مجلس الوزراء يُغطّي مخالفات مصرف لبنان… على حساب المودعين

كان الأجدى بالحكومة مساءلة المعنيين في مصرف لبنان عن مخالفات التعاميم التي أصدروها

قرار مجلس الوزراء لا يمكن تفسيره إلا على سبيل الإمعان في دعم مخالفة الدستور والقانون

قرار صدر قبل انتهاء ولاية الحاكم تحسباً لأي طارئ تعاد معه فتح لادستورية وقانونية التعاميم

قرار الحكومة لذر الرماد في العيون… لقد صدر متأخراً too late بعد خراب البصرة

تعاميم غير دستورية مست الملكية الشخصية والإقتصاد الحر، وضررها سيكون عميقا لأجيال مقبلة

مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان لم يسجل أي اعتراض على التعاميم المذكورة عند صدورها

إجتماع في قصر بعبدا أفضى إلى الغاء قرار وقف العمل بالتعميم المخالف وتجميد النظر بالطعن

موقف مجلس الشورى شجع مصرف لبنان على التمادي بإصدار التعاميم المجحفة والمخالفة للقانون

مصرف لبنان يعتمد على مادتي 70 و174 من قانون النقد والتسليف وهو لم يحقق أياً من أهدافه

يجب أن تعهد أمور المصارف إلى مدراء موقتين لإدارة أموال المودعين بشكل أصولي غير استنسابي

«من علائم قرب انهيار الأمم،

إصدار القوانين والقرارات المجنونة»!

(خطيب روما المفوّەماركوس توليوس شيشرون)

اتخذ مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة المنعقدة مؤخراً بتاريخ 18 نيسان، بنتيجة الاستماع الى عرض وزير المالية حول الازمة المالية، قراراً يتعلق بالسحوبات والتحويلات المصرفية يمكن التعليق عليها كالتالي:

أولاً: إجراءات سقوف السحوبات

تنص الفقرة الاولى من القرار على الطلب من المصرف المركزي إتخاذ الإجراءات الضرورية والمناسبة لالزام المصارف بسقف السحوبات المتاحة ( سحباً او تحويلاً) وفقا للتعاميم ذات الصلة

وزير المالية الدكتور يوسف الخليل فاته في عرضه للامور امام مجلس الوزراء الاشارة الى ما تتضمنه الاسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف من ذكر بان مصرف لبنان غير ملزم بقبول اي تعليمات خارجية بخصوص ما يدخل ضمن دائرة اختصاصه. ولو فعل لكان اقفل الباب منذ البداية على النقاش او صوّبه باتجاه معاكس وهو حث مجلس الوزراء على اتخاذ قرار معاكس اي مطالبة المعنيين في مصرف لبنان بالرجوع عن التعاميم المصدرة بشكل واضح خلافاً للقانون.

استقلالية مصرف لبنان

فالمادة 13 من قانون النقد والتسليف تنص على ان مصرف لبنان « شخص معنوي من القانون العام يتمتع بالاستقلال المالي، ولا يخضع لقواعد الادارة وتسيير الاعمال والرقابات التي تخضع لها مؤسسات القطاع العام».

وتضيف الاسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف «ان استقلال مصرف لبنان ازاء السلطات السياسية هو بذات اهمية استقلاله عن القطاع الخاص وبالتحديد المصارف. فلا منح الامتياز ولا منح الرأسمال من قبل الحكومة يجعلا من مصرف لبنان مصلحة تابعة لها. لا شك أن منح امتياز يجب ان يحاط بضمانات، وهذا ما تؤمنه أحكام المشروع الذي ينظم عمليات المصرف المركزي وينظم ايضاً رقابة الدولة عليه…»·

وقد حددت المادتان 41 و43 من قانون النقد والتسليف اجراءات الرقابة. فذكرت ان مديراً عاماً لدى وزارة المالية يحمل لقب مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان هو الذي يقوم بها، فتبلغ اليه فوراً قرارات المجلس المركزي وله خلال اليومين التاليين للتبليغ ان يطلب من الحاكم تعليق كل قرار يراه مخالفاً للقانون والانظمة ويراجع وزير المالية بشأنه. واذا لم يبت بالامر خلال 5 ايام من تاريخ التعليق يمكن وضع القرار بالتنفيذ.

إقتطاعات وإطفاء خسائر

جميع التعاميم التي صدرت عن مصرف لبنان بعد الازمة، على الاخص المتعلقة بسقف السحوبات من الودائع بالعملات الاجنبية وتحويلها كلياً او جزئياً الى الليرة اللبنانية على اسعار صرف للدولار اقل من المعدلات الواقعية المتعامل بها، ما افضى الى اقتطاعات قاسية راوحت ما بين الـ 65 والـ 80% لاطفاء ما تيسر من خسارات المصارف وايضا خسارة مصرف لبنان بطريقة منتقدة من قبل بنك التسويات الدولية الـ BIS لآثارها التضخمية كما هو حاصل الآن، هي تعاميم «غير دستورية» لانها تمس بالملكية الشخصية وبالاقتصاد الحر، وضررها سيكون عميقاً ولأجيال مقبلة حيث سيتردد المودعون كثيراً في المستقبل قبل ايداع اموالهم في المصارف خصوصاً بالعملات الاجنبية، وهم يعلمون ان لا شيء يحول دون تكرار ما حصل مع اسلافهم.

ايضا التعاميم المذكورة هي «غير قانونية « وتخالف بشكل صارخ المادة 307 من قانون التجارة التي تشير صراحة الى حق المودع باسترداد وديعته «بقيمة معادلة لها». وقد اوضحت الاسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف مضمون حق المودع باسترداد وديعته فشبهته حرفياً «باسترداده لها كما لو كانت محفوظة في صندوقه الخاص».

للاسف مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان لم يسجل اي اعتراض امام وزير المالية على التعاميم المذكورة عند صدورها.

تواطؤ بعبدا وشورى الدولة

لكن الاعتراض حصل امام مجلس الشورى. والذي حدث ان المجلس الاخير اتخذ سريعاً قراراً بوقف العمل بالتعميم المطعون فيه ريثما يصار الى البت نهائياً بالامر. بيد ان اجتماعاً عاجلاً في القصر الجمهوري دعا اليه الرئيس السابق ميشال عون في 3 حزيران 2021 وضمه الى مستشاره القانوني سليم جريصاتي ورئيس مجلس الشورى وحاكم مصرف لبنان للنظر بالموضوع افضى الى الغاء قرار وقف العمل بالتعميم وتجميد النظر بالطعن.

موقف مجلس الشورى شجع مصرف لبنان على التمادي باصدار التعاميم المخالفة للقانون. من اهمها انشاؤه منصة «صيرفة» التي حولت اللبنانيين الى مضاربين بكل معنى الكلمة، وأمنت للمصارف ومدرائها ونفراً من المتعاملين معها ارباحاً استثنائية غير مبررة. اذ لا يوجد نص قانوني يجيز انشاء «صيرفة» في مصرف لبنان، كما هو الامر بالنسبة لغرف المقاصة (المادة 80)، بدلاً من المكان الطبيعي لتداول العملات في بورصة بيروت.علماً ان المادة 83 من قانون النقد والتسليف تنص صراحة انه في الحالات «الاستثنائية» التي يقرر فيها مصرف لبنان بيع وشراء الدولار من الجمهور فان الامر يحصل «مباشرة»، اي من خلال صناديقه وليس من خلال صناديق المصارف والصيرفة وغيرها كما تذكر المادة 82.

قرار مجلس الوزراء بمطالبة مصرف لبنان «إتخاذ الإجراءات الضرورية والمناسبة لالزام المصارف بسقف السحوبات المتاحة وفقاً للتعاميم ذات الصلة «لا يمكن تفسيره الا على سبيل الامعان ودعم مخالفة الدستور والقانون».

مخالفات في تطبيق المادتين 70 و174

فالتعاميم ذات الصلة صدرت استناداً للمادتين 70 و174 من قانون النقد والتسليف، وهما مادتان استند اليهما ايضاً قرار مجلس الوزراء لتبرير قراره، فاوقع نفسه بذات التشويه المرتكب من قبل مصرف لبنان.

فالمادة 70 تعدد مهام مصرف لبنان، فتذكر انها المحافظة على: (1) سلامة النقد و(2) المصارف و(3) السوق المالية والنقدية و(4) تطوير وسائل الدفع.

من التدقيق بالمتحصل من تعاميم مصرف لبنان المصدرة منذ اندلاع الازمة، منذ ثلاث سنوات ونصف، وبالاستناد الى المادة 70 يتبين جلياً انها لم تحقق اياً من المهام المعددة اعلاه على الوجه المطلوب.

فالليرة اللبنانية فقدت 97% من قيمتها، والقطاع المصرفي يوصف من قبل الداخل والخارج بانه بات قطاع زومبي، والاسواق المالية والمصرفية تحولت الى اسواق صرافة و»صيرفة» غير نظامية، وادوات ووسائل الدفع تقلص التعامل بها الى الحد الادنى.

هكذا امور لو حصلت في بلد متقدم، كالمانيا على سبيل المثال، لكان بامكان اي مواطن متضرر مراجعة المحكمة الدستورية في Karlsruhe لابطال القانون او القرار او التدبير الذي صدر لتحقيق غاية معينة ثبت مع الوقت عدم جدواه في تحقيق المطلوب منه او الغاية المتوخاة منه، والحجة في الابطال رفع الضرر المتحصل بغير حق.

بالنسبة للمادة 174، يتضمن نصها منح مصرف لبنان الصلاحيات التالية:

• اعطاء التوصيات واستخدام الوسائل التي من شأنها ان تؤمن تسيير عمل مصرفي سليم.

• وضع التنظيمات العامة الضرورية لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها بعد استطلاع رأي جمعية مصارف لبنان.

• تحديد وتعديل قواعد تسيير العمل التي على المصارف التقيد بها حفاظاً على حالة سيولتها وملاءتها.

من التدقيق بالمتحصل من تعاميم مصرف لبنان الصادرة بالاستناد الى المادة 174 يتبين ان المرجو والمبتغى من هذه التعاميم لم يتحقق ايضا:

o فلم ينتظم العمل المصرفي بشكل سليم، ولم تتآمن العلاقة الحسنة بين المصارف ومودعيها وعملائها لا بل تنبئ الانحرافات الحاصلة في اداء القيمين على ادارات المصارف بمستقبل جد قاتم لهذه المصارف، لان الذاكرة ستختزن بالتأكيد ولوقت طويل ممارسات المصرفيين السيئة.

o ايضا لم تتمكن المصارف من اعادة تكوين مراكزها الاساسية على الاخص مراكز الملاءة والسيولة. والامر الاخير اقر به صراحة امين عام جمعية المصارف السيد فادي خلف في مقال منشور على موقع جمعية المصارف.

من جهة اخرى، تشير الأسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف في شرحها للمادة 174 ان المقصود بالاحكام الواردة في هذه المادة هي قواعد عامة معتمدة في مختلف القوانين المقارنة، فهي مثل «اشارات وقواعد قانون السير «بحيث لا يجوز، تضيف الشروحات، التدخل بالاستناد اليها، اي الى المادة 174، في تفاصيل العمليات. وهو ما لم تتقيد به تعاميم مصرف لبنان التي يطالب قرار مجلس الوزراء الالتزام بها. فالتعميم 158 مثلاً يتناول تفصيلات يصعب فهمها حتى على رجل القانون، ذات الامر بالنسبة للتعاميم المتعلقة بـ»صيرفة».

الليلرة القسرية!

ايضا تقضي التعاميم المعنية باجراء «ليلرة» قسرية، بالكامل او جزئية، للسحوبات من الحسابات المصرفية بالعملات الاجنبية. وقد استند مصرف لبنان في تقريره لهذه «الليلرة» الى المادة 7 من قانون النقد والتسليف التي تتحدث عن «قوة ابرائية غير محدودة» للاوراق النقدية اللبنانية تحت طائلة تعرض المتمنع عن قبول الايفاء بها لاحكام المادة 319 من قانون العقوبات وذلك عملا بالمادة 192 من قانون النقد والتسليف

تفسير خاطئ للمادة 7 يناقض الشروحات الفقهية واحكام القضاء الواضحة لمضمون القوة الابرائية التي تتناول حصرياً النقود القانونية وليس نقود الحسابات المصرفية (يراجع المقال المعنون: مصرف لبنان يتعمّد تفسيراً مغلوطاً للمادة 7 من قانون النقد والتسليف، نداء الوطن 15 آذار 2023).

ايضا اسعار الصرف المعتمدة في التعاميم المعنية تم تحديدها ادارياً من قبل مصرف لبنان خارج اطار التدارس والتشاور مع مجلس الوزراء الذي تحدده المادة 65 من الدستور، المعطوفة على المادة 33 من قانون النقد والتسليف، وايضاً اتجاهات السوق الذي تشير اليه المادة 75 من القانون الاخير. ما افرز اكبر الضرر والخسارة على اصحاب الودائع بالعملات الاجنبية الذين اطمأنوا الى تأكيدات الحاكم بمتانة الليرة والقطاع المصرفي.

كذلك التعاميم المحكي عنها صدرت عن مصرف لبنان على انها «بصورة استثنائية»، وها هي تجدد لاكثر من ثلاث سنوات ما ينزع عنها الصفة الاخيرة وبالتالي اي حجة تبرر مسها وتطاولها على حقوق يكفلها الدستور للملكية الخاصة.

بنوك فاقدة للسيولة والملاءة

اخيراً فان اقرار امين عام جمعية المصارف الصريح بان اغلب المصارف ليس لديها السيولة الكافية بالعملات الاجنبية للوفاء بالالتزامات الواردة في مشاريع قوانين الكابيتال كونترول، كما اقرار التقارير المتتالية الصادرة من مراجع محلية ودولية عن فقدان اغلب المصارف لرؤوس اموالها يطرح سؤالاً حيوياً هو الصفة التي تبرر لادارات المصارف المعنية الاستمرار في مراكزها واتخاذ القرارات بخصوص اموال المودعين وايضا قانونية ومسؤولية مصرف لبنان بالاستمرار بالتعامل مع هذه الادارات، بدلا ان تعهد امور المصارف المذكورة الى مدراء موقتين تعينهم الهيئة المصرفية العليا لادارة اموال المودعين بشكل اصولي غير استنسابي.

حكومة ترسخ المخالفات

بالخلاصة، فان مجلس الوزراء، بدلاً من ان يلفت مصرف لبنان الى الآثار السلبية والمعاكسة والمخالفة لمرمى المادتين 70 و174 اللتين استند اليهما في اصداره لتعاميمه، وبدلاً من ان يطالب حاكم مصرف لبنان باحالة المصارف التي فقدت رساميلها ومراكز سيولتها ولم تتمكن من اعادة تكوينها لتاريخه على الهيئة المصرفية العليا لتعيين مدراء موقتين لها عملاً باحكام المادة 208 من قانون النقد والتسليف، عمد خلافاً للمنطق وللدستور وللقانون الى مطالبة مصرف لبنان بإتخاذ الإجراءات الضرورية لالزام المصارف بالاستمرار بتعاميمه وبمندرجاتها التي تهدر حق المودع باسترجاع وديعته كاملة «كما لو كانت من صندوقه الخاص» بتعبير الاسباب الموجبة لقانون النقد والتسليف !

امر سوريالي بكل معنى الكلمة: يزيد في سورياليته ان المادة 208 المحكي عنها تتضمن وجوب احالة المصرف الذي يخالف قانون النقد والتسليف، وضمناً المادة 307 من قانون التجارة التي تشير اليها المادة 121 المعطوفة على المادة 123 من القانون الاخير، اي قانون النقد والتسليف، امام الهيئة المصرفية العليا. لكن الذي حصل هو ان مصرف لبنان هو الذي بادر وطالب المصارف بمخالفة المادة 307 المذكورة بالسماح لها بتقييد السحوبات بأسقف معينة ومقترنة بهيركات قاسٍ يتضمن اثراء غير مشروع (يقتضي ملاحقته جزائياً) واثراء بلا سبب (يقتضي مطالبة التعويض عنه مدنيا).

ثانياً: الإيهام بالمساواة

تنص الفقرة الثانية من قرار مجلس الوزراء على الطلب من مصرف لبنان الزام المصارف بالتعامل مع مودعيها وعملائها «بشكل يساوي في ما بينهم وعدم إعطاء أولوية لوديعة على اخرى او على اي إلتزام آخر بالعملة الأجنبية مهما كان نوعه او مصدره».

الاسترجاع التاريخي للاحداث يظهر تخبطاً صارخاً في موضوع الاستنسابية في التعامل: فاول ردة فعل على انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 اتت من المصارف اذ اقفلت ابوابها لعدة ايام قامت خلالها باجراء تحويلات مالية كثيفة للخارج لصالح العديد من النافذين والمحظيين سياسياً وادارياً ودينياً ومصرفياً وغيرهم…..تحت حجة ان الدستور يتحدث عن ان الاقتصاد حر ويكفل المبادرة الفردية.

واول تحرك من المسؤولين كان بعد حوالى الثلاثة اسابيع مساء 10 تشرين الثاني 2019 باجتماع عُقد في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون وحضور حاكم مصرف لبنان، ووزيري المال والاقتصاد علي حسن خليل ومنصور بطيش، ورئيس جمعية المصارف والمستشار سليم جريصاتي. لم يخرج المجتمعون منه باي قرار صريح بخصوص الكابيتال كونترول.

تسلسل تناقضات المواقف

في اليوم التالي للاجتماع عقد الحاكم مؤتمراً صحافياً في قاعة المحاضرات في الطابق السابع من مبنى مصرف لبنان اكد فيه وبحزم حرفياً التالي:

• لا هيركات اي لا اقتطاع من الودائع ابداً.

• لا كابيتال كونترول، فهذا الأمر غير وارد لأن لا صلاحية لمصرف لبنان بالقيام بذلك وهو لا يريده أصلاً.

• في 17-11-2019 اي بعد اسبوع واحد من المؤتمر الصحافي للحاكم اصدرت جمعية مصارف لبنان بياناً مناقضا ذكرت فيه ان مجلس إدارتها عقد اجتماعاً اقر فيه، بعد التشاور مع مصرف لبنان، عدداً من التدابير المصرفية المؤقتة التي تتطلبها الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد حرصاً على مصالح العملاء اهمها (1) حصر التحويلات الى الخارج بالنفقات الشخصيّة الملحّة و(2) تحديد المبالغ النقدية الممكن سحبها أسبوعياً لأصحاب الحسابات الجارية بالدولار.

بعد حوالى الثلاثة اسابيع بالتحديد بتاريخ 9 كانون الثاني 2020 وجّه حاكم مصرف لبنان إلى وزير المالية كتاباً عنونه « طلب ااتخاذ اجراءات استثنائية». ذكر فيه «ان الظروف الاستثنائية حملت المصارف على اتخاذ عدد من التدابير الموقتة منها فرض قيود على التحاويل المصرفية الى الخارج وعلى سحب الاوراق النقدية، لكن التطبيق اقترن بمقاربة غير متساوية بين العملاء، كما ان النصوص القانونية المرعية الاجراء لا تولي مصرف لبنان صلاحية تنظيم او تعديل هذا النوع من الاجراءات الاستثنائية لذا نطلب من دولتكم السعي لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة من قبل السلطة ذات الصلاحية لتكليف مصرف لبنان بالصلاحيات الاستثنائية اللازمة لاصدار الانظمة المتعلقة بمعالجة الاوضاع المشار اليها».

نبيه بري يتدخل

الجواب أتى من جانب اوساط الرئيس نبيه بري، الذي هو مرجعية وزير المال بصريح زعم الوزير غازي وزني، فقد ذكرت هذه الاوساط:

• انّ ما يُشاع ويُذاع حول ضرورة قوننة «الكابيتال كونترول» هو امر يهدف الى الحاق الضرر بالمودعين ولا سيما اصحاب الودائع بالدولار.

• إنّ المادة 174 من قانون النقد والتسليف تخوّل الحاكم الزام المصارف بتنظيم المعاملات مع المودعين، موقف اكد عليه وزير الثقافة والزراعة المحسوب على حركة امل، السيد عباس مرتضى في اجتماع لحكومة الرئيس حسان دياب، اذ قال حرفياً «وفق المادة 174 من قانون النقد والتسليف فإنّ هذا الامر هو من صلاحيات الحاكم، لماذا نتحمّله نحن كحكومة ونشرّع مخالفات للمصارف؟».

• انّ رئيس المجلس سبق واكّد خلال احد الاجتماعات الرئاسية في بعبدا انّ «الكابيتال كونترول» لا يمكن ان يُقونن، فهو مخالف للدستور، والنص على ذلك واضح في مقدمته التي تنص في الفقرة «و»، على انّ «النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة». والامر نفسه يتعلّق بما يُسمّى «الهيركات» فهذا الامر «ما بيمشي» حتى بتعديل دستوري، والنص حوله وارد في مقدمة الدستور الفقرة «و».

التوجهات السابقة اكدها الرئيس بري شخصياً اذ دعا في 14 نيسان 2020 الى «قراءة الفاتحة والترحم على «الهيركات» كما تم الترحم على «الكابيتال كونترول» مؤكداً ومردداً مرة اخرى بـ «عدم المس بأموال المودعين التي هي «قدس الاقداس».

استدارة 180 درجة

الاجواء السياسية السابقة دفعت الحاكم الى الاستدارة 180 درجة والبدء باصدار سلسلة تعاميم في منتهى الخطورة تناقض كليا وبشكل واضح (1) الدستور والقانون و(2) ما سبق ان جزم به قبل ستة اشهر في 11 تشرين الثاني 2019 في مؤتمره الصحافي بان لا» «هيركات» ابداً وبان لا «كابيتال كونترول» فهذان الأمران غير واردين لأن لا صلاحية لمصرف لبنان بالقيام بذلك !!!وهو لا يريده أصلاً !!!».

التعاميم التي اصدرها مصرف لبنان تعلقت بتقييد السحوبات ووضع سقوف لها ولم تتعرض لاي قيود على التحويل للخارج على اعتبار ان هذه الامور تناولتها تعليمات خاصة هي قانون الدولار الطالبي وآليات عمليات الاستيراد والدعم من خلال «صيرفة» وغيره.

خروقات مستمرة الى اليوم

في الاسابيع الاخيرة تناول الاعلام عدداً من الحالات التي ثبت فيها عدم التقيد بالقيود وبالضوابط على السحوبات والتحاويل آخرها.

فقبل حوالى الشهر بالتحديد في 22 اذار الماضي صرح نائب رئيس مجلس النواب السيد الياس بو صعب، الذي ورد اسمه في وثائق باناما الى جانب آخرين منهم مرشح لرئاسة الجمهورية وعاملون وعاملات في مصرف لبنان، من مجلس النواب «بانه ولغاية الشهرين الماضيين هناك «عدد كبير» من النافذين ما زالوا يرسلون اموالهم الى الخارج منهم سياسييون ورجال اعمال وهناك البعض منهم ضباط وقضاة «وهذه المعطيات مؤكدة» بان تحاويل النافذين للخارج ما زالت مستمرة ولم تتوقف لتاريخه». وبعدها تم التداول بصور عن عملية تحويل قامت بها زوجة احد النافذين قضائياً كما تم توقيف مسافر في المطار وبحوزته مبلغ كبير من الدولار كان قد سحبه نقداً من احد المصارف وغيره…ما يشبر الى عدم وجود التزام صارم ودقيق من قبل المصارف لا بما اوردته في بيانها في 17-11-2019 ولا بتعاميم مصرف لبنان ذات الصلة.

مما سبق واضح ان قرار مجلس الوزراء صدر لذر الرماد في ما خص تقييد التحويلات والحد من الاستنسابية. وصدر على كل حال متاخراً too late بعد خراب البصرة، وهو من حيث الشكل برسم المستقبل ولا يتعرض ابداً للخروفات الفاقعة التي حصلت في الماضي منذ اندلاع الازمة وما زالت مستمرة بشكل متقطع للامس القريب.

ثالثاً: ما خص الأموال “الفرش”

تنص الفقرة الثالثة من قرار مجلس الوزراء على الطلب من مصرف لبنان الزام المصارف بالاستمرار بمنح عملائها حرية التصرف في الأموال الجديدة (FRESH).

فكرة الاموال او الودائع الجديدة استنبطها التعميم الاساسي رقم 150 تاريخ 9 نيسان 2020، الذي قضى باعفاء المصارف من اي توظيف الزامي لدى مصرف لبنان عن الودائع بالعملات الاجنبية التي تتلقاها بعد 9 نيسان 2020 شرط منح اصحابها حرية استعمالها بكافة الخدمات المصرفية، بما في ذلك التحويل الى الخارج على ان تحفظ هذه الاموال لدى المصرف او لدى مصرف مراسل في حساب حر غير مقيد باي التزامات.

منطقة مصرفية حرة؟

التعميم المذكور منتقد للأسباب التالية:

• انه يقيم عملياً «منطقة مصرفية حرة» لدى المصارف خاصة باصحاب الودائع الجديدة بالعملات الاجنبية ما بعد 9 نيسان 2020. وهذا الامر غير ممكن بقرار اداري ولا حتى بقرار من مجلس الوزراء بل يتطلب قانوناً خاصاً على غرار ما حصل بالقانون المحال الى مجلس النواب بالمرسوم 8083 تاريخ 29 ايار 1974 والذي انشأ «منطقة مصرفية حرة» خاصة بودائع غير المقيمين بالعملات الاجنبية واعفيت بمقتضاه المصارف من تكوين الاحتياطي الالزامي على هذه الودائع.

• انه يقضي كليا على فكرة اعادة تكوين ودائع ما قبل 9 نيسان 2020 بالعملات الاجنبية التي اشار الحاكم الى حصولها لاول مرة في مقابلة تلفزيونية في شهر آب 2021 لتطمين المودعين على ودائعهم، بعد ان كان يعلن قبل هذه المقابلة ان الودائع بخير وهي موجودة لدى المصارف؟؟

• انه يعتبر ضربة حاسمة لا بل قاضية للقطاع المصرفي سندا لكتابات Diamond و Dybvig و Ben Bernenke الحائزين على جائزة نوبل للاقتصاد في مطلع السنة الجارية لابحاثهما عن تفاقم الازمات المالية. فقد ركزا على اهمية استمرار استقبال المصارف للودائع الجديدة اذ هي الاداة التي تعالج من خلالها الهشاشة في سيولتها المتأتية من عدم تطابق آجال الودائع والقروض خصوصاً في وقت الازمات. وقد اتى التعميم 150 ليقضي على المرتجى والمبتغى من هذه الامكانية بقطع السبيل امام استعمال الودائع الجديدة بالعملات الاجنبية ولو بجزء منها لتوفير السيولة للحسابات بهذه العملات والقائمة قبل 9 نيسان 2020 (من غير المفهوم ولماذا ليس قبل 19 تشرين الاول 2019؟؟؟) ما يعتبر تذويبا وربما قضاء على الحسابات الاخيرة بقرار اداري ارادي في منتهى الخطورة، ومخالف بشكل صارخ وفج واقع للدستور قبل ان يكون مخالفا لموجبات مصرف لبنان بالحفاظ على القطاع المصرفي وودائع الناس لديه حسب منطوق المادة 70 من قانون النقد والتسليف التي استند اليها تعميم مصرف لبنان رقم 150 وقرار مجلس الوزراء الجاري مناقشته.

و»مشروع قانون الكابيتال كونترول» العالق حالياً في المجلس النيابي يتضمن منذ البداية فكرة الفصل بين الحسابات القديمة والجديدة تدعيماً لتوجهات مصرف لبنان. واغلب الظن لا بل من المؤكد ان المجلس الدستوري سيبطل في حال اقرار مشروع القانون، النصوص المتعلقة بهذا التمييز بين الحسابات لانها اهدار واضح وارادي للملكية الخاصة ونحر مقصود للقطاع المصرفي في لبنان

(*) استاذ محاضر في قوانين النقد والتسليف والبنوك المركزية

الخلاصة

رب سائل في النهاية عن جدوى قرار مجلس الوزراء بعد التعليقات السابقة والتفصيلية لمندرجاته ! للجواب على هذا التساؤل يقتضي الرجوع بداية الى كتاب حاكم مصرف لبنان والى وزير المالية في 9 كانون الثاني 2020. وقد اشرنا الى موضوعه وخلاصته اعلاه وهو» الطلب من الاخير السعي لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة من قبل السلطة ذات الصلاحية لتكليف مصرف لبنان بالصلاحيات الاستثنائية اللازمة لاصدار الانظمة المتعلقة بمعالجة الاوضاع الاستثنائية الناشئة، واتخاذ المصارف عدداً من التدابير المؤقتة منها فرض قيود على التحاويل المصرفية الى الخارج وعلى سحب الاوراق النقدية».

مرمى كتاب الحاكم واضح وهو استصدار قانون يسمح لمصرف لبنان باتخاذ «قرارات استثنائية» لا تدخل ضمن مهامه وتتجاوزها في حينه مؤقتا لمعالجة الاوضاع المستجدة، من دون ان تكون هذه القرارات عرضة للطعن فيها بعد اسنادها الى تكليف قانوني. وايضا لتجنيب مصرف لبنان والقيمين عليه اية مسؤولية قد تترتب عليها تعويضات مستقبلية طائلة على ضوء الاحكام التي بدات تظهر في اوروبا مستجيبة لمطالبة السلطات المصرفية الناظمة والرقابية بهكذا تعويضات عن تقصيرها وتجاوزاتها وانحرافاتها.

وقرار مجلس الوزراء هو بالحقيقة قرار استلحاقي صدر(1) بعد التاأخر باصدار التكليف التشريعي والمطلوب من مصرف لبنان عام 2020 لتمكينه من اصدار ما اصدره من تعاميم و(2) بعد التعثر في اقرار قانون للكابيتال كونترول يتبنى بشكل ضمني مضمون التعاميم االمذكورة. فكان اللجوء الى قرار مجلس الوزراء الحل المتبقي لتمرير موافقة ضمنية ومتأخرة على هذه التعاميم قبل انتهاء ولاية الحاكم وتحسباً من طارئ تعاد معه فتح الملفات على وجه تثار فيها دستورية وقانونية التعاميم الصادرة كما مسؤولية المعنيين بها بمن فيهم المتقاعسون عن البت بالمخاصمات المطروحة بشأنها امام مجلس الشورى.

ايضا قرار مجلس الوزراء يبقى الحل المتبقي للعاملين على تمويه الامور بعد ان تبين من مشاريع قوانين الكابيتال كونترول خصوصا النسخ الاخيرة منها مطالبة المصارف بسقوف سحوبات اعلى من المعتمدة حاليا في ظل توجهات ملازمة تتحدث عن ضرورة توحيد اسعار الصرف، ما سيكشف واقع نضوب السيولة بالعملات الاجنبية لدى القسم الاكبر منها او لديه كله، ويستدعي عندها وحكماً اما تعيين مدير مؤقت لكل منها كما سبقت الاشارة اليه اعلاه او السير باجراءات التوقف عن الدفع القضائية وما يستتبع في الحالتين من اجراءات حجز ملكية وتعقبات لاصول وملاحقات قضائية وغيرها….، فكان الحل قرارا من مجلس الوزراء يصدر ويمدد بشكل مخالف للدستور وللقانون «استثنائياً» ما سبق الاعلان عنه سابقاً قبل ثلاث سنوات بانه ايضاً «استثنائي» وهو توجه يفاقم الازمة ويوسع من دائرة المسؤولين عنها!

مصدرنداء الوطن - توفيق شمبور
المادة السابقةالحكومة توضح للنواب كيفية إعادة الإنتظام للقطاع المصرفي
المقالة القادمةدولرة رسوم إشغال الأملاك البحرية… خطوة ناقصة تثير جدلاً طائفياً