الأزمات الاقتصادية لا تبدأ مع ارتفاع الأسعار أو تراجع الاستثمارات أو اتساع طوابير العاطلين عن العمل، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ، حين تتغير التوقعات، وتفقد الأسواق الثقة في قدرة الحكومات على السيطرة على الأوضاع. أو حين تعجز البنوك المركزية عن إقناع الناس بأن التضخم لن يتحول إلى مشكلة دائمة. وعندما تظهر المؤشرات السلبية بوضوح في الإحصاءات، قد تكون القرارات التي كان يمكن أن تحدّ من الخسائر قد تأخرت بالفعل. من هنا تأتي أهمية جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2026، التي مُنحت للأميركيين روبرت إي. هال ومايكل وودفورد تقديراً لأبحاثهما في الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي، وهي أبحاث أسهمت في تطوير النماذج التي تستند إليها الحكومات والبنوك المركزية في التعامل مع التقلبات الاقتصادية.
قد يبدو هذا العنوان العلمي بعيداً عن حياة المواطن العادي، لكن معناه العملي يمس تفاصيلها اليومية: سعر القرض، وكلفة شراء منزل، وقرار شركة بتوظيف عمال جدد أو تأجيل استثماراتها، وقدرة الأسرة على التخطيط لمستقبلها في ظل ارتفاع الأسعار. فالاقتصاد ليس مجموعة أرقام تتحرك على شاشات المؤسسات المالية، بل شبكة من القرارات التي يتخذها ملايين الناس بناء على ما يعرفونه اليوم وما يتوقعونه غداً. وإذا أرادت الحكومات أن تحدّ من آثار الأزمات، فعليها أن تفهم كيف تتفاعل هذه القرارات مع السياسات التي تعلنها، لا أن تنتظر حتى تتحول الصدمة إلى خسائر يصعب تعويضها.
أعمال هال ووودفورد ساعدت على ترسيخ منهج يربط حركة الاقتصاد الكلي، مثل التضخم والبطالة والنمو، بالقرارات التي تتخذها الأسر والشركات والأفراد. فالنماذج الاقتصادية لا تستطيع تفسير ما يحدث في الاقتصاد بصورة مقنعة إذا تعاملت مع المستهلكين والمنتجين باعتبارهم مجرد أرقام في معادلات عامة. الأسرة تقرر ما إذا كانت ستنفق دخلها أو تدخره، والشركة تقرر ما إذا كانت ستوسع إنتاجها أو تخفضه، والعامل يوازن بين فرص العمل والأجر المتوقع، والمستثمر يقدّر المخاطر قبل أن يضع أمواله في مشروع جديد. وعندما تتغير أسعار الفائدة أو الضرائب أو الإنفاق الحكومي، فإن أثر هذه القرارات لا يتحدد بحجم التغيير وحده، بل بكيفية استجابة الناس له وبما يعتقدون أنه سيحدث لاحقاً.
لقد كشفت أزمات العقود الماضية حدود بعض التصورات الاقتصادية التي كانت تمنح صناع القرار ثقة أكبر مما ينبغي في قدرتهم على ضبط الدورة الاقتصادية بأدوات تقليدية. وكانت صدمات السبعينات، حين اجتمع التضخم المرتفع مع ضعف النمو والبطالة، تذكيراً قاسياً بأن الاقتصاد لا يتحرك دائماً وفق العلاقات المبسطة التي تفترض أن علاج مشكلة واحدة لن يؤدي إلى تفاقم أخرى. ثم جاءت الأزمات المالية والركود العالمي، وبعدهما جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، لتؤكد أن الصدمات قد تأتي من مصادر مختلفة، وأن استجابة السياسة الاقتصادية تحتاج إلى فهم أعمق للعلاقة بين القرارات والتوقعات والنتائج.
من قرارات الفائدة إلى ثقة الأسواق لماذا يبدأ الاستقرار الاقتصادي من فهم ما يتوقعه الناس لا من قراءة الأرقام وحدها؟
في هذا السياق، أسهمت الأبحاث التي كُرّم بها هال ووودفورد في تطوير الأساس النظري لنماذج اقتصادية حديثة تتيح تحليل أثر السياسات النقدية والمالية على مسار الاقتصاد. وتكمن أهمية هذه النماذج في أنها لا تسأل فقط عما يحدث إذا رفع البنك المركزي سعر الفائدة اليوم، بل تحاول فهم كيف يؤثر القرار في توقعات الناس، وكيف تنعكس تلك التوقعات على الاستهلاك والاستثمار والأسعار والأجور خلال الأشهر والسنوات التالية. وقد أكدت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم أن هذه النماذج حسّنت قدرة صناع السياسات على تطبيق إجراءات الاستقرار الاقتصادي، وأنها أصبحت أساساً نظرياً مهماً للنماذج المستخدمة لدى الحكومات والبنوك المركزية في أنحاء العالم.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك هو الدور الذي باتت تؤديه توقعات التضخم في قرارات البنوك المركزية. فإذا اعتقدت الأسر والشركات أن ارتفاع الأسعار مؤقت، فقد لا تتغير سلوكياتها بالقدر نفسه الذي تتغير به عندما تتوقع استمرار التضخم لسنوات. أما إذا ترسخ الاعتقاد بأن الأسعار ستواصل الارتفاع، فقد تسعى الشركات إلى زيادة أسعار منتجاتها تحسباً لارتفاع التكاليف، ويطالب العاملون بأجور أعلى لتعويض تراجع القوة الشرائية، وتصبح عملية إعادة التضخم إلى مستويات منخفضة أكثر صعوبة. عندئذ لا يعود التضخم مجرد نتيجة لارتفاع كلفة الطاقة أو نقص المعروض، بل يتحول أيضاً إلى مشكلة تتعلق بالتوقعات والثقة والسلوك.
وهذا يفسر لماذا لا تقتصر مهمة البنك المركزي على تغيير سعر الفائدة. فقراراته تحتاج إلى رسالة واضحة ومقنعة تشرح ما الذي يحاول تحقيقه، وما الظروف التي قد تدفعه إلى تعديل سياسته، وكيف ينظر إلى مخاطر التضخم والنمو. ومن الأدوات التي تطورت في هذا الإطار ما يعرف بـ”التوجيه المستقبلي”، أي أن يوضح البنك المركزي، ضمن شروط وحدود معلنة، كيف يمكن أن يتصرف في المستقبل تبعاً لمسار الاقتصاد. وقد يساعد هذا التواصل الأسر والشركات والأسواق على اتخاذ قرارات أكثر استقراراً، بدلاً من أن تتحرك استثماراتها واستهلاكها تحت تأثير التخمين والشائعات. لكن التوجيه المستقبلي ليس وعداً غير مشروط، ولا أداة مستقلة عن بقية السياسات؛ فقيمته تعتمد على مصداقية المؤسسة وقدرتها على الوفاء بما تعلنه عندما تسمح الظروف بذلك.
هنا يظهر البعد العملي للجائزة. فإدارة الأزمات لا تعني أن الحكومات تستطيع منع كل ركود أو تجنب كل موجة تضخم، وإنما أن لديها فرصة أفضل لاكتشاف المخاطر وفهم قنوات انتقالها، ثم اختيار الاستجابة المناسبة قبل أن تتضاعف تكلفتها. فإذا بدأت مؤشرات الطلب في التراجع، يمكن للسلطات أن تدرس ما إذا كانت المشكلة مؤقتة أم أنها تعكس فقداناً أعمق للثقة. وإذا ارتفعت الأسعار، فعليها أن تميّز بين تضخم ناتج عن طلب مفرط، وآخر تسببه صدمة في الطاقة أو الغذاء أو سلاسل الإمداد، لأن علاج كل حالة يختلف عن الأخرى. وقد يؤدي رفع الفائدة بقوة إلى خفض الطلب والتضخم، لكنه قد يرفع أيضاً كلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والتوظيف. كما أن التوسع في الإنفاق العام قد يخفف أثر الركود، لكنه قد يصبح مكلفاً أو يزيد الضغوط السعرية إذا لم يُصمم ويُموّل بصورة مناسبة.
لا تقدم النماذج الاقتصادية إجابات آلية عن هذه المعضلات، لكنها تساعد على جعل المفاضلات أكثر وضوحاً. فهي تتيح لصانع القرار مقارنة السيناريوهات، وتقدير الآثار المحتملة لكل خيار، والانتباه إلى النتائج غير المباشرة التي قد تغيب عن الحسابات السريعة. والأهم أنها تذكّر الحكومات بأن توقيت التدخل لا يقل أهمية عن حجمه. فالتحرك المتأخر قد يفرض إجراءات أشد قسوة، فيما قد يؤدي التدخل غير المدروس إلى تعميق المشكلة التي يفترض أن يعالجها.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة الجائزة باعتبارها إعلاناً عن انتصار النماذج الاقتصادية على عدم اليقين. فالأزمات كثيراً ما تفاجئ المؤسسات الأكثر استعداداً، والنماذج مهما بلغت دقتها تظل مبنية على افتراضات وبيانات قد لا تعكس بصورة كاملة تعقيد الواقع. كما أن الاقتصاد يتأثر بعوامل سياسية وجيوسياسية ومناخية وتكنولوجية يصعب التنبؤ بمساراتها. ولم يكن بالإمكان، على سبيل المثال، التعامل مع صدمات الجائحة أو الحروب واضطرابات الطاقة وكأنها أحداث يمكن إدراجها مسبقاً في نموذج واحد ثم انتظار نتائج مؤكدة. لذلك فإن الاستخدام المسؤول للنماذج يقتضي اختبار الفرضيات، وتحديث البيانات، والاستعداد لسيناريوهات متعددة، والاعتراف بحدود المعرفة بدلاً من تحويل التوقعات إلى يقين زائف.
وتبرز هنا مسؤولية السياسة العامة. فالأدوات الاقتصادية لا تعمل في فراغ، ولا تستطيع البنوك المركزية وحدها معالجة جميع أسباب التضخم أو البطالة أو ضعف الإنتاجية. فإذا كانت الأسعار ترتفع بسبب اختناقات العرض، فلن يكون رفع الفائدة علاجاً كافياً، وإن كان قد يحدّ من انتقال الصدمة إلى بقية الاقتصاد. وإذا كان الركود ناتجاً عن ضعف البنية التحتية أو نقص المهارات أو تعثر الاستثمار، فلن يؤدي خفض الفائدة وحده إلى بناء المصانع أو تحسين التعليم أو خلق فرص عمل مستدامة. ولهذا تحتاج السياسة النقدية إلى التنسيق مع سياسة مالية مسؤولة، وإصلاحات ترفع القدرة الإنتاجية، وشبكات حماية اجتماعية تحمي الفئات الأكثر تعرضاً للصدمات.
وهذا الجانب مهم بوجه خاص في الاقتصادات النامية، حيث يمكن أن تتحول الصدمات الخارجية إلى أزمات داخلية عميقة. فالدولة التي تعتمد على استيراد الغذاء والطاقة، أو على عدد محدود من الصادرات، تكون أكثر عرضة لتقلب الأسعار العالمية وضغوط العملة الأجنبية. وقد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: رفع الفائدة لحماية العملة والحد من التضخم، أو تخفيف كلفة التمويل لدعم النشاط الاقتصادي والاستثمار. ولا يمكن حل هذه المعضلة بقرار نقدي منفرد، بل تتطلب بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية، وتحسين إدارة المالية العامة، وتقوية المؤسسات التي تتيح توقع المخاطر والاستجابة لها بشفافية.
الأزمات قد لا يمكن منعها دائماً لكن كثيراً من آثارها يمكن الحد منها إذا بدأت الحكومات التفكير في الغد قبل أن يفرض عليها الغد قراراته
ومن هنا تتجاوز رسالة نوبل الاقتصاد حدود البنوك المركزية. إنها تذكير بأن الثقة مورد اقتصادي لا يقل أهمية عن رأس المال والتكنولوجيا. فالمواطن الذي يفهم أهداف السياسة الاقتصادية، ويثق بأن القرارات تستند إلى بيانات واضحة، يكون أكثر قدرة على التخطيط واتخاذ قرارات رشيدة. والشركة التي تستطيع تقدير اتجاهات السياسة النقدية والمالية بدرجة معقولة من الوضوح تكون أقدر على الاستثمار والتوظيف. أما حين تتناقض التصريحات الرسمية مع القرارات الفعلية، أو تتغير القواعد من دون تفسير، فإن عدم اليقين يصبح كلفة إضافية يتحملها الاقتصاد بأسره.
لكن بناء الثقة لا يتحقق بالاتصال الإعلامي وحده. فلا بد أن تستند الرسائل الحكومية إلى سياسة متماسكة، وأن تكون التوقعات المعلنة واقعية، وأن تُشرح القرارات الصعبة بلغة يفهمها الناس، مع الاعتراف بمن يتحمل كلفتها وكيف ستتم حمايته. كما أن حماية القدرة الشرائية لا تعني تجميد الأسعار بقرارات إدارية لا تعالج أسباب ارتفاعها، بل تتطلب مزيجاً من استقرار نقدي، ومنافسة فعالة، وإنتاج أكثر كفاءة، ودعم اجتماعي موجه إلى مستحقيه.
في النهاية، تكمن أهمية جائزة نوبل للاقتصاد لعام 2026 في أنها تذكّر صناع القرار بأن الأزمات لا تُدار بمجرد رد الفعل بعد وقوعها، بل بالاستعداد لها وفهم كيفية انتقال آثارها عبر الاقتصاد. وقد ساعدت أبحاث روبرت هال ومايكل وودفورد على بناء أدوات أكثر تطوراً لتحليل العلاقة بين السياسات وتوقعات الأسر والشركات، لكنها لا تعفي الحكومات من مسؤولية الاختيار السليم ولا تمنحها ضماناً ضد الخطأ.
فالاقتصاد ليس آلة يمكن ضبطها بزر واحد، ولا المواطن رقماً يمكن تحريكه داخل معادلة. إنه نظام من القرارات والمصالح والتوقعات، تتداخل فيه الثقة مع الإنتاج، والسياسة مع الأسواق، والظروف العالمية مع الخيارات المحلية. ولذلك فإن أفضل إدارة للأزمات ليست تلك التي تعد الناس بأن الأزمات لن تقع، بل تلك التي تستعد لاحتمال وقوعها، وتكشف مخاطرها مبكراً، وتتصرف بقدر من الشفافية والكفاءة يحول دون تحول الصدمة إلى انهيار في الثقة أو خسارة طويلة في الوظائف والدخل.
إن الدرس الأهم من نوبل هذا العام ليس أن الاقتصاد أصبح قادراً على التنبؤ بالمستقبل، بل أنه بات يمتلك أدوات أفضل لفهم ما قد يحدث إذا اتخذنا قراراً معيناً، أو إذا تأخرنا في اتخاذه. وبين هذين الاحتمالين تتحدد قيمة السياسة الاقتصادية: ليس في قدرتها على إلغاء عدم اليقين، وإنما في قدرتها على تقليل كلفته على الناس. فالأزمات قد لا يمكن منعها دائماً، لكن كثيراً من آثارها يمكن الحد منها إذا بدأت الحكومات التفكير في الغد قبل أن يفرض عليها الغد قراراته.



