مؤشرات متشائمة تظهر مدى صعوبة ممارسة الأعمال التجارية

تكشف مؤشرات اقتصادية ومؤسساتية متزايدة عن تصاعد التحديات التي تواجه ممارسة الأعمال التجارية، في ظل بيئة تتسم بتعقيد الإجراءات وارتفاع كلفة التشغيل وتباطؤ وتيرة الإصلاحات.

وتعكس هذه العلامات، الصادرة عن تقارير دولية واستطلاعات لآراء المستثمرين، صورة متشائمة لمناخ الأعمال، حيث باتت الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تواجه صعوبات متنامية في التأسيس والتوسع والاستمرارية.

ويبرز من بين أبرز الإكراهات ثقل الاضطرابات التجارية والتوترات الجيوسياسية وعدم وضوح الأطر التنظيمية، إلى جانب محدودية الولوج إلى التمويل وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية.

كما تسهم التقلبات الاقتصادية العالمية، وتراجع الطلب، وضعف الثقة بالأسواق، في تعميق حالة الحذر لدى الفاعلين الاقتصاديين، ما ينعكس سلبًا على قرارات الاستثمار وخلق فرص الشغل.

وفي ظل هذه المؤشرات المتشائمة، تتزايد الدعوات إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، وتحسين الحوكمة، وتبسيط الإجراءات المرتبطة بالاستثمار والأعمال، بما يعزز تنافسية الاقتصاد ويعيد الثقة إلى مناخ الأعمال.

ويبقى تحسين شروط ممارسة النشاط التجاري عاملًا حاسمًا لتحفيز النمو الاقتصادي وضمان قدرة الشركات على الصمود في بيئة تتسم بعدم اليقين.

وأظهر مسح للمنتدى الاقتصادي العالمي، نُشر الخميس، أن الشركات ستواجه صعوبة أكبر في ممارسة الأعمال التجارية في عام 2025 نتيجة لتراجع التعاون العالمي في قضايا تشمل التجارة والمناخ والتكنولوجيا والأمن.

وأشار المسح، الذي أُجري عبر الإنترنت وشمل 799 مسؤولاً تنفيذياً من 81 اقتصاداً باستخدام عينة عالمية من شركة ماكينزي، إلى أن 43 في المئة منهم يرون أن ممارسة الأعمال التجارية أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بعام 2024.

في المقابل لم تتجاوز نسبة من رأوا عكس ذلك 7 في المئة، بينما رأى الباقون أن الأمور لم تتغير أو لم يُبدوا رأيا، بحسب بيانات المسح الذي نُشر قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس في وقت لاحق هذا الشهر.

وأشار ما يقرب من 4 من كل عشرة مسؤولين تنفيذيين إلى أن تزايد العوائق أمام التجارة واستقطاب المواهب وتدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود قد صعّب ممارسة الأعمال التجارية، بينما لم تتجاوز نسبة من رأوا عكس ذلك 10 في المئة.

وذكر المنتدى في تقريره “مقياس التعاون العالمي 2026” أن “سلسلة إعلانات التعريفات الجمركية الأميركية في عام 2025 أثارت بلا شك تساؤلات حول مستقبل التجارة”.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن في أبريل الماضي عن حزمة من التعريفات ضد شركاء الولايات المتحدة التجاريين، مما شكل اختباراً لسلاسل التوريد العالمية. وقد خفّض تدريجياً العديد من هذه الرسوم بالتزامن مع إبرامه اتفاقيات مع دول مختلفة.

وأوضح المنتدى أن عدم تسليط ستة من كل عشرة مسؤولين تنفيذيين الضوء على المشاكل التجارية يشير إلى أن الكثير منهم قد وجدوا سبلاً لإعادة ضبط إستراتيجياتهم للتغلب على هذه الاضطرابات.

ورأى 42 في المئة من المشاركين تراجعاً في التعاون في مجال السلام والأمن، مقابل 13 في المئة رأوا تحسناً فيه. كما رأى 29 في المئة أن التعاون في مجال المناخ والموارد الطبيعية يزداد صعوبة، بينما أعرب 17 في المئة عن رأيهم بأنه يتحسن.

ومع ذلك أشار التقرير إلى أن الاستثمارات العالمية الجديدة في الطاقة المتجددة ارتفعت بنحو 10 في المئة في النصف الأول من عام 2025 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024.

كما لفت إلى أن القدرة المركبة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح قفزت بنسبة 67 في المئة لتصل إلى 408 غيغاواط خلال الفترة نفسها.

وأظهر مسح موازٍ أجراه المنتدى في سبتمبر الماضي لأعضاء مجالس المستقبل العالمية التابعة له أنهم كانوا أكثر تشاؤماً من المديرين التنفيذيين بشأن حالة التعاون العالمي بشكل عام، حيث رأى 85 في المئة منهم أنه تراجع في 2025 بمقارنةً سنوية.

وفي الشهر الماضي حذرت وكالة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة من أن النظام المالي يُخاطر بتقويض التجارة العالمية إذا لم يتكيف مع احتياجات الاقتصاد، ومن المرجح أن تكون الدول النامية الأكثر معاناة.

تحسين شروط ممارسة النشاط التجاري يبقى عاملًا حاسمًا لتحفيز النمو الاقتصادي وضمان قدرة الشركات على الصمود في بيئة تتسم بعدم اليقين

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد القيود على تحويلات الدولار، واشتداد المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى، باتت آليات تمويل التجارة تواجه ضغوطًا متراكمة تهدد استقرارها وفاعليتها.

ويعتمد أكثر من 90 في المئة من التجارة العالمية على التمويل المصرفي، مع بقاء السيولة الدولارية وأنظمة الدفع عبر الحدود أساسية للتجارة الدولية.

وفي ظل عالم يعتمد بشكل كبير على شبكات معقدة من البنوك والمؤسسات المالية وشركات الشحن، فإن أي اضطراب في المنظومة قد ينعكس على الأسعار وسلاسل الإمداد ووتيرة النمو العالمي.

واستعرض خبراء الأمم المتحدة في تقييمهم للوضع آنذاك ملامح هذا التحدي غير المسبوق، والعوامل التي قادت إليه، وتأثيراته المحتملة على مستقبل التجارة الدولية.

وأشار تقرير الوكالة، التي كانت تعرف باسم “مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” (أونكتاد)، إلى أن التحولات في الأسواق المالية تُحرك التجارة العالمية الآن بقدر ما يُحرك النشاط الاقتصادي الحقيقي.

وبحسب مسؤولي الوكالة المختصة بقضايا التجارة والتنمية في البلدان النامية، فإن الظروف المالية تحدد بشكل متزايد تدفقات التجارة العالمية وتُشكل آفاق التنمية في جميع أنحاء العالم.

وقالت ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة للوكالة، في بيان آنذاك إن “التجارة ليست مجرد سلسلة من الموردين… إنها أيضًا سلسلة من خطوط الائتمان وأنظمة الدفع وأسواق العملات وتدفقات رأس المال”.

وصرحت في مقابلة مع رويترز بأن النظامين المالي والتجاري متزامنان بشكل وثيق إلى درجة أن أي ارتفاع في تقلبات السوق أو عدم اليقين سيكون له تأثير كبير على التجارة العالمية.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةترمب يقود وفداً «رفيع المستوى» لدافوس… وبيسنت ولوتنيك ورايت على رأس القائمة
المقالة القادمةلماذا يشكّل قانون الفجوة المالية خياراً أفضل للمودعين؟