإداري وضعف التنظيم وغياب التخطيط الطويل الأجل.

وهذا تحديداً ما أشار إليه البنك الدولي قبل أكثر من عقدين، في تقرير صدر سنة 2002 بعنوان «وثيقة تقييم مشروع تطوير النقل الحضري في لبنان». قدّم التقرير تشخيصاً لأزمة لا تزال عناصرها الأساسية قائمة: المشكلة لم تكن في نقص الطرق أو الحافلات فقط، بل في غياب الإطار المؤسّسي القادر على تخطيط قطاع النقل وإدارته وتنظيمه. وبحسب البنك، كانت مسؤوليات التخطيط والتنظيم وإدارة السير وتشغيل النقل العام موزّعة بين عدد كبير من الوزارات والإدارات والهيئات الوطنية والبلديات، من دون تحديد واضح لصلاحيات كل جهة أو آليات فعّالة للتنسيق بينها. وأدى هذا التشتّت إلى غياب مرجعية موحّدة تتولى إعداد السياسة العامة للقطاع، وتربط بين تنظيم النقل العام وإدارة الطرق والمواقف واستخدامات الأراضي. وإلى جانب ذلك، كانت المؤسسات المعنية تعاني نقصاً حاداً في الموارد البشرية والمالية والخبرات الفنية، ما انعكس ضعفاً في إعداد السياسات وجمع البيانات وتخطيط الشبكات ومراقبة التشغيل وتطبيق قوانين السير.

وبدلاً من اعتماد استراتيجية متكاملة تجمع بين وسائل النقل المختلفة وتدير الطلب على التنقل، تركّزت السياسة العامة بصورة أساسية على توسيع الطرق وإنشاء المحاور السريعة، كما يقول البنك الدولي، فيما بقي النقل العام في مرتبة ثانوية. ولم تُستخدم أدوات أخرى، مثل تنظيم مواقف السيارات أو ضبط استخدامها أو الحد من الاعتماد المفرط على السيارة الخاصة. وبهذا المعنى، كانت الدولة توسّع المساحة المتاحة للسيارات من دون أن تبني، في المقابل، نظاماً عاماً قادراً على خفض الحاجة إليها.

أزمة بنيوية
وظهر ضعف الحوكمة، كما يذكر تقرير البنك الدولي، أيضاً في طريقة تنظيم النقل المشترك. فقد كانت التراخيص تُمنح من دون تحديد دقيق للمناطق والخطوط التي يجب أن تخدمها المركبات، أو للمواعيد ومستويات الجودة التي يجب أن يلتزم بها المشغّلون. وسمح ذلك للمركبات بالعمل حيثما ومتى شاءت، من دون شبكة خطوط منشورة أو جداول موثوقة، ما دفع المشغّلين إلى التركيز على المسارات الأكثر ربحية بدلاً من توزيع الخدمة وفق حاجات السكان والمناطق.

كما زادت سياسة التراخيص العشوائية الوضع سوءاً، بحسب ما يقوله البنك الدولي. ففي سنة 1996، أضافت الدولة 200 حافلة إلى أسطول مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، لكنها منحت في المقابل آلاف التراخيص الإضافية لسيارات «السرفيس»، إلى جانب تراخيص للحافلات الصغيرة والفانات، ما أدّى إلى زيادة عدد مركبات النقل العام إلى أكثر من ثلاثة أضعاف خلال سنتين. وبذلك لم تُنظَّم السوق ضمن شبكة متكاملة، بل تحولت إلى عدد كبير من المشغّلين الأفراد الذين يتنافسون على الركاب والخطوط نفسها، في ظل ضعف معايير السلامة والجودة والصيانة.

كذلك، يقول البنك، أضعف نقص البيانات قدرة الدولة على اتخاذ القرارات وقياس نتائجها. فلم تكن الجهات المعنية تمتلك معلومات ميدانية ودورية كافية عن حركة التنقل وحاجات الركاب وأثر القطاع البيئي، ما جعل التخطيط يعتمد على تدخلات متفرقة، وصعّب تقييم المشاريع أو تحديد المسؤوليات عند فشلها. وقد لاحظ البنك، على سبيل المثال، نقص البيانات المتعلقة بانبعاثات النقل، رغم وجود مؤشرات على مساهمتها في تدهور نوعية الهواء في بيروت الكبرى.

بالتالي، لا تقتصر أزمة القطاع على سوء إدارة مصلحة النقل المشترك أو على نقص الحافلات التابعة لها. إنها أزمة بنيوية بدأت من شكل الاقتصاد على مدى عقود، إلى حوكمة تشمل تشتّت القرار، وتداخل الصلاحيات، وضعف التنظيم والرقابة والبيانات والمساءلة، وغياب استراتيجية تربط تشغيل الحافلات بإدارة الطرق والمواقف والخطوط والطلب على النقل. ومن دون معالجة هذه العناصر، قد تؤدي الهبة الصينية إلى زيادة عدد الحافلات الموجودة في حوزة الدولة، كما فعلت الهبة الفرنسية قبلها، من دون أن تتحول بالضرورة إلى شبكة نقل عامة منتظمة ومستدامة.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقةهل لدى الحكومة خطّة لتأمين السكن والطبابة والعمل والتعليم؟ مُدَّخرات النازحين شارفت على النهاية
المقالة القادمةمنح زراعية بـ18.5 مليون دولار.. دعم جديد للمزارعين والتعاونيات