الرئيسية اقتصاد عربي سوريا تبحث عن أسواق جديدة.. لبنان وأفريقيا في صدارة التوسّع

سوريا تبحث عن أسواق جديدة.. لبنان وأفريقيا في صدارة التوسّع

تشهد الصادرات السورية خلال الفترة الحالية حالة من إعادة التشكل التدريجي، مع تحسن حركة الإنتاج في عدد من القطاعات الزراعية والصناعية، وتزايد التوجه نحو فتح أسواق خارجية جديدة، في وقت تراهن فيه الحكومة والقطاع الخاص على أن يكون التصدير أحد أبرز محركات التعافي الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه التحولات في سياق نقاشات أوسع حول مستقبل التجارة الخارجية، عكستها فعالية “آفاق الصادرات السورية – رؤية للتنافسية والنمو”، التي أُقيمت على هامش المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري، والذي اختتم أعماله اليوم الأربعاء بعد ثلاثة أيام من الجلسات الاقتصادية بقصر المؤتمرات بدمشق.

الصادرات الزراعية تدعم الاقتصاد

أكد وزير الزراعة السوري باسل السويدان أن الوزارة تضع ملف الصادرات الزراعية في مقدمة أولوياتها خلال المرحلة المقبلة، عبر العمل على رفع جودة المنتجات الزراعية السورية وتطوير سلاسل الإنتاج والتوضيب والتسويق، بما يعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الخارجية، ولا سيما في دول الخليج والأسواق العربية.

وقال السويدان في تصريح لـ”المدن” إن الوزارة تعمل على توسيع حضور المنتجات الزراعية السورية في الأسواق الإقليمية من خلال شراكات واستثمارات جديدة، معتبراً أن القطاع الزراعي يمتلك مقومات كبيرة تؤهله للعب دور محوري في تعزيز الأمن الغذائي العربي ودعم الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن سوريا تمتلك فرصاً واعدة للاستثمار الزراعي في مجالات الإنتاج النباتي والحيواني والصناعات الزراعية التحويلية، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لاستثمار هذه الفرص وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وزيادة القيمة المضافة.

التعاون مع لبنان وتسهيل حركة التجارة البينية

وفي موازاة الاهتمام بالصادرات الزراعية، أكد وزير النقل السوري يعرب بدر أن التعاون السوري–اللبناني في مجال النقل البري والتجارة يشهد متابعة مستمرة بهدف تذليل العقبات التي تعترض حركة الشاحنات والبضائع بين البلدين، مشيراً إلى أن هناك أطر تعاون واتفاقيات سارية يتم العمل على تفعيلها بما ينعكس على انسيابية التبادل التجاري.

وقال بدر في تصريح لـ “المدن” إن الجانبين يعملان ضمن لجان فنية مشتركة لمعالجة التحديات التشغيلية في المعابر الحدودية، سواء على صعيد الإجراءات الجمركية أو تنظيم حركة النقل أو تقليص زمن عبور الشاحنات، بما يسهم في دعم حركة الصادرات والواردات في الاتجاهين.

وأضاف أن وزارة النقل تولي أهمية خاصة لقطاع الترانزيت باعتباره أحد المفاصل الحيوية في تعزيز موقع سوريا كممر تجاري إقليمي، مؤكداً أن تحسين البنية اللوجستية وتبسيط الإجراءات يشكلان أولوية في المرحلة الحالية.

تحولات في بنية الصادرات

ولا يقتصر الاهتمام الرسمي على زيادة الكميات المصدّرة، بل يمتد إلى تحسين جودة المنتجات ورفع قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، في ظل ارتفاع متطلبات المواصفات والمعايير الفنية في الأسواق الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، قال رئيس اتحاد المصدرين والمستوردين العرب طلال قلعجي لـ”المدن” إن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه العربي والإقليمي، من خلال تعزيز حركة التجارة وفتح قنوات جديدة أمام المنتجات السورية.

وأضاف أن سوريا تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة ومنتجات قادرة على المنافسة في العديد من الأسواق العربية، إلا أن ذلك يتطلب تطوير الخدمات اللوجستية والنقل والتمويل والتسويق التجاري، إضافة إلى مواءمة المنتجات مع المعايير المطلوبة في الأسواق المستهدفة.

وأشار إلى أن الفعاليات الاقتصادية المشتركة بين القطاع الخاص والمؤسسات العربية والدولية تساهم في بناء شراكات جديدة وتبادل الخبرات، بما يعزز بيئة الاستثمار ويدعم عملية التطوير الاقتصادي.

الأسواق الأفريقية ولبنان في صدارة الوجهات

ويرى مختصون أن تنشيط الصادرات لم يعد خياراً تجارياً فقط، بل ضرورة اقتصادية لتحريك عجلة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحسين الميزان التجاري.

وفي هذا الإطار، أوضح مدير هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات منهل الفارس لـ”المدن” أن الصادرات السورية تشهد تحولاً تدريجياً في بنيتها وأسواقها، مع تزايد مساهمة الصناعات التحويلية والمنتجات الزراعية، ما يعكس تعافي جزء من القاعدة الإنتاجية السورية.

وأكد الفارس أن التوسع في التصدير يعتمد على الفوائض الإنتاجية بعد تلبية احتياجات السوق المحلية، ما ينفي تأثيره على الأسعار أو توفر السلع، مشيراً إلى أن المنافسة الإقليمية دفعت المنتجين إلى تحسين الجودة ورفع المواصفات بما يتوافق مع الأسواق الخارجية.

وأضاف أن الهيئة تعمل على فتح أسواق جديدة أمام المنتج السوري، وفي مقدمتها العديد من الأسواق الجديدة منها الأسواق الأفريقية التي تشهد طلباً متزايداً على المنتجات الغذائية والصناعية السورية، شرط الالتزام بالمواصفات الدولية.

وتبرز السوق اللبنانية كأحد أهم المنافذ التقليدية للصادرات السورية، سواء بحكم القرب الجغرافي أو تشابه طبيعة الاستهلاك بين البلدين، إضافة إلى دورها كمنفذ للمنتجات الزراعية والغذائية والصناعية.

حيث أكد عضو لجنة مصدّري الخضار والفواكه في سوق الهال بدمشق محمد العقاد لـ”المدن” أن صادرات الخضار والفواكه السورية سجلت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مدفوعة بزيادة الطلب في الأسواق الخليجية.

وأوضح أن عدد البرادات التي خرجت عبر معبر نصيب خلال شهر آذار بلغ نحو 553 براداً محملاً بالخضار والفواكه، بمتوسط 25 طناً للبراد الواحد، فيما تجاوز إجمالي الكميات المصدّرة 13 ألف طن خلال الشهر.

وأشار إلى أن الإمارات تصدرت قائمة الدول المستوردة بـ303 برادات، تلتها السعودية بـ93 براداً ثم الكويت بـ55 براداً، فيما توزعت بقية الشحنات على قطر وسلطنة عُمان والبحرين.

وأضاف أن البطاطا والحمضيات والبصل جاءت في مقدمة المنتجات المصدّرة، إلى جانب التفاح والعنب والرمان والبندورة وغيرها من المحاصيل الموسمية.

أما بالنسبة إلى السوق اللبنانية، فأكد العقاد أنها تستوعب جزءاً مهماً من الصادرات السورية، خاصة الخضار والفواكه وزيت الزيتون والمنتجات الغذائية المصنعة ومواد البناء وبعض المنتجات الصناعية مثل المنظفات والبلاستيك والنسيج، مشيراً إلى أن حركة الشاحنات المتجهة إلى لبنان تُقدّر بعشرات الشاحنات يومياً ضمن نشاط تجاري مستمر من المتوقع أن ترتفع خلال الفترة القادمة 60% لافتاً إلى أن 40% من صادرات لبنان تمر براً عبر الأراضي السورية

تحديات قائمة رغم التحسن في الأداء

ورغم التحسن التدريجي في أداء الصادرات السورية وتوسعها نحو أسواق جديدة، لا تزال تواجه جملة من التحديات التي تحد من وتيرة نموها واستدامتها. وتتصدر كلفة النقل والشحن المرتفعة قائمة الصعوبات، إلى جانب ضعف البنية اللوجستية وسلاسل التبريد، لا سيما في الصادرات الزراعية.

كما يبرز تفاوت المواصفات والمعايير المطلوبة في الأسواق الخارجية كأحد أبرز العوائق، إلى جانب تحديات التمويل والتحويلات المالية وتذبذب الإنتاج المحلي، فضلاً عن المنافسة الإقليمية القوية.

وتشير بيانات التجارة الخارجية السورية إلى أن لبنان لا يزال أحد أبرز الشركاء التجاريين لسوريا، إذ بلغت الصادرات السورية إليه نحو 70.4 مليون دولار، مقابل مستوردات سورية من لبنان بلغت 103.4 ملايين دولار، ما يعكس وجود فرص واسعة لتعزيز الحضور السوري في هذا السوق.

وبحسب بيانات رسمية، بلغت قيمة الصادرات السورية خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 500 مليون يورو، بنمو يقارب 39% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، فيما وصلت المنتجات السورية إلى أكثر من 90 دولة حول العالم، مع تصدر الصناعات التحويلية والمنتجات الزراعية قائمة السلع المصدّرة.

مصدرالمدن - نور ملحم
المادة السابقةأزمة سلامة أم معركة نقابية؟ كواليس خلاف الطيارين مع “MEA”
المقالة القادمةالاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه… هل اقترب من مرحلة النمو؟