الرئيسية اقتصاد عربي صناديق الثروة الخليجية تمتص صدمة الحرب على إيران

صناديق الثروة الخليجية تمتص صدمة الحرب على إيران

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية الناتجة عن الحرب على إيران، تجد دول الخليج نفسها أمام اختبار اقتصادي وجيوسياسي معقد، تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الضغوط المالية.

وبينما تتزايد المخاوف من تداعيات إغلاق الممرات البحرية وارتفاع تكاليف الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، تبرز صناديق الثروة السيادية الخليجية كأداة رئيسية لاحتواء الصدمة وامتصاص آثارها، مستفيدة من تراكمات مالية ضخمة بنيت على مدى عقود.

وتدير دول مجلس التعاون الخليجي أصولاً سيادية تُقدّر بنحو 6 تريليونات دولار، تشكلت أساساً من فوائض العائدات النفطية.

وقد صُممت هذه الصناديق لتكون صمام أمان في أوقات الأزمات، وهو ما يتجلى اليوم بوضوح.

ومع تقديرات تشير إلى أن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالحرب قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار، تبدو هذه الاحتياطيات بمثابة شبكة حماية حيوية تتيح للحكومات هامش مناورة واسعاً لتثبيت اقتصاداتها ومنع الانزلاق إلى اضطرابات مالية أعمق.

ويقول المحلل الاقتصادي روهان أدفاني في تقرير نشره المعهد العربي لواشنطن دي سي إنه رغم هذه القوة المالية، فإن سلوك الصناديق الخليجية يعكس قدراً كبيراً من الحذر. فبدلاً من اللجوء إلى تسييل الأصول أو سحب الاستثمارات من الأسواق العالمية، خاصة من الولايات المتحدة حيث تُستثمر تريليونات الدولارات، تفضل هذه الصناديق الحفاظ على استراتيجياتها طويلة الأجل.

ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات، أبرزها أن أي عمليات بيع سريعة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في قيمة الأصول، فضلاً عن أن الأسواق العالمية لا تزال توفر فرصاً استثمارية مجزية مقارنة بالمخاطر المحتملة من الانسحاب.

وفي هذا السياق، تحرص الحكومات الخليجية على إرسال إشارات طمأنة إلى المستثمرين والشركاء الدوليين بأن التزاماتها الاستثمارية قائمة.

وأكدت شخصيات رسمية مراراً أن خطط الاستثمار في الأسواق العالمية، وخاصة الأميركية، لن تتغير جذرياً رغم الحرب.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن الاستقرار المالي لا يعتمد فقط على حجم الأصول، بل أيضاً على الثقة التي تبنيها هذه الدول في الأسواق الدولية.

وعلى المستوى الداخلي، تحركت الحكومات الخليجية بسرعة لاحتواء تداعيات الحرب. فقد تم إطلاق حزم دعم اقتصادي، وتسهيل شروط الإقراض، وتعزيز سيولة القطاع المصرفي، بهدف حماية الشركات والأفراد من آثار التباطؤ الاقتصادي. كما جرى توجيه جزء من الموارد نحو دعم القطاعات الأكثر تضرراً، بما في ذلك النقل والتجارة والطاقة.

ومع ذلك، فإن قدرة صناديق الثروة السيادية على امتصاص الصدمة لا تعني أنها بمنأى عن التأثيرات. فالحرب تفرض تحديات متزايدة على نماذج التنمية الخليجية، التي تعتمد بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي والانفتاح على الأسواق العالمية.

وقد بدأت بعض هذه التحديات بالظهور، سواء من خلال استهداف منشآت صناعية وبنية تحتية، أو من خلال تهديدات تطال المؤسسات المالية، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة البيئة الاستثمارية في المنطقة.

كما أن تداعيات الحرب قد لا تظهر بشكل فوري في شكل خسائر مالية مباشرة، بل في تباطؤ النشاط الاستثماري مستقبلاً.

ومن المرجح أن تتردد الصناديق في الدخول في صفقات جديدة بنفس الزخم السابق، خاصة في ظل حالة عدم اليقين. وقد يدفع ذلك إلى إعادة توجيه جزء من الاستثمارات نحو الداخل، سواء لإعادة إعمار ما تضرر من بنى تحتية، أو لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية.

صناديق الثروة السيادية تؤدي دورها الأساسي بكفاءة، وهو امتصاص الصدمات وتوفير الاستقرار المالي. لكنها في المقابل تكشف حدود هذا الدور، إذ لا تستطيع التحكم في البيئة الجيوسياسية التي تعمل ضمنها.

ويعكس هذا التحول المحتمل مراجعة أوسع لنموذج التنمية الذي تبنته دول الخليج خلال العقود الماضية.

واعتمد هذا النموذج على تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، من خلال الاستثمار في قطاعات مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات المالية.

وكانت صناديق الثروة السيادية المحرك الرئيسي لهذه الاستراتيجية، إذ وفرت التمويل اللازم للمشاريع الكبرى وساهمت في بناء شراكات عالمية.

غير أن هذا الانفتاح الاقتصادي، الذي كان مصدر قوة، أصبح أيضاً مصدر هشاشة في ظل التوترات الجيوسياسية.

وكلما زادت درجة اندماج الاقتصاد الخليجي في النظام العالمي، زادت تأثره بالاضطرابات الخارجية. وهذا ما يجعل الحرب على إيران تحدياً مضاعفاً، لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى أسس النمو الاقتصادي.

ومن جهة أخرى، تظل قدرة هذه الصناديق على التأثير في مسار الحرب محدودة. فرغم حجمها الضخم، لا يمكن استخدامها بسهولة كأداة ضغط سياسي. فالعلاقات الاقتصادية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تقوم على مصالح متبادلة، وأي محاولة لاستخدام الاستثمارات كورقة ضغط قد تنعكس سلباً على الدول الخليجية نفسها.

كما أن حصة هذه الدول من بعض الأدوات المالية، مثل سندات الخزانة الأميركية، لا تمنحها نفوذاً حاسماً في تحديد سياسات تلك الدول.

وفي المقابل، تعتمد دول الخليج على ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية الهادئة”، مستفيدة من شبكات العلاقات التي بنتها عبر استثماراتها العالمية.

وقد أسهمت هذه الشبكات في تعزيز حضورها الدولي، ومنحتها قنوات للتواصل مع صناع القرار في العواصم الكبرى. غير أن فعالية هذه القنوات تبقى محدودة في ظل تعقيدات الصراع الحالي وتعدد أطرافه.

وتبرز مفارقة لافتة في هذا السياق: فنجاح صناديق الثروة السيادية في تحويل دول الخليج إلى مراكز اقتصادية عالمية جعلها في الوقت ذاته أهدافاً محتملة في أي تصعيد عسكري. فالموانئ، والمناطق الصناعية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية المالية، جميعها أصبحت جزءاً من شبكة عالمية حيوية، ما يجعل استهدافها وسيلة للضغط الاقتصادي في النزاعات.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن صناديق الثروة السيادية تؤدي دورها الأساسي بكفاءة، وهو امتصاص الصدمات وتوفير الاستقرار المالي. لكنها في المقابل تكشف حدود هذا الدور، إذ لا تستطيع التحكم في البيئة الجيوسياسية التي تعمل ضمنها.

وهذا يطرح تساؤلات حول مستقبل الاستراتيجيات الاقتصادية الخليجية، ومدى الحاجة إلى إعادة التوازن بين الانفتاح الخارجي وتعزيز القدرات الداخلية.

وتؤكد تجربة الحرب على إيران أن القوة المالية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار. فصناديق الثروة السيادية توفر حماية مهمة، لكنها ليست بديلاً عن الاستقرار السياسي والأمني.

وبينما تواصل هذه الصناديق أداء دورها كدرع اقتصادي، يبقى التحدي الأكبر أمام دول الخليج هو كيفية التكيف مع بيئة إقليمية متقلبة، دون التفريط في مكتسباتها الاقتصادية أو تقويض أسس نموها المستقبلي.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةحرب الخليج التي ستعيد تشكيل العالم
المقالة القادمةحصار الموانئ الإيرانيّة: مغامرة ولعبة عضّ أصابع