في إحدى قرى الشمال النائية، على مسافة تزيد عن 160 كيلومترًا من العاصمة بيروت، تجلس “أم محمد” قابضةً على هاتفها الجوّال، تتنقل بضوئه الشحيح بين دفاتر أولادها الأربعة المنهمكين في إنجاز واجباتهم المدرسية، مسلطة ما يكفي من النور عليهم. وبين الحين والآخر، يعلو صوت ابنها الأكبر متذمّرًا من عجزه عن التدقيق في أرقام “الرياضيات” المُعقّدة بسبب الضوء الخافت، وظلال الشمعة المرتجفة.
ليس خللاً في الخدمة
إلى أن ينهي الأولاد واجباتهم، يكون قلب الأم الخمسينية قد أُنهك بالمعاناة. جلوسٌ طويل على الأرض، ودورٌ مرهق تؤدّيه كـ”شرطي إضاءة”، تفصل به بين أربعة إخوة يتنازعون “هاتفها المسكين”، في محاولة يائسة لالتقاط مزيد من الضوء على صفحات كتبهم.
لم يعُد انقطاع الكهرباء في لبنان مجرّد خلل في خدمة عامة، بل تحوّل إلى مرآة صارخة لانعدام العدالة الاجتماعية. ففي حين تنجح فئات ميسورة في تأمين بدائل مستدامة، تُترك القرى الفقيرة، لا سيما النائية منها، في ظلام شبه دائم، حيث تصبح الكهرباء امتيازًا لا حقًا.
ظلامٌ دائم أو شحّ في التغذية
وفق معطياتٍ متقاطعة من بلديات ومواطنين، لا تتجاوز التغذية الرسمية في عدد كبير من القرى ساعة واحدة أو ساعتين يوميًا. ولا يرتبط هذا الانقطاع الحادّ بنقص الإنتاج فحسب، بل بسوء التوزيع، وغياب الصيانة، وتهالك الشبكات. ومع تراجع التغذية، برز أصحاب المولدات كبديل شبه وحيد. غير أن هذا البديل تحوّل إلى عبء اقتصادي ثقيل، لا سيما على الفئات الفقيرة التي حاول بعضها تركيب لوحين أو أربعة ألواح من الطاقة الشمسية أملاً في سدّ العجز.
تُظهر بيانات غير رسمية أن نحو 60 في المئة من الأسر في المناطق الريفية غير قادرة على شراء مولدات خاصة، أو تحمّل كلفة تشغيلها أو الاشتراك بمولدات كبيرة، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الوقود. وعليه، يدفع الفقراء ثمن الانهيار الكهربائي أضعاف ما يدفعه سكان المدن، خصوصًا مع اشتداد البرد وحاجتهم إلى وسائل تدفئة لا تعتمد على التيار الكهربائي.
الطلاب… ضحايا الظلام
لا تتوقف أزمة الكهرباء عند حدود المنازل. فالطلاب من أوائل ضحايا العتمة. يقول محمد (14 عامًا)، طالب في المرحلة المتوسطة في قرية أكروم الشمالية: “في الشتاء يصبح انقطاع الكهرباء أصعب بكثير. الليل طويل والبرد قاسٍ، لا نستطيع الدراسة إلا على ضوء الهاتف أو الشمعة. أحيانًا تتجمّد يداي من شدة البرد، فأعجز عن الكتابة، وأحيانًا أخرى أترك الدرس لأن عيني تؤلمانني من ضعف الإضاءة”.
تؤيّد دعاء ما قاله زميلها، معتبرةً أن المدرسة، وإن كانت مجهّزة بالطاقة الشمسية، إلا أن هذه الطاقة لا تكفي في فصل الشتاء بسبب الضباب، “وهذا يؤثر على تركيزنا داخل الصف بفعل البرد والعتمة”.
“الطاقة الشمسيّة” لا تكفي
من جهتها، تؤكّد فاطمة، من إحدى قرى بعلبك–البقاع، أن ألواح الطاقة الشمسية التي شكّلت فرجًا لعائلتها في الصيف، لا تفي الحاجة شتاءً، إذ تنطفئ في وقت مبكر من المساء، حين يكون أولادها في ذروة دراستهم. وتشكو أيضًا من عدم قدرتها على تخزين الأطعمة في البراد، قائلة: “لا يمكنني الاحتفاظ باللحوم والدجاج ولا حتى بقايا طعام الغداء”. وهذا يشكّل عبئًا إضافيًا على الأسرة، ويدفعها إلى الاستنفار اليومي لإعداد الطعام من المتوافر في المنزل، أو تكبّد عناء قطع مسافات طويلة في البرد القارس ووسط الثلوج لشراء مستلزمات أي وجبة.
كبار السن… معاناة مضاعفة
لا تقتصر معاناة الظلام على الطلاب وذويهم، إذ يحصد المرضى وكبار السن حصة كبيرة من هذا الانقطاع. يقول “أبو جاد” (65 عامًا)، وهو مريض يعاني مرضاً رئوياً مزمناً، ويعتمد على جهاز الأوكسجين في منزله: “انقطاع الكهرباء يعني بالنسبة لي انقطاع النفس. عندما تنطفئ الكهرباء أشعر بالخوف قبل الاختناق، وأبدأ باحتساب الدقائق المتبقية في بطارية الجهاز. في الشتاء يصبح الوضع أخطر، أجلس بلا حركة، أنتظر عودة الكهرباء، وكأنني أنتظر الحياة من جديد”.
رغم الوعود الرسمية المتكررة بتحسين أداء قطاع الكهرباء، لا تزال هذه الوعود حبيسة البيانات، فيما يعيش المواطنون واقعًا من العتمة المستدامة. وبين عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها، وغياب أي خطة شفافة ومستدامة، يدفع الفقراء الثمن الأكبر، ليس فقط من أعصابهم وجيوبهم، بل من تعليم أولادهم وصحة مرضاهم، في بلدٍ لم تعد العتمة فيه مجرّد أزمة تقنية، بل قضية مسؤولية سياسية وأخلاقية، تُلقي بثقلها على الفئات الأضعف. فإلى متى يُترك هؤلاء، وحيدين في مواجهة الظلام وما يتأتى عنه؟



