لبنان يأكل من صناعاته وإنتاجه أكثر من ذي قبل

«بتحبّ لبنان حبّ صناعتو»، قاطعوا البضاعة غير اللبنانية، «إشتروا بس» البضاعة اللبنانية… شعارات لطالما رفعت في «أيام العزّ» لتشجيع استهلاك الإنتاج اللبناني، وتحفيز الدورة الإنتاجية المحلية. ولكن تلك العناوين لم تكن وقتها تُقنع كل شرائح المجتمع اللبناني، لحين حلول ساعة الإنهيار المالي والنقدي، فتفلّت سعر صرف الدولار وهبطت العملة الوطنية ومعها القدرة الشرائية. عندها «برم الدولاب» واحتلّت الصناعات الوطنية الخيار الأول للمستهلك، نظراً الى مواكبة اسعار السلع المستوردة سعر صرف الدولار الذي «طار» من 1515 ليرة لبنانية للدولار وحطّ عند 28 ألف ليرة خلال عامين ونصف العام، فانقلبت المعادلة.

في نهاية العام 2019 ومع استفحال جائحة «كورونا» واشتداد الإنهيار المالي، وبما أن التجارة شطارة واللبناني يتأقلم مع كل الظروف، انهمك المصنّع المحلّي في تلبية حاجات السوق وطرح منتجات على شاكلة تلك المستوردة (مثل الشوكولا، والمعلبات والكاكاو والبسكويت والكمامات وأجهزة التنفس…). وسّع الصناعي مروحة الصناعات تماشياً مع حاجات السوق، فنجح وأثبت جدارة عالية في النوعية وبأسعار تنافسية في كل الصناعات وأولها الغذائية، رغم استيراده للمواد الأولية من الخارج والتحديات التي تواجهه وسط شحّ الدولار. وبذلك لم يعد بحاجة الى «دعايات» لتسويق صناعاته محلياً.

مروحة واسعة

ومعلوم أن الصناعات الغذائية اللبنانية تغطّي مروحة كبيرة من القطاعات الصناعية التي تؤمن الغذاء المتنوّع لحاجة المستهلك اللبناني والاسواق التصديرية. و»تبلغ حصة تلك الصناعات ما يقارب نسبة الـ25% من اجمالي الانتاج الصناعي، وتحتلّ المرتبة الاولى من حيث عدد المؤسسات العاملة واليد العاملة الصناعية والقيمة المضافة»، كما أكّد لـ»نداء الوطن» رئيس نقابة اصحاب الصناعات الغذائية منير البساط. وتشمل معظم المواد الغذائية الاساسية الطحين والخبز بانواعه، الحليب والالبان والاجبان، الدواجن الحيّة والمصنعة، اللّحوم المصنعة، المعلّبات الغذائية بانواعها، المخللات، المربيات، الزيوت ( زيت الزيتون والزيوت النباتية)، الدهون والطحينة، السكاكر والـ»تشيبس»، البن والبهارات، المياه المعدنية، العصائر والمشروبات غير الكحولية، الشرابات وماء الزهر وماء الورد، النبيذ، العرق وعدد آخر من المشروبات الروحية، والكبيس والمخللات… ويقدّر البساط عدد المصانع الغذائية المرخصة، بنحو 1500 مؤسسة، بينما عدد المؤسسات غير المرخصة تقدّر بضعف هذا العدد، يتراوح معظمها بحجم المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر، بينما تضمّ عضوية جمعية الصناعيين اللبنانيين نحو 206 مصانع تغطي نحو 80% من الاسماء التجارية (Brand Name) المعروفة في الاسواق و 90% من الصادرات الغذائية.

رب ضارة نافعة

وبرأي البساط، وهو أيضاً صاحب شركة لصناعة الحلاوة والطحينة والسمسم وراحة الحلقوم…، أن «الأزمة التي غرق بها لبنان كانت ضارة ولكن نافعة بشكل مباشر للقطاع الصناعي بشكل عام، والصناعات الغذائية بشكل خاص». وأضاف: «الازمة الاقتصادية أدت الى استعادة القطاع لحصته الطبيعية في الاستهلاك المحلي اثر تناقص حجم الصادرات، واقتناع المستهلك اللبناني بجودة وتنافسية المنتج المحلي، وتثبيت مقولة ان الاقتصاد المرتكز على الانتاج هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الازمة وتحقيق النمو الاقتصادي المنشود.

المنافسة الأجنبية

لكن الى أي حدّ يمكن للمنتج المحلي بجودته وسعره على منافسة الأجنبي منه؟

يؤكد البساط أن «الصناعة اللبنانية أثبتت قدرتها على منافسة واستبدال المنتج الاجنبي، خاصة في قطاع الصناعات الاستهلاكية (الغذائية، المنظفات، والمعقمات) حيث تؤمن اكثر من نسبة 70% من حاجات الاستهلاك، وتصدر الفائض الى الخارج، رغم حاجتها لتأمين معظم المواد الاولية والتعبئة والتغليف بالدولار الـ»فريش»، كما يوجد قدرات كبيرة لقطاعات أخرى لتحتل مكانتها في الاسواق كالصناعات الدوائية والكيميائية.

البضاعة التركية

أما عن قدرة الصناعة المحلية الغذائية على منافسة البضاعة التركية التي تجتاح الرفوف لدى التجار والسوبرماركات لناحية الجودة والسعر، يؤكّد البساط أن «الصناعة الغذائية تملك كل الامكانات من حيث الجودة والنوعية على منافسة المنتجات التركية وغيرها. اما من ناحية السعر، فلا يجب ان يغيب عن البال تمتع الصناعات الاجنبية (وخاصة التركية) بدعم كامل من السلطات المحلية المعنية وبنية تحتية صناعية متطورة، من دون ان ننسى تدهور سعر الصرف محلياً، واستمرار احتساب الدولار الجمركي وضريبة القيمة المضافة على مستوى الـ 1500 ل.ل. ما يعني غياب اي نوع من الحماية للمنتج المحلي.

شهادة صناعي

وبدوره عرض نائب رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين وعميد الصناعات الغذائية في لبنان جورج نصراوي لـ»نداء الوطن» المعوقات التي تواجهه في الصناعة المحلية. فقال، باعتباره المؤسس والرئيس التنفيذي لـشركة «سوناكو» المختصة بصناعة المأكل اللبناني الشرق أوسطي، (طحينة وحلاوة وجميع أنواع المعلبات وزيت الزيتون والرُبّ والكاتشاب والمربيات… ) إن أكبر أزمة في لبنان اليوم التي يعاني منها القطاع الصناعي هي في كلفة المحروقات المرتفعة، باعتبار أن التغذية الكهربائية غير متوفرة والمازوت غير مدعوم ويسدّد بالدولار النقدي، ما يزيد من كلفة الإنتاج وبالتالي يحول دون تحفيز المنافسة خصوصاً للدول المحيطة». وأضاف: «ان التحدي الثاني يكمن في المواد الأولية المستخدمة لغالبية المنتجات والتي تستورد من الخارج ما عدا الخضار والفواكه التي يتمّ توفيرها من السوق الداخلي، ما يعني أن التسديد يكون بالدولار النقدي، ما يسبب ارتفاع أسعار السلع يومياً في السوبرماركات». وحول حلول البضاعة المحلية مكان المستوردة منها مع تراجع قيمة الإستيراد من 22 مليار دولار الى 11 ملياراً، وخصوصاً خلال فترة انتشار جائحة «كورونا»، أشار نصراوي الى أن «السلع التي كانت تستورد حلّت مكانها الصناعة المحلية، حتى أن مصانع جديدة نشأت، وتلك التي كانت موجودة زاد الطلب عليها لتغطية ثغرة تراجع الإستيراد». المواصفات عالمية

وفي ما يتعلق بالمواصفات المعتمدة محلّياً، أكد نصراوي أنها «عالية بالنسبة الى المصانع المرخّصة ويمكن للمواطن استهلاك المنتجات المطروحة في السوق والتي تحمل ماركات بكل ثقة، لأنها تتحلّى بجودة مرتفعة وتتمّ مراقبتها من قبل مصلحة حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد. تبقى المصانع التي «تعمل تحت الدرج» كما سمّاها نصراوي، «فهي دون المواصفات وللأسف مراقبة الدولة ضعيفة عليها».

وأكّد أن حصته من السوق المحلية تبلغ 15% و85% من المنتجات تصدّر الى الخارج ما عدا السعودية التي لا يزال التصدير اليها غير متاح لأسباب سياسية، والسعي مستمر لفتح أبوابها مجدداً أمام المنتجات اللبنانية». مشدّداً على أن «مجموع المصانع الغذائية في لبنان تلبي حاجة السوق علماً أن هناك منتجات لا تصنّع في لبنان بسبب عدم توفّر المواد التي تحتاجها». صحيح أن الصناعة اللبنانية أثبتت نجاها وقدرتها على التأقلم مع كل الصعوبات، أكان لناحية الجودة والقدرة على الإبتكار والنجاح بسبب الكفاءات اللبنانية والأدمغة التي نخسرها من خلال الهجرة اليومية الى الخارج، إلا إنها تحتاج الى دولة تدعمها وتوفّر القطاعات الحيوية اليومية أولها توفير الطاقة والكهرباء، وعودة المصارف الى عملها، عندها تشتدّ المنافسة على صعيد الأسعار فننتقل من بلد ريعي الى منتج فتتحرّك العجلة الإقتصادية.

اذاً، الخلاصة أن بعض المصانع اللبنانية عدّلت بخطوط إنتاجها، لتطرح منتجات بديلة عن تلك التي كانت تستورد، فملأت فراغ السوق المحلي جراء تضاؤل القدرة الشرائية والبحث عن بدائل بسعر اوفر.

طبعاً هناك معوّقات تواجه الصناعة المحلية وأصحاب المصانع، قسّمها منير البساط الى قديمة وجديدة حالت ولا تزال دون تطورها ونموها. ولخّصها كما يلي:

1 – كلفة الانتاج وخاصة موضوع الطاقة.

2 – غياب التمويل الصناعي سواء لرأس المال التشغيلي او الاستثمار.

3 – انعدام الاستقرار السياسي ومضاعفات الازمة الاقتصادية والنقدية (عدم ثبات اسعار الصرف).

4 – تناقص كبير في اليد العاملة الماهرة وغير الماهرة بسبب الهجرة وغياب الاستقرار الاجتماعي.

5 – غياب او قلة المناطق الصناعية.

 

واكد: إرتفاع كلفة إنتاج الألبان والأجبان

بالنسبة الى صناعة الحليب والألبان والأجبان المحلية التي تعتمد عليها السوق المحليّة الإستهلاكية، فهي بجودة عالية لكنها بكلفة عالية ايضاً بسبب فواتير الطاقة الباهظة وغير المدعومة، وضرورة توفير الكهرباء بصورة مستمرّة كون المواد المصنعة من الحليب تتطلب الدقة والعناية والتبريد بشكل مستمرّ 24/24. هذا الأمر أكّده مدير عام شركة البان لبنان Liban Lait مارك واكد، موضحاً لـ»نداء الوطن» أن منتجات الحليب والألبان والأجبان التي تصنعها المصانع اللبنانية والمرخصة ذات جودة عالية، وتتخذ أسعارها منحى تصاعدياً في ظلّ الصعوبات التي تواجهها المصانع في ظرفنا الراهن، وهي الى أكلاف الطاقة المرتفعة والتي تتخطى الـ300 ألف دولار شهرياً مع ارتفاع أسعار المحروقات المستمر، تضاف كلفة التغليف والبلاستيك التي تستورد من الخارج بالدولار النقدي، وشراء كمية من الحليب الطازج المستخدم من المزارع تبلغ 100 طن أسبوعياً، والذي يكلّف المصنّع سعر الليتر الواحد عادة زيادة بقيمة 20 أو 25 سنتاً عن سعر الليتر المستخرج من المزارع الخاصة بالمصنع. كل ذلك فضلاً عن تأثير الحرب الأوكرانية، كما أضاف واكد، على الإستيراد من الخارج وارتفاع الأسعار لا سيما الصويا والعلف… فضلاً عن طريقة تسديد قيمة المبيعات من قبل السوبرماركات التي كانت بالشيكات، ثم أصبح جزء منها «بالفريش» في ظلّ شحّ النقد وفرض غرامات من المصارف على السحوبات. وعن الأرباح التي تتقاضاها المحلات التجارية قال واكد: «إنها كانت في السابق تتراوح بين 25 و30% اليوم انخفضت الى 10 و 12%».

 

مصدرنداء الوطن - باتريسيا جلاد
المادة السابقةخطة نهوض بالقطاع المصرفي… أم خطة إضافية لتذويب حقوق المودعين؟
المقالة القادمةتحضير تمرير صيغة تجمع بين إفلاس مصارف وتصفيتها