هي محطّةٌ أشبه بدعوةٍ إلى أن يكون للبنان دورٌ بين عمالقة الاقتصاد في دول العالم الأوّل. قد يكون هذا الاعتبار هو ما جعل حضور لبنان في مؤتمر دافوس هامشيًّا في الأوساط اللبنانيّة. لكن، وبالرغم من واقع أنّ لبنان ليس لاعبًا ثقيلًا، ولا يملك سوقًا هائلة، ولا فائضًا ماليًّا، ولا نفوذًا يحرّك القرارات العالميّة، إلّا أنّ حضوره، في أفضل الأحوال، هو حضور دولةٍ تحاول أن تثبت أنّها ما زالت قادرةً على الكلام بلغة الاقتصاد بعدما أخذتها الأزمة إلى حالة النّجاة. وبالتالي، فهذا لا يعني أنّ دوره معدومٌ.
لبنان لا يستطيع أن يقود الأجندة الدوليّة، لكنّه يستطيع، إذا أحسن اختيار معاركه، أن يصنع فرقًا واضحًا، في نظر المستثمر، وفي ثقة المانح، وفي نفسيّة الداخل المتعبة التي تحتاج إلى دليلٍ واحدٍ، ولو صغيرًا، على أنّ عجلة البلد باتت تتحرّك، ولو ببطءٍ شديد.
دافوس: ليس تمويلًا بل “بورصة ثقة”
المدخل لفهم ما يستطيع لبنان فعله في دافوس يبدأ من طبيعة المؤتمر نفسه. دافوس لا يعمل كخزانةٍ عالميّةٍ تمنح أموالًا، بل كبورصة ثقةٍ تقاس فيها الدول بقدرتها على إقناع المستثمرين والمؤسّسات بأنّ لديها مسارًا إصلاحيًّا واضحًا، وبأنّ المخاطر تدار بقواعد حوكمةٍ قابلةٍ للقياس. لهذا تبدو اللقاءات على الهامش أكثر أهمّيّةً من الصور على المنصّة، لأنّها تختبر شيئًا واحدًا: هل لدى لبنان ما يقوله عن الإصلاح، وما يمكن ترجمته إلى أرقامٍ وقوانين وآليّات تنفيذٍ، أم أنّه يكتفي بتكرار وعودٍ استهلكتْها سنوات الانهيار؟
ومن هنا تحديدًا، يصبح حضور الوفد الرسميّ، بقيادة رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزراء معنيّين، ذا معنى سياسيٍّ اقتصاديٍّ في آنٍ. فهو لا يذهب ليطلب “التمويل” مباشرةً، بل ليحاول رفع سقف “المصداقيّة”، عبر ربط المشاركة بملفّاتٍ إصلاحيّةٍ أساسيّةٍ، من الحوار مع صندوق النقد، إلى محادثاتٍ مع جهاتٍ أمميّةٍ وشركاتٍ كبرى حول الاستثمار والشراكات.
لكنّ المشكلة أنّ “الإشارة” وحدها لا تكفي. لبنان، كي لا يظهر كـَ “حالة تعاطفٍ”، يحتاج إلى ما هو أبعد من إعلان النوايا. يحتاج إلى حزمة مشاريع تظهر كيف يمكن للبلد أن ينتقل من اقتصاد نجاةٍ إلى اقتصاد تشغيلٍ، وكيف يمكن أن تتحوّل عناوين، مثل الرقمنة والاستدامة، من شعاراتٍ إلى أدواتٍ تخفّض الكلفة وتعيد بعض الانتظام إلى الدولة والسوق.
“الملفّ اللبنانيّ” يعود من بوّابة الإصلاحات
على هامش الاجتماعات، تتقدّم كلمةٌ واحدةٌ إلى الواجهة: “الإصلاحات”. فالمسار الذي يحاول الوفد تثبيته لا يمرّ عبر تقديم لبنان كقصّة صمودٍ، بل كدولةٍ قادرةٍ على إعادة بناء قواعد اللعبة، ومعالجة الفجوة الماليّة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، ووضع التشريعات ذات الصلة على سكّةٍ قابلةٍ للتنفيذ. وفي هذا السياق، تتقاطع الاجتماعات السياسيّة بالماليّة، لأنّ أيّ حديثٍ عن استثمارٍ أو شراكةٍ لا يقوم فوق جهازٍ ماليٍّ معطّلٍ أو اقتصادٍ نقديٍّ يتّسع.
وبموازاة هذا الخطّ، يتحرّك الوفد في اتّجاه المستثمرين، لأنّ دافوس بطبيعته يفضّل اللغة التي تختصر المسافة بين السياسة والصفقات، والاستثمار الأجنبيّ المباشر، والشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، وفرص المشاريع. غير أنّ المستثمر، قبل أن يسأل عن “الفرصة”، يسأل عن “المخاطر”، وقبل أن يقرأ العرض، يقرأ قدرة الدولة على التنفيذ.
الاقتصاد الرقميّ: خفض كلفة الأعمال قبل تلميع الصور
هنا يدخل الاقتصاد الرقميّ كحلقة ربطٍ بين السياسة اليوميّة وبيئة الأعمال. فلبنان يعرف، ولو متأخّرًا، أنّ إنقاذ السوق لا يأتي من الخطابات، بل من خفض كلفة المعاملات التي تخنق الشركات، وتستنزف الوقت، وتفتح باب الرشوة وعدم اليقين. فتأسيس شركةٍ، رخصةٌ، استيرادٌ، دفع ضريبةٍ، توقيع عقدٍ، كلّ خطوةٍ من هذه تتحوّل، في واقعٍ مهترئٍ، إلى نزفٍ يوميّ.
الرقمنة، عندما تبنى جيّدًا، تقلّص الاحتكاك مع الإدارة، وتخفّض “الكلفة غير المنظورة” على الشركات، وتعيد جزءًا من الثقة، لأنّ القرار يصبح قابلًا للتتبّع وأقلّ مزاجيّةً. لكنها، في الوقت نفسه، تضغط على شبكات “الواسطة” التي تعيش على الاحتكاك، ولهذا تتعثّر غالبًا عندما تصل إلى لحظة التنفيذ الحقيقيّ.
وتصبح المشاريع الحكوميّة في التحوّل الرقميّ، مثل تشبيك بيانات الحكومة (Interoperability) وأتمتة السجلّ التجاريّ والقضاء، أكثر من مجرّد تحديثٍ إداريٍّ، لأنّها تمسّ جوهر السوق، كيف تدار المعاملة، وكيف تقاس الخدمة، وكيف تضبط الاستثناءات. غير أنّ هذه الحلقة، مهما بدت تقنيّةً، تصطدم سريعًا بعقدةٍ ماليّة.
التحوّل الرقميّ يحتاج جهازًا ماليًّا يعمل. لا يمكن توسيع اقتصادٍ رقميٍّ فعّالٍ فيما الشركات تعمل “كاش”، والتحويلات مكلفةٌ، والائتمان شبه متوقّفٍ، والحوكمة متآكلة. لهذا يبدو الربط بين الرقمنة وملفّ المصارف أمرًا بديهيًّا. فإعادة الهيكلة ليست مطلبًا نظريًّا، بل شرطٌ لعودة الائتمان للقطاع الخاصّ، ولتقليص الاقتصاد النقديّ، ولجعل المدفوعات والبنى الرقميّة قابلةً للتعميم لا مجرّد واجهاتٍ.
ومن هنا تكتسب “المصارحة” حول الدين العامّ والفجوة الماليّة قيمةً إضافيّةً في دافوس، لأنّها تقول للمستثمرين إنّ النقاش اللبنانيّ لا يبيع روايةً ورديّةً، بل يحاول توصيف المشكلة كما هي، تمهيدًا لوضع حلولٍ قابلةٍ للتفاوض والقياس.
الاستدامة: من بندٍ أخلاقيٍّ إلى شرط سوق
إذا كانت الرقمنة تخفّض كلفة المعاملات، فإنّ الاستدامة اليوم تخفّض كلفة الطاقة، وتفتح أو تغلق أبواب الأسواق. في دافوس، الاستدامة لم تعد ترفًا أخلاقيًّا، بل شرط تمويلٍ ودخول أسواقٍ، ومعيار امتثالٍ في التجارة وسلاسل التوريد. لبنان يتحرّك هنا بين التزاماتٍ مناخيّةٍ، وخططٍ للطاقة المتجدّدة، وأهدافٍ تزداد صرامةً عالميًّا.
اقتصاديًّا، الفكرة واضحةٌ. أيّ توسّعٍ منظّمٍ للطاقة الشمسيّة وكفاءة الطاقة يعني تخفيف فاتورة التشغيل على المصانع والخدمات، وبالتالي رفع القدرة التنافسيّة. لكن التمويل الأخضر لا يأتي مجّانًا. فهو يطلب قياسًا وإفصاحًا ومعايير. ولبنان يعاني فجوةً مؤسّساتيّة لا تحصر المشكلة في التكنولوجيا وحدها، بل في القدرة على التنظيم والرقابة وإنتاج البيانات.
ويزداد الأمر حساسيّةً مع دخول آليّة “الكربون على الحدود” في الاتحاد الأوروبيّ (CBAM) مرحلتها التطبيقيّة اعتبارًا من 1 كانون الثاني 2026، لأنّ الشركات التي تتعامل مع السوق الأوروبيّة ستحتاج إلى بيانات انبعاثاتٍ وسلاسل توريدٍ أكثر انضباطًا. هنا تتحوّل الاستدامة إلى مسألة “وصولٍ إلى السوق”، لا مجرّد خطابٍ بيئيّ.
مسرّعٌ يكشف القدرة على التنفيذ
في النهاية، يعود دافوس إلى وظيفته الحقيقيّة للبنان. ليس منصّة إنقاذ، بل هو مسرّع. فالمسرّع يضخ الاهتمام والشراكات… لكنه يفضح سريعًا من لا يملك القدرة على التنفيذ. وصندوق النقد، في وثائقه الأخيرة عن لبنان، يختصر الشرط: إصلاح شامل يتقدمّه إصلاح المصارف والابتعاد عن اقتصاد الكاش وعودة الائتمان للقطاع الخاص.



