صناعة الأحذية: من العزّ إلى الانقراض

«أعمل كلّ أيام السّنة من دون كلل، أو إجازات. لا تعنيني الأعياد باستثناء الأول من أيار، هذا عيدي السّياسي والشخصي، ويوم إجازتي الوحيد، الذي لا أقبل إلّا أن أقضيه في التظاهرات العمّالية، والتي لم أغب عنها يوماً منذ كان عمري 10 سنوات عام 1970» يقول مصمّم الأحذية، أو ما يُعرف بـ«الموديليست» إبراهيم بزي. يتكلّم عن الأول من أيّار بكثير من العزة، إذ يعتبر كلّ ما عنده ثمرة نضالات من سبقوه. يعدّد المكتسبات «الضمان الاجتماعي، ساعات العمل الثماني والإجازات»، وينسبها إلى «دم عمال سُفك في الشوارع للوصول إلى تحقيقها، ولو تُركت الدولة وحدها لما تأسّس شيء». لم تنجح السّنوات الخمسون التي قضاها بزي في معامل الأحذية في كسر إرادته العمّالية النقابية، بل رسمت خرائط في جسده، من جروح تسبّبت بها سكّين الجلد، أو حروق جرّاء حوادث العمل.

المهنة تنقرض

يعرف بزي معظم أصحاب المعامل. يعدّدهم، ويسمّي مؤسّساتهم التي أقفلتها، وتقفلها الأزمات تباعاً. يأسف على المهنة التي تتجه نحو «الانقراض التام، فمعدّل أعمار العاملين اللبنانيين فيها يتخطّى الـ55 سنة، ولم تدخل الأزمة الاقتصادية أيّ دم جديد إليها، بل على العكس تماماً، تسحب اليد العاملة السّورية حتى، إذ يجد هؤلاء فرص عمل أفضل في تركيا». يتساءل هو وزملاؤه عن «هويّة العامل الأخير بينهم، الذي سيتولّى إقفال المعمل، وأخذ المفتاح معه، قبل المغادرة وإنهاء وجود المصلحة».

خلال المرحلة الذهبية للصناعة، «كان النّاس يتنافسون على إرسال أبنائهم للعمل في مشاغل الأحذية، ونرفض ترفاً أعداداً كبيرةً منهم» يقول أحد «المعلّمين». الشّباب الجديد كان يتدرّج ويتخصّص تحت إشراف المعلّمين في أقسام المعمل، من «المفصّل المسؤول عن قصّ الجلد، والمكنجي أو خيّاط الجلود، إلى «الكندرجي» الذي يقوم بتركيبها على القوالب الخشبية، وطارح النعل المعنيّ بخياطة ولصق النعال، وصولاً إلى عامل «الفينش»، أو التصفية، المسؤول عن اللمسات الأخيرة، وإزالة أيّ شوائب»، ليحمل لاحقاً لقب «معلّم».

المعاشات بالدولار

أمّا اليوم، فيخشى رئيس هيئة نقابة أصحاب معامل الأحذية وضاح شامي، وصاحب واحد من المعامل القليلة المتبقّية في الضاحية الجنوبية من «مرض أو وفاة أو تقاعد أيّ من العاملين لديه، إذ لم يتمكّن حتى الآن من استبدال 20 عاملاً لبنانياً في معمله، توفوا أو تقاعدوا خلال الـ20 سنة الماضية». وعلى الرّغم من دولرة الرواتب، والتي تُراوح بين 500 و1400 دولار، يؤكّد الشامي فكرة «انقراض العمالة بشكل عام، اللبنانية والأجنبيّة، فهناك من يبلغ سنّ التقاعد من العمّال اللبنانيين، ويستمرّ في العمل لأسباب اقتصادية». ويتكلّم الشامي عن «عدم تمكّنه من استقدام عامل سوري من بلده بشكل قانوني، على إثر إقفال الأمن العام الباب أمام قبول الطلبات الخاصة بهم، وبالتالي سيهاجر إلى دول آسيوية أخرى».

المرحلة الذهبية

تقلّب حال صناعة الأحذية اللبنانية كثيراً، ولا سيّما خلال الحرب الأهلية، إذ تهجّر يومها العاملون من المناطق الشّرقية على إثر تقسيم بيروت، فأضحوا «عمالاً بلا مصانع، مقابل بقاء المناطق التي تهجّروا منها التي تحتوي على مصانع بلا عمال». وتُعدّ السّنوات الممتدّة من أوائل الثمانينيات، وحتى منتصف التسعينيات الفترة الذهبية لصناعة الأحذية، إذ قام العمال المهجّرون بتأسيس مشاغلهم التي تطوّرت إلى معامل في مناطق التهجير مثل حي ماضي في الضاحية الجنوبية، وبعض القرى الجنوبية.

ولكن، لم تعد مهنة صناعة الأحذية تغري الشّباب، على الرّغم من مرورها بـ«أيام عزّ وذهب»، فتناقص عدد المعامل في الجنوب وحده من 500 إلى 2، بحسب الشامي، الذي يعدّد قرى كان يقوم اقتصادها على مشاغل صناعة الأحذية، مثل بافليه وقاقعية الجسر، إذ كانت الأخيرة تلبي طلبات بمئات آلاف القطع، ويشحن التجار منتجاتها نحو الدول العربية، أمّا اليوم، فلا يوجد أيّ مشغل في هذه القرية.

وطريق النزول

رحلة سقوط صناعة الأحذية اللبنانية بدأت باكراً مع عزوف العاملين الأوائل فيها عن تعليم أولادهم المهنةَ، إذ يشير بزي إلى عدم رغبته بتحميل أولاده “المرمطة»، فأبعدهم عن المعامل تماماً. إلا أنّ الأسباب الحقيقية الكامنة خلف الانهيار بدأت عام 1995 بحسب رئيس نقابة عمال الأحذية والجلود رضا سعد، مع «إغراق السّوق اللبناني بالبضاعة الصينية، وعدم تمكن المعامل المحليّة من المنافسة، وتخلّي الدولة عن مسؤولياتها في تطبيق المرسوم الاشتراعي 31/1967، والذي يمنع ويكافح الإغراق».

قاتلت نقابة عمال الأحذية، واستطاعت انتزاع قرار حكومي يقضي «بفرض ضريبة نوعية على الحذاء المستورد»، إلا أنّ المستوردين كانوا أقوى من القوانين، وتحايلوا عبر تزوير فواتير المنشأ تارةً، وفك الأحذية المستوردة تارةً أخرى، وإدخالها على أنّها مواد أوليّة معفاة من الضرائب، ما أدى إلى إنهاك المصانع اللبنانية، وإخراجها من السّوق المحليّة تماماً، وما تبقّى منها يُصدّر إلى الخارج فقط.

ورغم ذلك، يشير الشامي إلى صعوبات جمّة تواجه الصناعيين الصامدين، فـ«كلفة التوريد تضاعفت 5 مرّات بعد الحرب السّورية عام 2011، إذ يكلّف المستوعب الواحد 35 ألف دولار، بعدما لم تكن التكلفة تتخطى الـ5 آلاف»، ويصف الشامي هذه الحال بـ«أغلى كلفة شحن في العالم، والتي ارتفعت من 75 سنتاً على الزوج الواحد، لتصل إلى 4 دولارات».

مصدرجريدة الأخبار - فؤاد بزي
المادة السابقةسائقو «الديليفري»: عمّال بلا عقود عمل
المقالة القادمةمشروع إعادة هيكلة المصارف… خدعة للمودعين