في كل زاوية من بيوتنا اللبنانية، تسكن حكاية منسية؛ هاتفٌ وثّق أجمل لحظاتنا، أو شاشةٌ كانت نافذتنا على العالم قبل أن تنطفئ وتُترك جانبًا بانتظار حلٍ لا يأتي. ومع تسارع وتيرة حياتنا الرقمية التي لا تهدأ، تحولت هذه الأجهزة، إلى “أشباح تكنولوجية” وعبء صامت يتربص بتربتنا وهوائنا.
إن ما نعتبره اليوم “خردة” هو في الحقيقة قنبلة موقوتة من المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية. فحين تغيب المسارات الآمنة للتدوير، تتحول ‘تكنولوجيا الأمس” إلى سموم تتسرب بهدوء إلى جوف الأرض، لتلوث المياه التي نشربها والمحاصيل التي تطعم عائلاتنا.
اليوم، يقف لبنان عند مفترق طرق؛ فإما أن نستسلم لثقافة الإهمال التي تحول قُرانا ومدننا إلى مكبات عشوائية، أو أن نستعيد وعينا البيئي لنحمي مستقبل أطفالنا. إن القضية ليست مجرد التخلص من جهاز قديم، بل هي صرخة لترميم العلاقة بين تطورنا التقني وسلامة أرضنا، لضمان ألا يكون ثمن تقدمنا الرقمي هو ضياع هويتنا الخضراء وصحتنا العامة.
النفايات الإلكترونية وتأثيرها في البيئة
تعتبر النفايات الإلكترونية من أسرع أنواع النفايات نموًا في العالم، وتشمل الأجهزة الكهربائية والتكنولوجية القديمة مثل الهواتف الذكية، أجهزة الكومبيوتر، الشاشات، وأجهزة التلفاز. هذه النفايات تحتوي على مواد خطرة مثل الرصاص، والزئبق، والكادميوم، والبروميدات المشتقة من المواد البلاستيكية. إذا لم تُعالج بشكل صحيح، فإن هذه المواد تتسرب إلى التربة والمياه، مسببة تلوثًا طويل الأمد تصعب معالجته.
فعلى سبيل المثال، عند التخلص العشوائي من الشاشات القديمة أو الهواتف في مكبات النفايات غير المنظمة، تتفاعل المعادن الثقيلة مع الماء والتربة، فتتلوث الأنهار والآبار، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي المحلي. تتأثر بذلك المحاصيل الزراعية التي تعتمد على مياه الري الجوفية، كما تتراكم المعادن الثقيلة في السلسلة الغذائية، لتصل في النهاية إلى الإنسان والحيوان، مسببة مشكلات صحية مزمنة مثل اضطرابات الكبد والكلى، ومشاكل في النمو عند الأطفال.
إضافة إلى ذلك، تُعتبر عملية حرق النفايات الإلكترونية في الهواء الطلق أو في بعض المصانع غير المنظمة من أكبر المخاطر البيئية. فخلال الحرق، تنطلق مواد كيميائية سامة مثل ثنائي الفينيل متعدد البروم (PBDEs) والديوكسينات، وهي مواد مسرطنة وقوية السمية، تؤثر بشكل مباشر في الجهاز التنفسي وتزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة مثل الربو، وأمراض القلب، واضطرابات المناعة. كما يسهم هذا الحرق في تلوث الهواء الجوي، ما يزيد من مشكلة الاحتباس الحراري ويسهم في تفاقم تغير المناخ.
لا تكتفي النفايات الإلكترونية بتشويه طبيعة لبنان، بل إنها تشنّ حربًا صامتة على أجسادنا. إن التعرض لهذه المخلفات، سواء عبر اللمس، أو الاستنشاق، أو من خلال السلسلة الغذائية، يفتح الباب أمام قائمة طويلة من الأزمات الصحية التي تفتك بالأنسجة الحيوية للإنسان.
– الرصاص والكادميوم: هذه المعادن الثقيلة لا تغادر الجسد بسهولة، فهي تتراكم لسنوات لتبدأ بضرب الجهاز العصبي المركز، مما يؤدي إلى تراجع الوظائف الإدراكية وضعف الذاكرة. كما تُجهد الكبد والكلى، اللذين يمثلان خط الدفاع الأول في أجسامنا، مما يسبب قصورا وظيفيا مزمنا يحول حياة المصاب إلى رحلة معاناة مع العلاج.
– الزئبق: يُعد الزئبق العدو الأول لنمو الأطفال. فعندما يتسرب هذا المعدن إلى التربة التي يلعبون عليها، أو المياه التي يشربونها، أو حتى الأبخرة التي يستنشقونها من حرائق المكبات القريبة، فإنه يهاجم أدمغتهم النامية. النتيجة ليست مجرد اضطرابات عابرة، بل قد تصل إلى تأخر في النمو، وضعف في الجهاز المناعي، واضطرابات سلوكية ترافقهم مدى الحياة.
-الأمراض المزمنة: تشير الدراسات الصحية إلى أن العيش في بيئة مشبعة بسموم الإلكترونيات يزيد بشكل حاد من احتمالية الإصابة بالأورام السرطانية وأمراض القلب الوعائية. إنها “السموم التراكمية” التي لا تظهر آثارها فورا، بل تنمو في الخفاء لتنفجر أزمات صحية مفاجئة تهدد استقرار العائلات.
– العيش في “مناطق الخطر”: حصار التلوث في المدن اللبنانية المكتظة، أو القرى المجاورة للمكبات العشوائية، يصبح الخطر مضاعفا. فالسكان هناك لا يستنشقون هواءً نقيًا، بل غبارا ملوثا ببرادة المعادن وجزيئات البلاستيك المحروق. ومع كل مطرة، يجرف “الجريان السطحي” هذه السموم مباشرة إلى شبكات مياه الشرب أو إلى الأراضي الزراعية القريبة، لتعود إلينا هذه التكنولوجيا على شكل أمراض في أطباق طعامنا اليومية.
نحو خارطة طريق وطنية: من التهديد البيئي إلى الفرصة المستدامة
إنّ الخروج من مأزق النفايات الإلكترونية في لبنان يتطلب الانتقال من الحلول الفردية العشوائية إلى استراتيجية وطنية شاملة تدمج بين البنية التحتية والوعي المجتمعي، فالبداية تكمن في تأسيس شبكة وطنية من المراكز المتخصصة لجمع وفرز الأجهزة القديمة، مدعومة بنظام حوافز مادي ومعنوي يشجع الأفراد والشركات على استبدال ثقافة “الرمي” بثقافة “التسليم المسؤول”. ولا تكتمل هذه الخطوة إلا بفرض معايير صارمة لسلامة إعادة التدوير، تضمن استخراج المعادن الثمينة والكنوز الدفينة داخل الأجهزة بطرق علمية تحيّد خطر التسرّب الكيميائي وتحمي هواءنا من انبعاثات الحرق السامة.
وبالتوازي مع هذا التطور التقني، تبرز أهمية إطلاق حملات توعية وطنية تلامس وجدان المواطن وتعرّفه بأنّ هاتفه القديم ليس مجرد خردة، بل هو أمانة بيئية تتطلب إعادة الاستخدام أو التدوير الصحيح. وفي نهاية هذه الحلقة المستدامة، يجب أن يؤدي القطاع الصناعي دورا رياديا من خلال تبني معايير “التصميم الأخضر”، عبر تصنيع أجهزة محلية بمواد أقل سمية وقابلية أعلى للتدوير، مما يقلل العبء البيئي من المنبع ويؤسس لمستقبل رقمي يحترم توازن الطبيعة اللبنانية ويضمن سلامة أجيالنا القادمة.
في نهاية المطاف، ليست النفايات الإلكترونية مجرد قضية تقنية، بل هي اختبارٌ لوعينا وانتمائنا لهذه الأرض التي لم تعد تقوى على حمل أوزار إهمالنا. إنّ كل جهاز قديم نتخلص منه بعشوائية هو جرحٌ إضافي في جسد طبيعة لبنان، وتهديدٌ يتسلل بصمت إلى مياهنا وهوائنا، ليتربص بصحة عائلاتنا. إنّ مواجهة هذا الخطر الصامت ليست مسؤولية جهة دون أخرى، بل هي ميثاقٌ أخلاقي يجمعنا كدولة ومؤسسات وأفراد؛ فمن خلال تبني ثقافة التدوير الآمن والوعي الصادق، يمكننا اليوم أن نوقف نزيف السموم ونرسم معًا ملامح غدٍ أنقى. فلنجعل من وداعنا لأجهزة الماضي بدايةً لعهدٍ أخضر، نضمن فيه لأبنائنا وطنًا يتنفس هواءً نظيفا، وأرضًا معافاة، ومستقبلًا يليق بلبنان الذي نحلم به!



