منذ شهر تمّوز الماضي، أقرّ مجلس النوّاب قانوناً يمنح العاملين في القطاع العام والمتقاعدين المدنيين والعسكريين تعويضات شهريّة تعادل “ستّة رواتب إضافيّة”، بمفعول رجعي اعتباراً من اوّل آذار الماضي. وبحسب مشروع قانون موازنة 2027، من المفترض أن تحصل الفئات نفسها العام المقبل على تعويضات شهريّة إضافيّة، توازي ستّة رواتب أخرى.
أي بمعنىً آخر، واعتباراً من السنة المقبلة، سيحصل العاملون في القطاع العام والمتقاعدون على “12 راتباً” كتعويض إضافي شهري. ومن المعلوم أن هذه التعويضات يجري منحها شهرياً للتعويض عن انهيار القيمة الشرائيّة للأجور بفعل انهيار من سعر الصرف، غير أنّها تبقى خارج أصل الراتب، ولا تشكّل تصحيحاً للأجور، ما يجعل هذه التعويضات مجرّد تسكين مؤقّت بانتظار حل جذري للمشكلة.
في كل الحالات، وعند الحديث عن هذه المسألة، غالباً ما تُطرح أسئلة حول كفاية الفوائض المُحققة في الميزانيّة العامّة، لتأمين الزيادات الموعودة في هذه التعويضات الشهريّة. كما تُطرح الأسئلة نفسها عن وجود الإمكانات الماديّة لإجراء تصحيح شامل للأجور، بما يُدخل هذه التعويضات المؤقتة في أصل الراتب.
في هذا المقال، وللإجابة عن هذه الأسئلة، تدرس “المدن” الكلفة الحاليّة للرواتب والأجور ضمن الميزانيّة العامّة للدولة، مع كلفة التعويضات الإضافيّة هذه السنة والسنة المقبلة، لمقارنتها بحجم الفوائض الفعليّة المُحققة في الميزانيّة العامّة، وكفاية هذه الفوائض لتغطية الزيادات (أو حتّى التصحيح المُحق والمنتظر لأصل الراتب).
أرقام العام الحالي
تشير الأرقام إلى أنّ الكلفة الإجماليّة لرواتب وتعويضات العاملين في القطاع العام بلغت خلال النصف الأوّل من العام الحالي قرابة 119.86 ألف مليار ليرة لبنانيّة، أي نحو 1.34 مليار دولار. وهذا ما شكّل زيادة بنسبة 15.54 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حين بلغت قيمة هذا البند نحو 103.74 ألف مليار ليرة لبنانيّة، أو نحو 1.16 مليار دولار أميركي. مع الإشارة إلى أنّ الرواتب والتعويضات الإضافيّة مثّلت نحو 62.81 بالمئة من هذا المبلغ الإجمالي، فيما شكّلت تعويضات ومعاشات التقاعد قرابة 30.47 بالمئة من أصل المبلغ، كما شكّلت التحويلات إلى المؤسسات العامّة (لتغطية الرواتب) 6.72 بالمئة.
غير أنّ المبلغ الإجمالي، للنصف الأوّل من العام الحالي، لا يشمل الرواتب الستّة التي جرت إضافتها كتعويضات خلال شهر تمّوز الماضي، والتي يتم تسديدها مع مفعول رجعي حتّى بداية شهر آذار الماضي. وبحسب الاعتماد الإضافي المُقر، ضمن القانون الذي شرّع هذه الرواتب الستّة، من المفترض أن تبلغ كلفة هذه التعويضات نحو 56 ألف مليار ليرة لبنانيّة، أو نحو 625.69 مليون دولار أميركي (بمتوسّط شهري يبلغ 62.56 مليون دولار على 10 أشهر من السنة الحاليّة).
وفي واقع الأمر، وبمراجعة الأداء المالي للدولة اللبنانيّة خلال النصف الأوّل من السنة الحاليّة، يتبيّن أن الخزينة العامّة سجّلت خلال تلك الفترة فائضاً إجمالياً (أي بعد احتساب كلفة الفوائد) بقيمة 1.21 مليار دولار، أي بمتوسّط شهري يبلغ 201.66 مليون دولار، خلال الأشهر الستّة.
بذلك، يتّضح أن الفائض المّسجّل في الميزانيّة العامّة، قبل احتساب التعويضات الإضافيّة، كان يوازي 3.22 مرّات المتوسّط الشهري للتعويضات الإضافيّة، التي بدأ سدادها مع المفعول الرجعي خلال النصف الثاني من العام. وهذا ما يشير، وبخلاف بعض التشكيكات القائمة، إلى أنّ الزيادات المُقرّة لن تؤدّي إلى إحداث عجز في الميزانيّة العامّة، حتّى لو شهدت الإيرادات العامّة بعض الانخفاضات الطفيفة خلال النصف الثاني من العام الراهن.
أرقام العام 2027
عند تقدير التوازنات الماليّة، تبدو الأمور أوضح بالنسبة إلى العام المقبل. فمشروع قانون الموازنة كان قد قدّر الكلفة الإجماليّة للرواتب والتعويضات عند حدود 246.63 ألف مليار ليرة لبنانيّة، بالإضافة إلى بعض المخصّصات التي تندرج ضمن بنود التقديمات الاجتماعيّة. غير أن مشروع قانون الموازنة يقدّر أيضاً زيادة بنسبة 15 بالمئة في الإيرادات العامّة، مقارنة بموازنة عام 2026، لتبلغ حدود 628.87 ألف مليار ليرة لبنانيّة، أي نحو 7.02 مليارات دولار أميركي. وتبدو هذه التقديرات، بالنسبة إلى الإيرادات المتوقّعة، شديدة الواقعيّة، بالنظر إلى حجم الإيرادات العامّة المحققة بالفعل خلال النصف الأوّل من العام الحالي، والتي قاربت -كمتوسّط سنوي- حدود 6.8 مليارات دولار أميركي. وبهذه التقديرات، من غير المتوقّع أن تتسبب التعويضات الإضافيّة بأي عجز في الميزانيّة العامّة.
لكل هذه الأسباب، تبدّد الأرقام فرضيّة تسبّب زيادة التعويضات بأي عجز في الميزانيّة العامّة. فالفائض المحقق في الخزينة خلال النصف الأول من العام يكفي لتغطية الرواتب الستّة المُقرّرة، فيما تبدو الإيرادات المقدرة في موازنة 2027 واقعيّة وكافية لتغطية الرواتب الستّة الإضافيّة. وهذا ما يعني أن الهامش المالي المتاح قابل لاستيعاب التعويضات، بل ويمكن البناء عليه لاحتساب التعويضات ضمن أساس الراتب، ما يعزز حقوق الموظفين في تعويضات نهاية الخدمة.



