في مدينة تعيش على إيقاع الأزمات والحروب المتلاحقة، تتحوّل بعض المساحات الصغيرة في بيروت إلى مرايا تعكس التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي تمرّ بها البلاد. ففي شارع الحمرا، الذي لطالما عرف بكونه أحد أبرز شوارع العاصمة التجارية والثقافية، تتبدّل ملامح أحد مواقف السيارات يوم أحد، ليصبح سوقاً شعبياً مكتظّاً بالبسطات والزوّار. هناك، تختلط البضائع المستعملة بالمونة المنزلية، وتلتقي قصص النازحين بالباحثين عن أسعار زهيدة في زمن الغلاء، في سوق بات يُعرف بين الناس باسم “سوق الأحد”.
سوقٌ يولد كلّ أحد
تتحوّل باحة أحد مواقف السيارات في شارع الحمرا صباح كلّ يوم أحد إلى سوق شعبي يعجّ بعشرات البسطات التي تعرض أحذية وألبسة مستعملة، معظمها من ماركات معروفة. تصطفّ الطاولات جنباً إلى جنب، محمّلة بأكوام من الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب أكسسوارات وألعاب للأطفال، في حين يتجوّل الزوّار بين البسطات بحثاً عمّا يناسب حاجاتهم.
اللافت في السوق أن الأسعار تبدو شبه رمزية مقارنة بالأسواق التقليدية، فبعض القطع تعرض ابتداءً من 50 ألف ليرة لبنانية، في حين قد تصل أسعار بعضها إلى نحو 300 ألف ليرة في الحدّ الأقصى. لذلك، يجد كثيرون في السوق فرصة للحصول على ملابس أو أحذية بأسعار معقولة، في وقت أصبحت فيه كلفة التسوّق في المتاجر العادية عبئاً ثقيلاً على معظم العائلات.
يبدأ السوق باستقبال روّاده منذ ساعات الصباح الأولى، إذ يصل الباعة باكراً لترتيب بضائعهم على الطاولات والبسطات. ومع تقدّم النهار، يزداد عدد الزوّار الذين يتنقّلون بين الطاولات، قبل أن يبدأ الباعة مع اقتراب المغيب بجمع ما تبقّى من بضائعهم وإقفال السوق حتى الأحد التالي.
من سوق للعمال الأجانب إلى سوق للنازحين
السوق الشعبي المعروف باسم “آريس” لم يكن في بداياته موجّهاً إلى النازحين أو اللبنانيين تحديداً. فقد كان في الأصل سوقاً يقصده العمال والعاملات الأجانب لشراء الملابس المستعملة بأسعار منخفضة. غير أنّ الظروف التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، لا سيّما موجات النزوح المرتبطة بالحروب، غيّرت طبيعة روّاده تدريجياً.
ومع ازدياد أعداد النازحين إلى بيروت، لا سيّما إلى منطقة الحمرا، بات السوق مقصداً رئيسياً لهم لشراء الأغراض التي اضطروا إلى تركها في منازلهم عند مغادرتها على عجل. لذلك، بدأ كثيرون يطلقون عليه اسم “سوق الأحد”، لأنه يفتح أبوابه في هذا اليوم فقط من الأسبوع.
مدير السوق، يحيى أحمد، يوضح وفق حديثه لـِ “المدن”، أن السوق افتُتح قبل نحو ثماني سنوات، وأن حركة البيع والشراء فيه ترتبط عادة بالظروف الاقتصادية والأمنية التي تمرّ بها البلاد. ويشير إلى أن السوق شهد حركة ناشطة خلال الحروب السابقة أيضاً، لا سيّما عندما نزح سكان من الجنوب والضاحية إلى بيروت.
ويقول أحمد إن الأسعار المنخفضة تبقى العامل الأساسي الذي يجذب الناس إلى السوق، إذ يجد الزوّار فيه ما يحتاجونه من ملابس وأكسسوارات وحاجات للأطفال بأسعار أقلّ بكثير من المتاجر. كما يلفت إلى أن السوق لا يقتصر على البيع والشراء فحسب، بل يشكّل أيضاً مساحة يلتقي فيها الناس ويتبادلون الحديث، في محاولة لكسر رتابة الظروف الصعبة التي يعيشونها.
نازحون يتحوّلون إلى باعة
مع موجات النزوح الأخيرة، لم يعد النازحون يأتون إلى السوق بوصفهم زبائن فقط، بل أصبح بعضهم جزءاً من السوق نفسه. فقد استأجر عدد منهم طاولات لبيع بضائع مختلفة، في محاولة لتأمين مصدر دخل ولو بسيط في ظل الظروف الصعبة، وفقَ أحمد.
إلى جانب الألبسة والأحذية، ظهرت في الحرب الماضية، بسطات جديدة تبيع المونة المنزلية التي يشتهر بها أهل الجنوب والبقاع. فهناك طاولات تعرض المكدوس واللبنة والكشك والكبيس، وغيرها من المنتجات المنزلية التي تُحضَّر في البيوت وتُباع بأسعار أقل من تلك الموجودة في الأسواق.
هذه البضائع لا تجذب النازحين فحسب، بل أيضاً كثيراً من سكان بيروت الذين يقصدون السوق بحثاً عن منتجات منزلية بأسعار مقبولة وجودة جيدة.
أسعار البسطات ترتفع أيضاً
وبالرغم من أن السوق يحافظ على طابعه الشعبي، فإن كلفة استئجار الطاولات فيه ارتفعت بدورها خلال السنوات الأخيرة. فالإيجار اليومي للطاولة الواحدة يبلغ حالياً نحو ثلاثين دولاراً، بعد أن كان قبل عام واحد فقط نحو عشرين دولاراً.
وتشير إحدى منسّقات السوق إلى أن إيجار الطاولة في بدايات السوق، قبل نحو سبع سنوات، لم يكن يتجاوز خمسة دولارات فقط. وتوضح أن الهدف آنذاك كان إتاحة فرصة للعديد من الأشخاص العاطلين عن العمل لبيع بضائعهم وتحقيق دخل بسيط، إضافة إلى الحفاظ على الأسعار المنخفضة لتبقى في متناول الجميع.
لكن الارتفاع العام في الأسعار وكلفة التشغيل انعكس بدوره على السوق، وهذا ما أدّى إلى رفع بدل الإيجار تدريجياً، وإن بقي أقلّ من كلفة استئجار متجر في المنطقة.
وجوه متعددة للسوق
خلال التجوّل بين البسطات، يمكن ملاحظة تنوّع واضح في روّاد السوق. فهناك عائلات لبنانية تبحث عن ملابس لأطفالها بأسعار أقل، ونازحون يحاولون تعويض بعض مما فقدوه، إضافة إلى عمّال أجانب وسياح ينجذبون إلى فكرة السوق الشعبي.
وبالرغم من اكتظاظ المكان بالبضائع والناس، تبدو الأجواء منظّمة نسبياً، في الوقت الذي يحرص فيه القائمون على السوق على الحفاظ على نظافة المكان وترتيب الطاولات.
منيرة، وهي سيدة في الأربعين من عمرها، تعرّفت إلى السوق حديثاً بعد أن سمعت عنه من إحدى صديقاتها. تقول إن زيارتها الأولى فاجأتها بأسعار السلع وجودتها، مضيفة: “عندما جئت لاحظت أن الأسعار جيدة والبضائع أيضاً. في ظل الغلاء الحالي، أينما نجد الرخص نذهب”.
وسط الأزمات الاقتصادية والحروب والنزوح المتكرر، يقدّم “سوق الأحد” في الحمرا نموذجاً بسيطاً عن قدرة الناس على التكيّف مع الواقع القاسي. فبين بسطات الملابس المستعملة وجرار المونة المنزلية، تتقاطع قصص النزوح مع محاولات العيش اليومية. هنا، لا يقتصر السوق على بيع البضائع فحسب، بل يتحوّل أيضاً إلى مساحة اجتماعية صغيرة تعكس كيف يعيد الناس ترتيب حياتهم، ولو ليوم واحد في الأسبوع، في مدينة لا تكفّ عن التبدّل.



