في خضم التوترات الجيوسياسية المستمرة في منطقة الخليج العربي، يبرز تناقض صارخ في أسواق الطاقة العالمية: الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب تحقق تقدماً ملحوظاً في السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ومع ذلك يظل سعر خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.
هذا الوضع يثير تساؤلات عميقة حول ديناميكيات السوق، وعلم نفس المستثمرين، والاحتمالات المستقبلية للصراع الإيراني-الأميركي.
ووفقاً لتقارير تحليلية غربية حديثة، يبدو أن واشنطن تملك اليد العليا في معركة المضيق. صادرات النفط الخام من الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة عبر المضيق والطرق البديلة وصلت إلى نحو 80% من مستوياتها قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي. في المقابل، انخفضت صادرات إيران النفطية إلى الصفر تقريباً.
قبل أشهر قليلة، كان مثل هذا الانتعاش في الشحنات سيُعتبر انتصاراً أميركياً كبيراً. لكن الواقع الحالي مختلف: النفط لا يزال غالياً، والقلق يسيطر على الأسواق.
تشير بيانات تتبع الناقلات من شركات متخصصة مثل فورتكسا إلى أن صادرات النفط الخام من دول الخليج (السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر والبحرين) بلغت الأسبوع الماضي أعلى مستوى لها في ستة أشهر عند نحو 14 مليون برميل يومياً. هذا الرقم يمثل تعافياً كبيراً مقارنة بالذروة السلبية في منتصف مارس، حين انخفضت الصادرات إلى أقل من 4.5 مليون برميل يومياً، أي ربع المستويات الطبيعية تقريباً.
قبل الحرب، كانت هذه الدول تصدر أكثر من 17 مليون برميل يومياً (باستثناء إيران).
ويعود هذا التحسن إلى الجهود العسكرية الأميركية المكثفة. نجحت البحرية الأميركية في تطهير المضيق من الألغام البحرية سراً، وإنشاء ممر ثنائي الاتجاه بمحاذاة سواحل عمان. بدأت القوافل في البداية تتحرك ليلاً فقط، ثم امتدت إلى النهار، مما يعكس ثقة متزايدة في السيطرة على الممر. ومع ذلك، فإن التكلفة باهظة: استئجار الناقلات العملاقة يصل في المتوسط إلى 30 مليون دولار للعبور الواحد، أي نحو 15 دولاراً للبرميل. ولجذب التجار، اضطرت الدول الخليجية إلى تقديم خصومات تتراوح بين 20 و30 دولاراً تحت مستويات السوق.
لكن لماذا لا تنخفض الأسعار؟ الجواب يكمن جزئياً في سيكولوجية الأسواق. ينظر الكثيرون إلى مستوى الـ100 دولار كمعيار رمزي للنجاح أو الفشل. إذا بقي برنت تحت هذا الرقم، يُحسب الأمر لصالح ترامب؛ وإذا تجاوزه، فالعكس. حالياً، يتداول عقد نوفمبر فوق الـ100 دولار، بينما عقد ديسمبر (المرجع الرئيسي بعد انتهاء نوفمبر) أقل من ذلك بقليل. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يكون الفارق بين 99.99 و100.01 دولاراً هائلاً في تشكيل الروايات.
ويساهم هذا الإدراك في دورة ذاتية التعزيز. مع ارتفاع أسعار النفط فوق المئة دولار وارتفاع عوائد السندات، يلجأ المستثمرون إلى شراء العقود الآجلة للنفط كتحوط ضد التضخم. شوهد هذا الاتجاه في أوائل سبتمبر بعد تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5%. كما أن هناك رهاناً استراتيجياً عسكرياً: يعتقد كثير من المتداولين أن نجاح ترامب في فتح هرمز يضع طهران في زاوية ضيقة، مما قد يدفعها إلى التصعيد باستهداف الموانئ وخطوط الأنابيب والحقول النفطية نفسها.
والهجوم الذي وقع في وقت سابق من هذا الشهر على خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي، الذي يسمح بتجاوز هرمز، يُنظر إليه من قبل بعض المراقبين كبروفة لما قد يأتي. فإيران أمام خيارين: تخفيف موقفها التفاوضي أو التصعيد بطريقة تجعل المضيق غير ذي صلة. السوق مقتنعة بأن الخيار الثاني أكثر احتمالاً، خاصة مع تدهور الاقتصاد الإيراني يوماً بعد يوم تحت الحصار الأميركي.
وحتى لو تحسنت تدفقات الخام، فإن المشكلة الأعمق تكمن في المنتجات المكررة. صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات لا تزال عند نحو 50% من المستويات الطبيعية. السبب مزدوج: نقل المنتجات أغلى من نقل الخام، وبعض المصافي في الخليج التي تعرضت للهجوم في الأيام الأولى للحرب لم تستعد عملياتها بالكامل بعد. هذا النقص يغذي الضغوط التضخمية العالمية ويحافظ على حالة التوتر في الأسواق.
علاوة على ذلك، أصبحت السوق أكثر هشاشة الآن مما كانت عليه في مارس. استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها جزءاً كبيراً من احتياطياتها الاستراتيجية، وانخفضت المخزونات التجارية من الخام والمنتجات المكررة.
ومع ذلك، أظهر ترامب عتبة أعلى لتحمل الألم الاقتصادي مما توقعه كثيرون، بما في ذلك بعض المحللين الغربيين. يبدو أنه مستعد لامتصاص المزيد من الضغوط لإجبار إيران على تغيير موقفها.
ويقول مراقبون إن “السوق في وضع الانتظار والمراقبة”. إما أن تعود إيران إلى طاولة المفاوضات فتنخفض الأسعار بشكل كبير، أو تصعد بهجمات على البنية التحتية للطاقة فترتفع الأسعار بقوة. في كلا الحالتين، الوضع الحالي غير قابل للاستمرار. هذا هو ثمن “الانتصار” في هرمز.
ويعكس هذا التناقض تعقيد أسواق السلع في زمن الصراعات الهجينة. السيطرة العسكرية على ممر مائي لا تعني تلقائياً استقرار الأسعار، لأن العوامل النفسية والجيوسياسية والتكاليف اللوجستية والتحديات في سلاسل التوريد للمنتجات المكررة تلعب أدواراً حاسمة. كما أن الاعتماد على القوافل المحمية عسكرياً يخلق مخاطر إضافية، سواء من حيث التكلفة أو من حيث احتمال وقوع حوادث أو تصعيد غير محسوب.
وفي الأشهر المقبلة، سيكون التركيز على مؤشرات محددة: تطور المفاوضات (إن وجدت)، وتيرة الهجمات على البنية التحتية، ومستويات المخزونات العالمية، وحجم الخصومات التي تقدمها الدول المصدرة. إذا استمرت التدفقات عند مستويات عالية مع انخفاض تدريجي في تكاليف التأمين والشحن، فقد يبدأ الضغط الهبوطي على الأسعار. أما إذا اختارت طهران التصعيد، فإن الأسواق قد تشهد موجة صعودية جديدة، خاصة مع ضعف المخزونات.



