الرئيسية اقتصاد لبنان لبنان في قلب الانهيار البنيوي

لبنان في قلب الانهيار البنيوي

لم يعد المشهد الاقتصاديّ في لبنان مجرّد امتداد لأزمة بدأت عام 2019، بل دخل مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، حيث تتداخل الانهيارات المالية مع التحوّلات الأمنية لتنتج واقعًا مختلفًا كليًا عمّا اعتاده اللبنانيون في السنوات الماضية. الأزمة التي كانت تُختصر يومًا بتدهور سعر الصرف وتآكل القدرة الشرائية، باتت اليوم تعكس خللًا عميقًا يطول بنية الاقتصاد نفسه، ويهدّد أسسه واستمراريّته.

مع تصاعد التوترات الأمنية وما تفرضه من ضغوط إضافية على مختلف القطاعات، يتضح أن الاقتصاد اللبناني لم يعد قادرًا على امتصاص الصدمات كما في السابق. فالقطاعات الإنتاجية والخدماتية تواجه حالة شبه شلل، فيما تتراجع مصادر الدخل الأساسية، من السياحة إلى التحويلات، في مقابل ارتفاع غير مسبوق في كلفة التشغيل والمعيشة، ما يضع البلاد أمام مشهد اقتصادي يزداد قتامة يومًا بعد يوم.

في هذا السياق، لم تعد المؤشرات الاقتصادية مجرّد أرقام تعكس تراجعًا مرحليًا، بل تحوّلت إلى إشارات إنذار حقيقية تنبّه إلى دخول لبنان في مرحلة “الفشل البنيوي”، حيث تتآكل مقوّمات الاستقرار تدريجيًا، وتصبح المعالجات التقليدية عاجزة عن وقف الانحدار. وبين اقتصاد مُستنزف وواقع نقدي هش، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل لا يزال بالإمكان احتواء الانهيار، أم أن البلاد دخلت فعليًا في مسار يصعب الخروج منه دون تحوّل جذري شامل؟

تحوّل عميق

يوضح جاسم عجاقة، أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، أن “المعطيات الحالية تشير إلى أن التطوّرات والأحداث الأمنية التي يشهدها لبنان اليوم لم تعد مجرّد ظرف طارئ، بل شكّلت تحوّلًا عميقًا في طبيعة الأزمة التي يعيشها البلد، وأدّت إلى تغيير ملموس في بنيته الاقتصادية. ففي حين كانت أزمة عام 2019 تُصنف ضمن إطار أزمة السيولة وتراجع القدرة الشرائية نتيجة انهيار قيمة الليرة، يبدو أن المرحلة الراهنة تجاوزت هذا الإطار نحو ما يمكن وصفه بفشل بنيوي (Structural Failures) في الاقتصاد”.

ويلفت لـ “نداء الوطن” إلى أن “حركة الأسعار لم تعد مرتبطة بتقلّبات سعر الصرف، بل باتت تعكس ارتفاعًا فعليًا في كلفة الإنتاج، في ظلّ اقتصاد مُدولر إلى حدّ كبير، حيث تُحتسب معظم التكاليف بالدولار، ولا سيّما أسعار الطاقة التي شهدت ارتفاعات ملحوظة. وهذا الواقع أدّى إلى تبدّل جذري في ديناميات الأسعار، بحيث لم تعد مرتبطة بسعر العملة، بل بعوامل هيكلية أعمق”.

وفي هذا السياق، يعتبر عجاقة أن “استقرار سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة، يُعتبر اصطناعيًا وهشًّا، إذ يخفي وراءه اختلالات كبيرة في الاقتصاد اللبناني. كما أن الليرة لم تعد تؤدّي دورها التقليدي كأداة قياس مستقرة للقيمة، بل أصبحت أقرب إلى سلعة ومن يحدّد قيمتها هو غيابها”.

النمو الاقتصادي… مخاطر وضغوط

على صعيد النمو الاقتصادي، “تشير التقديرات، وفق بعض التوقعات الدولية، إلى احتمال تسجيل انكماش يتراوح بين 9 % و 10 % خلال عام 2026، في حال استمرار الأوضاع الحالية. ويُعزى ذلك إلى ما يشبه سيناريو استنزاف اقتصادي تدريجي، قد يتطوّر، في حال امتدّت الأزمة لعدة أشهر، إلى مرحلة ركود حاد أو حتى كساد اقتصادي (Depression).

على مستوى المالية العامة، تبرز مخاطر جدّية تتمثل في اتساع العجز، نتيجة تراجع الإيرادات من جهة، وارتفاع النفقات من جهة أخرى. فالتباطؤ الاقتصادي وتراجع النشاط في عدد من المناطق أدّيا إلى انخفاض القدرة على تحصيل الضرائب، في حين ارتفعت النفقات بشكل ملحوظ، ما قد يدفع بالعجز إلى مستويات تتجاوز 50 % من الإيرادات، وهو مستوى يُعدّ كارثيًا.

في موازاة ذلك، تلوح في الأفق ضغوط تضخمية إضافية قد تصل إلى نحو 20 %، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة، وما ينتج عنه من تضخم مستورد. كما يُخشى من تفاقم معدلات البطالة لتلامس حدود 48 %، لا سيّما في ظلّ خروج عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة من السوق، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة”، وفق ما يلفت عجاقة.

الواقع النقدي

في قراءة للواقع النقدي والمالي، يلفت عجاقة إلى أن “الضغوط المتزايدة التي يواجهها مصرف لبنان في ظلّ الظروف الراهنة، تبرز حيث يُقدَّر أنه يؤمّن مئات ملايين الدولارات شهريًا لتغطية التزامات أساسية، تشمل رواتب القطاع العام (ما يقارب 250 مليون دولار) وتكاليف مرتبطة بملف النزوح، إلى جانب المساهمة في تمويل فاتورة الاستيراد. وبصورة إجمالية، يُسجَّل ما يشبه وتيرة استنزاف شهرية تُقدَّر بما بين 400 و 500 مليون دولار، وهو مستوى مرتفع يعكس حجم الضغوط على السيولة بالعملات الأجنبية”.

يضيف: “وفي هذا الإطار، كان مصرف لبنان قد عمد سابقًا إلى توظيف جزء من سيولته في أدوات مالية خارجية، وهي خطوة قد تؤثر إيجابيًا على العوائد، إلّا أنها لا تبدو كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة في المرحلة الحالية”.

ميزان المدفوعات

على صعيد ميزان المدفوعات، يوضح أن “المؤشرات تشير إلى تدهور ملحوظ، إذ تضرّر القطاع السياحي بنسبة تُقدّر بين 74 % و 75 %، فيما تشهد الخدمات حالة شبه شلل، ما قد يفضي إلى خسائر تُراوح بين 3 و 4 مليارات دولار. كذلك، سجّلت تحويلات المغتربين تراجعًا بنحو 5 %، رغم كونها أحد أبرز مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد”.

هذه المعطيات مجتمعة، يُرجّح عجاقة أنها “تُنذر باحتمال تسجيل عجز في ميزان المدفوعات، ما يطرح تحديات إضافية على مستوى توافر الدولار في السوق”.

تآكل القدرة الشرائية

على الصعيد المعيشي، يلفت إلى أن “هذه التطوّرات تنعكس بشكل مباشر على المواطنين، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار، المدفوع بعوامل أبرزها التضخم المستورد، إلى تآكل القدرة الشرائية بشكل متسارع. ومن شأن ذلك أن يفاقم معدلات الفقر، التي يُقدَّر أن تبلغ نحو 80 % من السكان، إضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى حدود 42 %. كما تزيد أزمة النزوح من تعقيد المشهد الاجتماعي والاقتصادي، بدل أن تخفّف من حدّته”.

في ضوء ما تقدّم، يشدد عجاقة على أن “الحاجة الملحّة لمقاربة شاملة، لا تقتصر على المعالجات المالية والنقدية، بل تشمل أيضًا تحرّكًا سريعًا على المستوى الدبلوماسي لاحتواء التطوّرات الأمنية، باعتبار أن استقرار الأوضاع يشكّل شرطًا أساسيًا لأي مسار تعافٍ اقتصادي فعلي”.

في المحصّلة، لم يعد ما يعيشه لبنان أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات جزئية أو حلول ترقيعية، بل بات مسارًا انحداريًا مفتوحًا على احتمالات أكثر خطورة، في ظل تآكل مستمرّ في مقوّمات الصمود الاقتصادي والاجتماعي. فالتقاطع بين الانكماش، والتضخم، واستنزاف الاحتياطيات، وتراجع الإيرادات، يرسم مشهدًا يقترب تدريجيًا من فقدان السيطرة، حيث تصبح كلفة التأخير في المعالجة أعلى بكثير من كلفة الإصلاح نفسه.

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقةالاتحاد الأوروبي يحذر: الحرب في الشرق الأوسط قد تخفض النمو وتزيد التضخّم في 2026–2027
المقالة القادمةالعجز التجاري يرتفع 23 % سنويًا