من المفترض أن يُتابع مجلس الوزراء جلساته المتتالية، حتّى إقرار مشروع الموازنة المُحال إليه من وزارة الماليّة، بهدف إحالته إلى مجلس النوّاب ضمن المهل الدستوريّة، مع الإشارة إلى أنّ إقرار الموازنة في مجلس الوزراء قبل 15 يوماً من بدء العقد التشريعي في 20 تشرين الأوّل المقبل، سيسمح للحكومة بإصدار الموازنة بموجب مرسوم، في حال لم يبتّ البرلمان مشروع القانون المُحال إليه لاحقاً. وفي جميع الحالات، من غير المتوقّع أنّ يشهد مشروع الموازنة تغييرات جذريّة داخل الحكومة خلال الأيام المقبلة، باستثناء ما قد تفضي إليه المناقشات من تعديلات في بعض سقوف الاعتمادات المرصودة للوزارات والإدارات العامّة.
بنية النفقات والإيرادات
كما بات واضحاً، رُفع حجم الإيرادات العامّة المقدّرة في موازنة 2027 إلى 6.87 مليارات دولار أميركي، أي بزيادة نسبتها 14.21 بالمئة، مقارنة بحجم الإيرادات العامّة التي تم تقديرها في موازنة العام 2026، والتي بلغت 6.02 مليارات دولار أميركي.
وهنا، من المهم الإشارة إلى أنّ هذه النسبة لا تعني فرض زيادات موازية جديدة في نسب الضرائب المفروضة، ومن الممكن أن لا تعني زيادة موازية تماماً في حجم الإيرادات الفعليّة بين العامين (سيعتمد ذلك على عوامل أخرى). هذه النسبة، تمثّل الزيادة في حجم الواردات التي تتوقّعها الدولة للعام المقبل، في مقابل تلك التي توقّعتها سابقاً في موازنة العام الحالي.
في أيّ حال، وعند الدخول في تفاصيل مشروع الموازنة، يتبيّن أن الإيرادات الضريبيّة ستمثّل 85.9 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامّة، فيما تقتصر حصّة الإيرادات غير الضريبيّة على 14.1 بالمئة فقط. وبعد تفنيد الإيرادات الضريبيّة، يظهر أنّ الضرائب على السلع والخدمات تستحوذ على 52.27 بالمئة من الإجمالي، مقارنة بنحو 10.89 بالمئة للرسوم الجمركيّة، و12.94 بالمئة للضريبة على الدخل، و5.54 بالمئة للضريبة على الأملاك. أما الإيرادات غير الضريبيّة، فهي تتشكّل أساساً من الرسوم التي تحصّلها المؤسسات العامّة، مثل المرافئ والمطار وقطاع الاتصالات وغيرها.
أمّا لجهة النفقات، فظلّت الرواتب والتقديمات الاجتماعيّة تمثّل حصّة الأسد، بنسبة تقارب 53.54 بالمئة من الإجمالي، بينما اقتصرت حصّة الإنفاق الاستثماري على 10.82 بالمئة. وبالدخول أكثر في التفاصيل، خصّص مشروع الموازنة نحو 95.17 ألف مليار ليرة لبنانيّة لمعاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، ونحو 22.1 ألف مليار ليرة لأشغال الطرق، بالإضافة إلى 37.23 ألف مليار ليرة للاستشفاء. أمّا قطاع التعليم، فاستحوذ على 59.31 ألف مليار ليرة؛ أي ما يعادل نحو 10 بالمئة من إجمالي النفقات. وتجدر الإشارة إلى أنّ قانون موازنة العام 2027 لم يتضمّن أي سلفة لمؤسسة كهرباء لبنان.
الزيادات في الواردات المقدّرة
لتحقيق الزيادة في الإيرادات، يقدّر مشروع الموازنة أن ترتفع عائدات الضريبة على المحروقات بنسبة تقارب الـ 870 بالمئة، مقارنة بالقيمة المقدرة في موازنة العام الحالي. وبهذا الشكل، أخذ مشروع الموازنة في الاعتبار الرسوم التي بدأ فرضها سابقاً هذا العام على البنزين، والتي لم تكن مقدّرة سابقاً في موازنة العام الحالي، وهو ما أنتج هذه الزيادة في حجم الإيرادات المتوقّعة بين الموازنتين. كما قدّر المشروع أن ترتفع حاصلات الضريبة على الدخل بنسبة 66 بالمئة، وأرباح الريجي بنسبة 64 بالمئة، وعائدات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10.76 بالمئة.
وتضمّن مشروع الموازنة بعض التدابير الاستثنائيّة، التي تهدف إلى زيادة مستويات التحصيل الضريبي. إذ فرض على اللبنانيين المقيمين في الداخل مهلة ستّة أشهر، من تاريخ نشر قانون الموازنة، للتصريح عن المداخيل والإيرادات المتأتية من الخارج، والتي لم يتم التصريح عنها سابقاً للإدارة الضريبيّة. وهذا ما سيسمح لهذه الشريحة بتسوية أوضاعها، وتسديد الضرائب المتوجبة عليها، من دون تسديد الغرامات عن الفترات السابقة.
كما عدّل المشروع الضرائب المفروضة على الأرباح الرأسماليّة الناتجة عن التصرّف بالعقارات، إذ أخضع البائع لضريبة بنسبة 10 بالمئة إذا كان شخصاً طبيعياً غير خاضع لضريبة الدخل، ولضريبة بنسبة 15 بالمئة بالنسبة للفئات الأخرى. ولتطبيق هذه الضريبة، يتم تخفيض 8 بالمئة من الربح الخاضع للضريبة، عن كل سنة كاملة تفصل ما بين تاريخ تملّك العقار وتاريخ بيعه، مع إعفاء الربح كلياً من الضريبة إذا بقي العقار مملوكاً من قبل نفس الشخص لمدة 12 سنة أو أكثر. كما يتضمّن مشروع الموازنة ضريبة على الشقق السكنيّة الشاغرة، بحيث يتم احتساب هذه الضريبة على أساس الإيرادات التي يمكن تحصيلها عند تأجير هذه الشقق.
وعلى مستوى الهبات، عاد مشروع الموازنة ليؤكّد إخضاع جميع الهبات لموافقة مجلس الوزراء، سواء كانت الهبات نقديّة أو عينيّة. وهذا ما صحّح الخلل الناشىء من موازنة العام الحالي، والتي سمحت بتمرير الهبات العينيّة بقرار مشترك من وزير الماليّة والوزير المتخصّص، من دون أخذ موافقة مجلس الوزراء.
في النتيجة، ورغم كل الزيادات المحققة في حجم الواردات، ما زالت البلاد بعيدة عن استعادة مستويات ما قبل الأزمة، وهو ما يحصر الثقل الأساسي للإنفاق العام بالرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعيّة. وهذا ما سيمثّل تحدياً كبيراً للدولة، عند التعامل مع الحاجات الداهمة الناتجة عن الحرب، وخصوصاً على مستوى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتيّة والخدمات العامّة في الجنوب.



