الرئيسية اقتصاد لبنان فحيلي: موازنة 2026 متوازنة على الورق والمشروع يقدّم قانون إنفاق وجباية أكثر...

فحيلي: موازنة 2026 متوازنة على الورق والمشروع يقدّم قانون إنفاق وجباية أكثر ممّا يقدّم خطة ماليّة لدولة في أزمة!

جلسة مساء 29 كانون الثاني لم تكن مسك الختام، بل بالعكس كانت دلالة على رفض مشروع الموازنة العامة للعام 2026 من قبل مكونات المجلس النيابي، بغض النظر عن تقديمها ضمن المهل الدستورية، وضربها بعرض الحائط بضرورة وجود قطع حساب عن السنوات الماضية. نواب الأمة رفضوها حتى ولو صوتوا لإقرارها.

“لا يكفي أن نسأل: كم الرقم؟ بل يجب أن نسأل: هل يستطيع هذا الرقم أن يصمد أمام واقع متعدد الأزمات: انهيار ثقة نقدية ومالية، اقتصاد نقدي متضخم، دولة تعاني شللاً مؤسسياً، وقطاعات خدمات عامة (كهرباء، صحة، تعليم) تعمل تحت الحد الأدنى، مع ضغط اجتماعي متراكم”؟

على هذا المعيار، يقدم الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور محمد فحيلي، تقييماً موضوعياً لمشروع موازنة الـ 2026 ، كما عدّلته لجنة المال والموازنة، انطلاقاً من بنيته القانونية وأدواته الضريبية وطريقة ضبط الإنفاق، لا من “تجميل” الأرقام.

ويقول لـ “الديار” أن “الصورة العامة للموازنة متوازنة على الورق، والمشروع يحدّد اعتمادات الموازنة العامة لعام الـ 2026 ، بقيمة إجمالية 538,415,617,000,000 ل.ل. موزعة بين جزء أول بقيمة 474,001,998,774,000 ل.ل. وجزء ثانٍ بقيمة 64,413,618,226,000 ل.ل. وفي المقابل، يقدّر الواردات بالقيمة نفسها تماماً، ويجعل الواردات الاستثنائية “صفراً”، بما يعني عملياً موازنة “متوازنة” حسابياً (إنفاق = إيراد)”.

ويشير الى ان “هذه نقطة قوة شكلية، لأنها تُظهر رغبة في الانضباط، لكنها في السياق اللبناني هي أيضاً نقطة ضعف محتملة، لأن التوازن الحسابي لا يعني توازناً مالياً فعلياً، إذا كانت تقديرات الجباية غير قابلة للتحقق، أو إذا كانت هناك نفقات/التزامات تُدار خارج الموازنة (متأخرات، فروقات، تسويات، سلفات، أو فجوات في تمويل الخدمات الأساسية). بعبارة أدق: المشروع يقدّم قانون إنفاق وجباية أكثر مما يقدّم خطة مالية لدولة في أزمة”.

إدارة المخاطر المالية

وعن إدارة المخاطر المالية يقول: “الموازنة تعتمد ضبطٌ للأدوات، أكثر من ضبطٍ للواقع، فهناك مواد تُظهر محاولة لضبط مسارات الإنفاق والاعتمادات ضمن قواعد، مثل فتح اعتمادات استثنائية عند الضرورة ضمن سقف 1000 مليار ليرة وبقرار من مجلس الوزراء، استناداً إلى المادة 85 من الدستور. كما يجيز المشروع تدوير أرصدة اعتمادات غير معقودة و/أو تخصيصات مرتبطة بالقانون 303 واقتطاع 20% ، من رسوم المسافرين المودعة بالدولار إلى سنة لاحقة، لافتاً أن هذه المقاربة تُفيد في “إدارة السيولة” داخل المالية العامة، لكنها لا تحلّ سؤالين جوهريين في عام 2026:

1- ما هي الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها الموازنة (سعر صرف مرجعي، تضخم، نمو، حجم اقتصاد نقدي، قدرة الامتثال الضريبي)؟ معتبراً أن “المشروع كما يظهر في المواد الأساسية المعروضة لا يضع إطاراً ماكرو- مالياً يربط الأرقام بواقع الانكماش والتضخم”.

2- كيف تُدار مخاطر “انقطاع التمويل” عن الخدمات الأساسية ، إذا تبيّن أن الإيرادات أقل من المقدّر؟ متخوفاً من أن سقف الاعتمادات الاستثنائية، قد يتحول عملياً إلى نافذة لتمويل ترقيعي بدلاً من آلية طوارئ محكومة بشفافية.

السياسة الضريبية

أما بالنسبة للسياسة الضريبية فيقول فحيلي: “تحسين الجباية عبر تعديلات متناثرة، لكنها ليست إصلاحاً. فالمشروع يتضمن سلّة تعديلات وإجراءات تزيد الحصيلة أو تحسن الامتثال، لكن معظمها ذو طابع إجرائي/انتقائي أكثر منه إعادة تصميم للنظام الضريبي، بما يناسب اقتصاداً منكشفاً على الدولرة النقدية. وأبرز الأمثلة:

– تعديل مهلة تقديم التصريح الدوري لضريبة القيمة المضافة (TVA) عبر تعديل المهلة الواردة في قانون الضريبة على القيمة المضافة، وهذا إجراء يساعد الإدارة الضريبية والامتثال، لكنه محدود الأثر ما لم يُستكمل بتوسيع القاعدة، مكافحة التهرب، وربط الأنظمة الرقمية بالاقتصاد النقدي.

– تعديل المادة 93 من موازنة الـ 2024 ، بما يفرض ضريبة استثنائية إضافية 17% على أرباح/فروقات ناتجة عن عمليات مرتبطة بالصيرفة/التعاميم (مع استثناء الفروقات المرتبطة بالرواتب والأجور)، وذلك عندما تتجاوز العمليات سقف 100,000 دولار.

واعتبر “هذا التعديل مهم سياسياً، لأنه يحاول التقاط جزء من أرباح استثنائية، في اقتصاد مشوّه بسعر صرف متعدد وسياسات نقدية غير تقليدية. لكنه يطرح تحدياً مزدوجاً: (أ) قابلية التحديد والتدقيق في الأرباح في بيئة محاسبية غير مستقرة، (ب) خطر دفع النشاط أكثر نحو النقد/اللا-تصريح إذا لم تكن أدوات الرقابة فعالة.

– تمديد فترات تسوية مخالفات البناء لمدة سنة إضافية وفق قانون 139/2019، وهذا يحقق إيراداً سريعاً، لكنه يراكم منطق “إيرادات التسويات” ، بدل منطق سيادة القانون والتنظيم المدني، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة إذا تكرر سنوياً.

– تعديل رسم الطابع المالي المرتبط برخص المقالع/الكسارات، مع تحديد مبالغ ورسوم إضافية، موضحاً أن “هذا مفيد من زاوية عدالة المورد الطبيعي والرسوم البيئية، لكن فعاليته تتوقف على قدرة الدولة على فرض الالتزام في قطاع معروف تاريخياً بالتفلت والغطاء السياسي”.

– تعديلات على قانون رسم الانتقال (الإرث/الهبات)، تشمل تحديثات للإعفاءات والقيم وحدودها، وهذا قد يحسّن العدالة الأفقية إذا صُمّم جيداً، لكنه في لبنان يصطدم أيضاً بمسألة التقييم الحقيقي للأصول في سوق عقارية غير شفافة وبفجوة واسعة بين القيم الدفترية والقيم الفعلية”.

الإنفاق العام

ورأى أن “المشروع يتحرك في اتجاه تحسين التحصيل عبر نوافذ متعددة، لكنه لا يقدّم إصلاحاً ضريبياً متكاملاً يتعامل مع ثلاث حقائق: توسع الاقتصاد النقدي، تآكل قاعدة الرواتب النظامية، وضعف قدرة الإدارة على التدقيق والتحصيل في قطاعات محمية سياسياً”.

وفي موضوع الإنفاق العام تحدث عن حضور بنود الطوارئ، وغياب رؤية الاستثمار والخدمات وقال: “من زاوية الإنفاق، يلفت وجود مواد تنظّم سلفات/توزيع اعتمادات المعالجة الصحية، عبر آلية تعتمد التدقيق، وتحدد سقفاً للسلف مقارنة بالسقف السنوي للمستشفى، كما يتضمن المشروع اقتطاعاً مخصصاً من إيرادات البلديات، لتغطية احتياجات القرى التي لا بلديات فيها (إنارة، أقساط، تجهيزات…) عبر وزارة الداخلية والبلديات”.

واشار الى ان “هذه إشارات إلى إدارة ضغط الصحة والخدمات المحلية، لكنها تبقى استجابات أكثر منها سياسة اجتماعية- مالية. في عام 2026، معيار الجودة ليس فقط هل رُصد اعتماد؟ بل هل يشتري الاعتماد خدمة فعلية؟ في بيئة تضخمية تتبدل فيها الكلفة بسرعة، ومع جهاز عام يعاني هجرة كفاءات وضعف قدرة تنفيذ”.

أما في جانب الاستثمار والبنى التحتية، فيقول “يُظهر استمرار العمل بقوانين برامج لمشاريع، مثل المبنى الموحد لإدارة الجمارك في حرم مرفأ بيروت، وتوزيع اعتمادات الدفع على سنوات، هذا مهم لأن الجمارك والمرفأ من أكبر روافع الإيرادات، لكن العبرة ليست بالمشروع بحد ذاته فقط، بل بقدرة الدولة على تحويل الاستثمار إلى حوكمة: تقليص التهريب، توحيد الإجراءات، رقمنة التخليص، وتحسين الرقابة. بدون ذلك يصبح الاستثمار إسمنتاً لا إصلاحاً”.

الموازنة أين تصيب وأين تقصّر؟

الموازنة في مواجهة أزمات لبنان: أين تصيب وأين تقصّر؟ يجيب فحيلي: “إذا أخذنا حزمة أزمات لبنان كاختبار ضغط، يمكن تلخيص الصورة على النحو التالي:

1- في أزمة المالية العامة والثقة: المشروع يحاول إظهار انضباط عبر توازن الإيراد والإنفاق. لكنه لا يجيب عن السؤال المركزي: كيف يُستعاد معنى الموازنة كأداة سياسة عامة، لا كقائمة جباية وإنفاق في دولة مفككة؟ التوازن الورقي لا يمنع عجزاً تنفيذياً إذا لم تتحقق الإيرادات.

2- في أزمة الدولرة والاقتصاد النقدي: هناك محاولة لالتقاط أرباح استثنائية عبر الضريبة الإضافية 17% على بعض فروقات/أرباح عمليات الصيرفة فوق سقف محدد. لكنها تبقى معالجة جزئية، لأن قلب المشكلة هو اتساع الاقتصاد خارج القنوات الرسمية، ما يقلص قاعدة الضرائب ويزيد كلفة الامتثال على الملتزمين فقط.

3- في أزمة العدالة الاجتماعية: لا تظهر، ضمن المواد التي تعكس فلسفة المشروع، مقاربة حماية اجتماعية واضحة المعايير (استهداف، كلفة-منفعة، أولويات). وجود آلية للمعالجة الصحية. مفيد، لكن لبنان يحتاج إلى انتقال من سلفات وتسديد فواتير إلى سياسة صحية ممولة وشفافة، وهذا لا يتضح من بنية المشروع.

4- في أزمة الحوكمة وسيادة القانون: تمديد تسوية مخالفات البناء يرسل إشارة سلبية: الدولة تموّل نفسها عبر تسويات متكررة بدل فرض القواعد. حتى لو كان الهدف تحصيل إيراد، فإن كلفة ذلك على هيبة التنظيم والقانون عالية على المدى المتوسط.

موازنة قابلة للتصديق؟؟

وعما الذي يجعل هذه الموازنة قابلة للتصديق؟ يقول فحيلي: ” يمكن القول إن مشروع الـ 2026 يصبح أقرب إلى موازنة قابلة للتصديق إذا اقترنت به ثلاثة أمور (وهنا ليست مطالب سياسية بقدر ما هي شروط مالية- تنفيذية):

1- إطار ماكرو- مالي معلن: فرضيات سعر الصرف/التضخم/النمو، وكيف تُحتسب الإيرادات في اقتصاد شديد الدولرة. بدون ذلك، يصبح رقم الإيرادات مجرد تقدير رغائبي مهما بدا منضبطاً.

2- خطة امتثال وجباية قابلة للقياس: ليس فقط تعديل مهل الضريبة على القيمة المضافة، أو فرض رسوم محددة. بل بناء سلسلة تنفيذ: تدقيق، رقابة ميدانية، رقمنة، عقوبات قابلة للتطبيق، وحماية موظفي الجباية من التدخلات.

3- ربط الاستثمار بالإصلاح: مشاريع مثل تطوير إدارة الجمارك. لا يجب أن تُقرأ كبند إنشائي فقط، بل كجزء من حاكمية الإيراد وإلا ستبقى الجمارك نقطة نزف.

مصدرالديار - أميمة شمس الدين
المادة السابقةأسعار الذهب والفضة تواصل الهبوط
المقالة القادمةجابر: زيادة الرواتب ستشمل جميع موظفي القطاع العام قراران للمالية حول التدخين والمشروبات الروحية