عقود الـ undp: الحكومة تكسر قرار ديوان المحاسبة

مرة جديدة، تتمّ تسوية عقود موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي undp مع الوزارات على الطريقة اللبنانية، وبموافقة استثنائية من رئاستَي الجمهورية والحكومة خلافاً لكل الأصول والقوانين. المفارقة اليوم أن هذا القرار يتّخذ لكسر قرار ديوان المحاسبة الذي رفض إجراء هذه العقود أصلاً ومضموناً، وبذريعة «الاستثناء» المستنبط من اجتهادات الوزراء من دون أيّ مسوّغ قانوني

إلى متاهة قانونية دخلت عقود موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الذين نقلوا الى القطاع العام بفعل عقود استثنائية بين الوزارات والموظفين وبناءً على موافقة استثنائية صادرة عن رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة حسان دياب. فمنذ أسبوع، أحال وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية دميانوس قطار الى ديوان المحاسبة، 35 مشروع عقد اتفاق استثنائي مع متعاقدي الـ undp، في وزارته لقاء تعويضات شهرية وبقيمة إجمالية بلغت مليارين و954 مليوناً و258 ألفاً و860 ليرة لبنانية. جاء قرار الديوان بالرفض لمخالفة هذه العقود الأصول والإجراءات القانونية (راجع «الأخبار»، 29 تشرين الأول 2020)، وأهمها:
1- ضرورة العودة الى قانون الموظفين عند اختيار الموظفين وعدم ترك الأمر لكل وزارة أو إدارة على حدة.
2- تجميد عمليات التوظيف في المؤسسات العامة بموجب المادة 80 من قانون موازنة 2019.
3- عدم دخول هذه التوظيفات في مفهوم نطاق تصريف الأعمال.
ما سبق يعني أن هذه العقود غير قابلة للاستمرار، ومن قبض من الموظفين راتب شهر تشرين الأول لن يسعه قبض راتب شهر تشرين الثاني. وكان لزاماً على رئاسة الحكومة كما وزارة المالية التقيّد بهذا القرار والبحث عن طريقة لتصحيح المسار القانوني لهؤلاء الموظفين، ربما عبر الاستحصال على قرار استثنائي من مجلس الوزراء يسمح بتوظيفهم في الوزارات وبنفس رواتب موظفي القطاع العام، بما أن العقود الاستثنائية تخالف الأصول. ولأن الوقت كان متوفراً لحكومة دياب باستنباط حلول قانونية منصفة ما بين عدم خسارة موظفي الـ undp وظائفهم، وخصوصاً أن عددهم يناهز 150 ما يعني قطع الدخل عن نحو 150 عائلة، وإدخالهم الى القطاع العام لأن الإدارات بحاجة الى خبراتهم وطاقاتهم. لكن ككل التدبيرات المتخذة في الدولة، اختارت الحكومة الباب الأسهل لحل هذه المشكلة وقبيل يوم واحد من انتهاء عقود الموظفين مع برنامج الأمم المتحدة، حتى تتخذ قرارها تحت حجة العجلة.
رفض الديوان لطلب وزير الدولة للتنمية الإدارية أخاف باقي الوزارات، فامتنعت جميعها عن إرسال عقودها الى الديوان لمعرفتها المسبقة بتجاوزها للقانون.

إذاً، ما الحل البديل؟ أرسل وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني في اليوم التالي لصدور قرار الديوان بالرفض، كتاباً الى رئاسة مجلس الوزراء يطلب فيه الموافقة الاستثنائية مرة أخرى لتنفيذ مشاريع العقود الاستثنائية لاستمرار متعاقدي undp سابقاً. وزني برّر هذا الطلب الذي يدعو الى كسر قرار ديوان المحاسبة، باستمرارية المرفق العام في ظل الظروف الاستثنائية، وبناءً على طلب سابق له بتاريخ 9/9/2020 أدى الى حصول موافقة استثنائية صادرة عن كل من الرئيسين عون ودياب، لمدة سنة، على أن يعرض الموضوع لاحقاً على مجلس الوزراء على سبيل التسوية. ورداً على دعوة الديوان إلى التقيد بقانون التوظيف، أورد وزني في كتابه أن المتعاقدين يستوفون الشروط اللازمة للتعاقد بحسب برنامج الأمم المتحدة ويحوزون المؤهلات العلمية المطلوبة، اضافة الى أن الاعتمادات اللازمة لهم مؤمنة في الوزارات المعنية. جراء ذلك، «ومع احترامنا لقرار الديوان وقراراته القيّمة في الرقابة»، تابع وزني، «نظراً إلى الظروف الراهنة وانطلاقاً من مبدأ الحاجة والضرورة واستمرار المرفق العام وتنفيذ مشاريع القروض والمنح والقيام بالأعمال الإدارية والفنية والتقنية ومعظمها يتخطّى نهاية السنة؛ نطلب الموافقة الاستثنائية للسير بمشاريع عقود اتفاق استثنائية لمدة 12 شهراً خلافاً لرأي ديوان المحاسبة». رئيس الحكومة حسان دياب وقّع على قرار وزني، فيما ينتظر توقيع رئيس الجمهورية ليصبح نافذاً.

 

ثمة من يسأل عما يحول إذاً دون اتخاذ موافقة استثنائية من مجلس الوزراء أو مجلس النواب لتوظيف المتعاقدين، كما زملائهم في الوزارات، وبالرواتب نفسها، بدل خلق ازدواجية في المعايير بينهم نتيجة تقاضي بعضهم رواتب مضاعفة مرتين وثلاث مرات عن رواتب الذين يعملون في الوزارات منذ عشرات السنوات، فيما رواتب بعض المتعاقدين توازي وتفوق رواتب المديرين العامين في الوزارات نفسها. كل ذلك تحت طائلة تسيير المرفق العام وكأن في ذلك إيحاءً بأن موظفي القطاع العام غير مؤهلين للعمل ولا يقومون بعملهم، علماً بأن ظرف وزارة الدولة للتنمية الإدارية يختلف عن باقي الوزارات كون جهازها مؤلفاً بكامله من متعاقدي الـ undp. مصادر وزارية تبرر كل ما سبق بانخفاض رواتب المتعاقدين الى النصف، وما دون النصف أيضاً، بعدما كانوا يتقاضون رواتبهم بالدولار وباتوا يقبضونها اليوم وفق سعر صرف يوازي 1500 ليرة لبنانية. رغم ذلك، لا تزال تلك الرواتب أعلى بكثير من رواتب المثبّتين الذين قضوا عمرهم في الوزارات برواتب لا تتخطّى المليونَي ليرة. فيما تتقاضى مساعدة إدارية في وزارة التنمية 3 ملايين و336 ألف ليرة لبنانية، وأخرى في رئاسة مجلس الوزراء 5 ملايين و359 ليرة. ويصل راتب خبيرة الإعلام والتواصل في السرايا الى 6 ملايين ليرة واختصاصي رئيسي ومحلل مالي الى 9 ملايين ليرة. بينما يتقاضى أحد المستشارين القانونيين 9 ملايين ونصف مليون ليرة، علماً بأن للدولة هيئة تشريع واستشارات تقوم بهذا الدور.

تطول لائحة التوظيفات المتشابهة التي تضرب فكرة القطاع العام وقدراته التقنية والإدراية والفنية لتشرّع فكرة القطاع الرديف الذي تسبّب على مرّ السنوات بتدمير ما تبقّى من مؤسسات الدولة، وسيتسبّب اليوم بزيادة إحباط الموظفين المهمّشين الذين لا يعطيهم أحد فرصة للعمل أصلاً. أما الحكومة فتقوم اليوم بضرب أجهزة الرقابة عبر كسر قراراتها بموافقات استثنائية غير قانونية، رغم أن المادة 41 من قانون ديوان المحاسبة تسمح لمجلس الوزراء بكسر قراره بعد الاستماع إلى رأي رئيس الديوان وبقرار معلّل. ذلك لم يحصل بعد، فيما تنفيذ قرار مماثل لا يتم في فترة تصريف الأعمال.

مصدررلى إبراهيم - الاخبار
المادة السابقةآخر أدوات “نصب” المصارف… تسديد الأجور من ودائع اللبنانيين!
المقالة القادمةأسعار المحروقات سجلت إنخفاضاً جديداً