الرئيسية اقتصاد لبنان لبنان في عام الحرب: التضخّم والميزانيّة والناتج المحلي

لبنان في عام الحرب: التضخّم والميزانيّة والناتج المحلي

منذ انخفاض وتيرة التصعيد، وانحصاره في جنوب لبنان، تضاربت الأرقام والمعطيات بخصوص النتائج الاقتصاديّة والماليّة للحرب الأخيرة. فهذه التقديرات لا يفترض أن تكتفي باحتساب قيمة الأضرار الماديّة المباشرة والواضحة للعيان، بل يجب أن تقدّر أيضاً قيمة النشاط الاقتصادي والمالي الذي خسرته البلاد بفعل الحرب. ومن البديهي القول أن هذه التقديرات يجب أن تستند إلى فرضيّات معيّنة، بخصوص الوضع الذي كان من الممكن أن تكون عليه القطاعات الاقتصاديّة، لو لم تندلع الحرب أصلاً، وهذا ما يمكن أن يتباين بين جهة وأخرى.

مع دخول البلاد في الشهر التاسع من السنة، اتّضحت الصورة أكثر، وبات من الممكن عرض مجموعة من الأرقام المُحدّثة التي تعرض تأثيرات الحرب حتّى هذه اللحظة، بما في ذلك الجوانب المتصلة بالنشاط الاقتصادي والميزانيّة العامّة والتضخّم. ومن المعلوم أن كل المؤشّرات ستتأثر، خلال الأشهر المقبلة، بسيناريوهات الوضع الأمني.

الموازنة العامّة

خلال العام الماضي، وبحسب أحدث الأرقام التي نشرتها وزارة الماليّة، كانت الميزانيّة العامّة قد سجّلت زيادة في حجم الإيرادات، من 3.89 مليار دولار أميركي عام 2024، إلى 6.18 مليار دولار أميركي عام 2025، أي بارتفاع نسبته 58.92 بالمئة. وفي المقابل، ارتفعت النفقات العامّة بنسبة أقل، قدرها 30 بالمئة، من 3.65 مليار دولار أميركي عام 2024، إلى 4.74 مليار دولار أميركي عام 2025. وهذا ما سمح بزيادة الفائض الأولي في الميزانيّة العامّة، أي الفائض قبل احتساب كلفة الفوائد، ليوازي 1.44 مليار دولار أميركي عام 2025، مقارنة بنحو 239 مليون دولار أميركي في العام السابق 2024. وبهذا المعنى، كانت الميزانيّة العامّة قد شهدت العام الماضي في الوقت نفسه زيادة في الإيرادات، مع زيادة في حجم الفائض الأولي.

بحسب البنك الدولي، من المقدّر أن تنخفض قيمة الإيرادات العامّة، كنسبة من الناتج المحلّي، من 16.8 بالمئة عام 2025، إلى 16.2 بالمئة خلال العام الحالي. وفي المقابل، وبفعل النفقات الطارئة التي فرضتها الحرب، من المقدّر أن يرتفع الإنفاق العام من 12.8 بالمئة العام الماضي، إلى 14.9 بالمئة خلال العام الحالي. مع الإشارة إلى أنّ النفقات الجارية، التي تشمل رواتب وأجور العاملين في القطاع العام، ستوازي وحدها 11.2 بالمئة من حجم الناتج، بينما ستستحوذ النفقات الرأسماليّة على 1.2 بالمئة فقط.

في النتيجة، وبحسب التقديرات نفسها، ورغم زيادة النفقات وتراجع الإيرادات، لن يعود لبنان هذا العام إلى مرحلة العجز في الميزانيّة العامّة. لكن حجم الفائض الأولي سينخفض هذه السنة إلى 1.7 بالمئة من حجم الناتج المحلي، مقارنة بنحو 4.7 بالمئة العام الماضي. أمّا الفائض العام، بعد احتساب فوائد الدين، سيبلغ قرابة 1.3 بالمئة من الناتج. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التقديرات ستؤثّر على المقاربات التي سيتم اعتمادها خلال المرحلة المقبلة، لتقدير حجم الإيرادات العامّة خلال السنوات المقبلة، والتي ستتم على أساسها مواصلة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ولاحقاً الدائنين، قبل إعادة هيكلة الدين العام.

الناتج المحلّي والتضخّم

منذ منتصف العام، تفاوتت التقديرات بالنسبة لتأثير الحرب على الناتج المحلّي في لبنان. إذ تراوحت بين انكماش بنسبة 12 بالمئة، بحسب معهد التمويل الدولي، وانكماش ما بين 7 و10 بالمئة بحسب وزير الماليّة ياسين جابر، وصولاً إلى انكماش يقف عند حدود 7 بالمئة بحسب وزير الاقتصاد عامر البساط.

آخر التقديرات التي نشرها البنك الدولي تشير إلى أنّ لبنان شهد خلال العام 2025 نمواً بنسبة 4.2 بالمئة، بفعل ارتفاع الاستهلاك والاستثمار والسياحة، وتحسّن سائر المؤشّرات الاقتصاديّة. غير أنّ التصعيد الذي شهده لبنان منذ بداية شهر آذار سيؤدّي هذه السنة، بحسب التقديرات نفسها، إلى انكماش بنسبة 6.4 بالمئة. ويرى البنك الدولي أن هذا الانكماش سينتج بشكلٍ أساسي عن انهيار النشاط السياحي، وتعطّل سلاسل الإمداد، والنزوح. وعلى نحوٍ أدق، يرى البنك أن لبنان سيعاني من خسائر قيمتها 3 مليارات دولار أميركي، في القطاع السياحي وحده، بالإضافة إلى خسائر بقيمة 570 مليون دولار أميركي بفعل تراجع الاستهلاك. وتجدر الإشارة إلى أنّ البنك الدولي نفسه كان قد ترقّب نمواً هذه السنة بنسبة 4 بالمئة، قبل اندلاع الحرب، ما يعني أن الحرب خفّضت تقديرات نمو الناتج المحلّي بواقع 10.4 نقطة مئويّة.

أمّا على مستوى التضخّم، فقد انخفضت هذه النسبة خلال الأعوام الماضي بشكلٍ تدريجي، من 221.3 بالمئة عام 2023، إلى 45.2 بالمئة عام 2024، وصولاً إلى 14.6 بالمئة العام الماضي. وجاء هذا الانخفاض بفعل الاستقرار النقدي الذي تحقّق منذ العام 2023، وثبات سعر صرف الليرة. لكن وبفعل التصعيد الحاصل محلياً وإقليمياً، من المرتقب أن تُعود البلاد إلى تسجيل ارتفاعات جديدة في معدّل التضخّم، وصولاً إلى نسبة 17.5 بالمئة في نهاية العام الحالي. وبطبيعة الحال، سينتج هذا الارتفاع في معدلات التضخّم عن ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين على الشحن، بالإضافة إلى معدلات التضخّم العالميّة وتراجع حجم الإنتاج المحلي بفعل الحرب.

وأخيراً، وبعد أخذ كل هذه التغيّرات بعين الاعتبار، من المقدّر أن يبلغ حجم الناتج المحلّي هذه السنة نحو 38.96 مليار دولار أميركي، وهو ما يقل بنسبة 29.5 بالمئة عن حجم الناتج عام 2018، قبل الأزمة. وخلال الفترة المقبلة، سيكون هذا الرقم المؤشّر المرجعي الذي يمكن أخذه بالاعتبار، عند تقدير حجم الدين العام الذي سيتبقى لاحقاً، بعد تنفيذ عمليّة إعادة الهيكلة.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةمن مصر إلى صيدليات لبنان.. سقوط شبكة أدوية مهرّبة