الرئيسية اقتصاد لبنان صندوق النقد يضع لبنان أمام الحقيقة: فساد مزمن وإصلاحات لم تعد تحتمل...

صندوق النقد يضع لبنان أمام الحقيقة: فساد مزمن وإصلاحات لم تعد تحتمل التأجيل

في وقت يواجه فيه ​لبنان​ واحدة من أخطر الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخه الحديث، عاد تقرير ​صندوق النقد الدولي​ ليُسلّط الضوء من جديد على مكامن الخلل البنيوي التي ساهمت في انهيار الدولة ومؤسساتها المالية. فالتقرير لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يقدّم قراءة دقيقة وعلمية لنقاط الضعف المرتبطة ب​الحوكمة​ و​الشفافية​ و​الرقابة المالية​ و​استقلالية المؤسسات​، وسط تحذيرات واضحة من أن أي محاولة للنهوض الاقتصادي لن تنجح من دون إصلاحات جذرية وحقيقية.

وبين الحديث عن غياب الرقابة وضعف تنفيذ القوانين واستمرار الغموض في إدارة المال العام، يفتح التقرير الباب مجدداً أمام أسئلة كبرى تتعلق بمصير ​أموال المودعين​ ومستقبل النظام المالي اللبناني، في ظل أزمة لا تزال تداعياتها تضرب مختلف القطاعات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن “التقرير أضاء بشكل مباشر على نقاط الضعف في الحوكمة داخل لبنان، ما يعني عملياً وجود خلل بنيوي وبيئة تسمح بالفساد، وهو ما يستوجب معالجته بشكل جذري، وإلا فإن الدولة لن تتمكن من النهوض مجدداً”. وتضيف المصادر أن “التقرير لم يكتفِ بعرض مكامن الضعف، بل حدّد أيضاً الحلول المطلوبة وقيّم الواقع الحالي بصورة واضحة”.

وبحسب المصادر، فإن التقرير ركّز على خمسة محاور أساسية، وهي: الحوكمة على صعيد مالية الدولة، الحوكمة داخل مصرف لبنان، الرقابة على القطاع المالي، ​مكافحة تبييض الأموال​ و​تمويل الإرهاب​، وأخيراً مسألة إنفاذ القوانين وتطبيقها.

وفي ما يتعلق بمالية الدولة، تؤكد المصادر أن “التقرير شدد على غياب الشفافية، لا سيما في ما يتعلق بإعداد الموازنات العامة وتنفيذها، حيث تُدار بطريقة تسمح بتجاوزات من دون وجود رقابة فعلية أو إمكانية واضحة لتتبع الإنفاق”. كما لفت التقرير، بحسب المصادر نفسها، إلى الشركات التي تملكها الدولة، واصفاً إياها بـ”الصناديق السوداء” أو الـBlack Box، في إشارة إلى غياب الشفافية حول إدارتها وآلية عملها.

أما في ما خصّ الحوكمة داخل مصرف لبنان، فتشير المصادر إلى أن “التقرير تحدّث عن نقص واضح في الاستقلالية والرقابة، معتبراً أن تجربة منصة صيرفة شكّلت نموذجاً على هذا الخلل”. وتناول التقرير أيضاً الرقابة على القطاع المالي والمصرفي، مشيراً إلى أن “الرقابة تبدو مجزأة ومركّزة عملياً بيد أشخاص محددين، ما يضعف فعالية المؤسسات الرقابية ويحدّ من استقلالية العاملين فيها”.

وتضيف المصادر أن “ورصد التقرير غيابَ إطار عمل واضح لبعض الجهات الرقابية، فضلاً عن وجود تضارب مصالح لدى بعض العاملين في الرقابة على المصارف والمؤسسات المالية”.

وفي ملف مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تؤكد المصادر أن “التقرير اعتبر أن الأطر القانونية الخاصة بمراقبة الشخصيات السياسية موجودة نظرياً، إلا أن التنفيذ لا يزال ناقصاً وضعيفاً”. كما أشار التقرير، بحسب المصادر، إلى أن “هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان تعمل تحت تأثير محتمل، ما يطرح علامات استفهام حول استقلاليتها”.

ولم يغفل التقرير، وفق المصادر، مسألة إنفاذ القوانين، إذ شدد على أن “الأزمة لا تكمن فقط في وجود القوانين، بل في عدم تطبيقها وتنفيذها بشكل فعلي”، معتبراً أن هذه النقطة “تشكل أحد أخطر عناصر الخلل في الدولة اللبنانية”.

كما شددت المصادر على أن “التقرير تضمّن دعوة واضحة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، وهو ما يتطلب وجود قضاء مستقل قادر على القيام بدوره بعيداً عن الضغوط السياسية”. كذلك دعا التقرير إلى “إصلاحات داخل مصرف لبنان لتعزيز الحوكمة ومنع أي شكل من أشكال الفساد، إضافة إلى تقوية الرقابة المالية واعتماد المعايير الدولية في مراقبة المؤسسات المالية، بدلاً من المعايير المحلية التي قد تخضع للتأثيرات السياسية”.

وتضيف المصادر أن “التقرير أوصى بإعادة هيكلة العديد من القطاعات والخدمات العامة في الدولة، على أن تتم المحاسبة وفق معايير الكفاءة والجدارة، مع ضرورة وجود مواكبة ودعم دوليين لمسار الإصلاح”.

ويعيد هذا التقرير تسليط الضوء على ملف أموال المودعين التي احتُجزت منذ الانهيار المالي الذي تفجّر بعد عام 2019، وما تبعه من إقفال المصارف وتهريب الأموال إلى الخارج. وتشير المصادر إلى أن “التقرير أعاد التركيز على دور هيئة التحقيق الخاصة، معتبراً أنها تفتقر إلى الاستقلالية الكاملة، كما أعاد الإضاءة على الدور الرقابي للسياسيين، حيث إن الأطر القانونية موجودة لكن التنفيذ لا يزال ناقصاً”… وهنا يبرز السؤال الأساسي: ما مصير أموال المودعين؟

وقبل الغوص في الإجابة، يؤكد الخبير الاقتصادي ​جاسم عجاقة​ أن “التقرير يتمتع بمهنية عالية، وهو لا يستهدف أشخاصاً بل يتناول أداء المؤسسات وآليات الحوكمة فيها”. ويضيف أن “إصلاح هذه الحوكمة يُمثّل ركيزةً أساسية في مسار النهوض الاقتصادي، إذ لا يمكن تحقيق أي تعافٍ فعلي من دون معالجة الثغرات والنقاط التي وردت في التقرير”.

ويشير عجاقة إلى أن “المؤسسات والدول المانحة ستستخدم حتماً هذا التقرير كأداة ضغط على لبنان لدفعه نحو تنفيذ الإصلاحات المطلوبة”.

ويبدو واضحاً أن تقرير صندوق النقد الدولي لا يوجّه انتقاداته إلى أشخاص بقدر ما يضع النظام المالي والإداري اللبناني بأكمله أمام اختبار حقيقي. فالإصلاحات المطلوبة باتت شرطاً لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية ودرء الانهيار الكامل، لا خياراً سياسياً ولا مطلباً دولياً وحسب. وبين التحذيرات من استمرار الفساد وضعف الرقابة، تبقى الأنظار متجهة إلى قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للإصلاحات، في وقت يزداد فيه الضغط الدولي وتتعمق معاناة اللبنانيين يوماً بعد يوم.

لبنانصندوق النقد الدوليتمويل الإرهابجاسم عجاقةخاص النشرةأموال المودعين

مصدرالنشرة - باسكال أبو نادر
المادة السابقةالى أين تتجه أسعار الذهب في الفترة المقبلة؟
المقالة القادمةشركات الطاقة الأميركية تحذر إدارة ترامب من استنزاف المخزونات النفطية