في محاولة جديدة للتشدّد في كبح التهرّب المرتبط بالاستيراد، يعيد مشروع موازنة 2027 إحياء إجراء كان لبنان قد تخلّى عن إلزاميته سابقاً. فالمادة 56 تعيد اعتماد تصديق الفواتير التجارية وشهادات المنشأ المتعلقة بالبضائع المستوردة لدى البعثات الدبلوماسية والقنصلية اللبنانية في الخارج، بعدما كان المستورد يقدّم الفاتورة الأصلية وإثبات المنشأ ضمن المستندات المطلوبة من الجمارك من دون أي قاعدة عامة تلزمه بالتصديق القنصلي. وبذلك، يريد المشروع إضافة صفة رسمية إلى المستندات الآتية من الخارج، وإمرارها عبر جهة لبنانية قبل اعتمادها في عملية الاستيراد اعتقاداً منه بأن إجراء كهذا سيسهم في مكافحة التهرّب الضريبي عبر المعرفة التي كوّنتها البعثات الديبلوماسية في الأسواق خارج لبنان.
لا يأتي هذا الإجراء مجاناً. إذ يفرض المشروع على تصديق الفاتورة التجارية رسماً نسبته 4 بالألف من قيمتها. أي إن فاتورة بقيمة 100 ألف دولار، مثلاً، يرتّب تصديقها رسماً يعادل 400 دولار، وفاتورة بمليون دولار يرتفع رسمها إلى 4 آلاف دولار. وبذلك لا يضيف المشروع إجراءً إدارياً فحسب، بل كلفة مباشرة ترتفع كلما ارتفعت قيمة البضاعة المستوردة. والسبب وراء إعادة هذا الإجراء إلى العمل هو التشدّد في المستندات التي يستند إليها الاستيراد، ولا سيما أن القيمة المصرّح عنها للبضاعة عنصر أساسي في تحديد القيمة الجمركية وما يترتب عليها من رسوم وضرائب. وبالتالي، كلما انخفضت القيمة المصرّح عنها خلافاً للواقع، انخفض معها ما يمكن أن تستوفيه الخزينة. ومن هنا تأتي إعادة التصديق كإحدى محاولات تضييق مساحة التلاعب بالبيانات المقدمة عند الاستيراد، وزيادة قدرة الدولة على تحصيل مستحقاتها.
لكن هل يكفي ختم البعثة اللبنانية لتحقيق ذلك؟ هنا تبدأ الأسئلة. فالسفارة أو القنصلية اللبنانية في بلد المنشأ ليست جهازاً محلياً للرقابة على الأسواق، ولا يوجد لديها آليات وزارة اقتصاد ذلك البلد، وليس مفترضاً أن تمتلك قاعدة معلومات شاملة بأسعار كل سلعة ومنتج ومورّد يعمل فيه. فكيف يمكنها التأكد من أن آلة سجلت قيمتها بعشرة آلاف دولار لا تساوي فعلياً عشرين ألفاً، أو أن السعر الوارد في فاتورة مستورد لبناني هو السعر الحقيقي الذي تقاضاه المورد؟
المشكلة أن تصديق المستند لا يعني بالضرورة التحقق من صحّة كل البيانات الاقتصادية الواردة فيه. فإذا كانت الفاتورة نفسها صادرة عن المورّد، فما الذي ستتحقّق منه البعثة تحديداً قبل وضع ختمها عليها؟ وهل تستطيع مقارنة الأسعار المصرّح عنها بأسعار السوق والعقود والمعاملات الفعلية لكل مستورد؟ وهل يصبح التلاعب بالقيمة أصعب فعلاً بمجرد مرور الفاتورة عبر القنصلية، أم يصبح المستند نفسه مصدّقاً فيما تبقى قيمة البضاعة بحاجة إلى أدوات تدقيق أخرى؟
هي محاولة إذاً للتشدد في كبح التهرب وزيادة التحصيل، لكن فعاليتها تبقى مرتبطة بما يعنيه «التصديق» فعلياً وبقدرة البعثات والجمارك على التحقق من مضمون المستند، لا من شكله وحده.



