يعتبر “بور” بيروت المرفأ الرئيسي والأكبر في لبنان من حيث حركة البضائع والحاويات، التي ما زالت قوية ومتنامية رغم الضرر الكبير الذي لحق به جراء انفجار المرفأ في آب 2020. واستنادًا إلى الأرقام الأخيرة التي حصلت عليها “نداء الوطن”، يتبين أن الحركة في مرفأ بيروت ارتفعت، لناحية وزن وعدد المستوعبات على السواء. فكيف سيكون الوضع بعد بدء عمل آلة السكانر الحديثة الموجودة في المرفأ؟
سجّل وزن البضائع التي دخلت إلى مرفأ بيروت في الأشهر العشرة الأولى من العام 2025 ارتفاعًا بنسبة نحو 15 % إلى 5,328,704 أطنان، مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية 2024 وحتى نهاية تشرين الأول، فيما زاد عدد المستوعبات بنسبة نحو 18 % خلال الفترة نفسها إلى 756,457 مستوعبًا.
من المتوقع في بداية العام الجديد أن يتمّ تشغيل آلة التصوير الضوئي أو “السكانر” الحديثة التي استقدمتها شركة CMA CGM بالتعاون مع إدارة الجمارك اللبنانية بنحو 10 ملايين دولار وذلك للحدّ من التهريب والتهرّب الجمركي في المرفأ، وسيتم ربط أجهزة السكانر بالجمارك والجيش بهدف تدقيق الصور الإشعاعية وضمان عدم وجود بضائع مهربة ضمن المستوعبات سواء في مرحلة التصدير أو الاستيراد عبر مرفأ بيروت .
الكشف الإشعاعي
حول أهمية السكانر، يقول مدير مرفأ بيروت الحالي مروان النفي لـ “نداء الوطن” إن خطوة “بدء العمل بآلات السكانر ستكون بمثابة نقلة نوعية في مراقبة الحاويات والبضائع. فهذه الأجهزة تتيح الكشف الدقيق والسريع عن المواد الممنوعة أو المخالفة، ما يعزز الأمان الجمركي ويقلّل الأخطاء البشرية. كما أنها تسرّع دورة التفتيش، فمع قدرة هذه الأجهزة على فحص نحو 100 حاوية في الساعة، لن تبقى الحاويات لفترات طويلة داخل المرفأ، حيث سيتم استبدال الكشف اليدوي بالكشف الإشعاعي، مما يسرّع عمل المستوردين والمصدرين ويزيد من شفافية العمليات التجارية عبر المرفأ. باختصار، جهاز السكانر الجديد يعني مرفأ أكثر أمانًا، أكثر كفاءة، وأكثر جذبًا للشركات الملاحية العربية والدولية”.
عن مدى زيادة جهاز السكانر حركة البضائع والحاويات، يعتبر النفي أن “الرقم نفسه يعطي مؤشرًاا واضحًا: قدرة السكانر على فحص 100 حاوية في الساعة ستقلّل فترات الانتظار بشكل ملموس، ما يشجّع المستوردين والمصدرين على اختيار مرفأ بيروت كوسيلة للتوريد والتصدير. هذه الحركة المتزايدة ستعود بالفائدة على صعيد الإيرادات الجمركية، من خلال تعزيز الرقابة وتأكيد سلامة البضائع، والإيرادات المرفئية. كما تتحسّن دورة المناولة وجعل الإجراءات أكثر سلاسة وشفافية. بالإضافة إلى حجم الحركة، سيحسّن هذا الأداء سمعة المرفأ كمرفق سريع وموثوق، ويعزز صدارته في إطار المنافسة الإقليمية، مما يساهم في إعادة مرفأ بيروت إلى موقعه الطبيعي في شرق المتوسط”.
طبعًا لدى النفي الذي تمّ تعيينه في تشرين الثاني الماضي خطة لتنشيط الحركة في المرفأ، حول ذلك لفت إلى أنه من أجل “تحفيز حركة المرفأ وتحسين أدائه، تعمل الإدارة على سلسلة من المبادرات العملية التي تركز على تعزيز الكفاءة التشغيلية ورفع مستوى الخدمات، بما يعزز تجربة المستوردين والمستثمرين، ويجعل المرفأ أكثر قدرة على المنافسة الإقليمية. من بين هذه الخطوات: تعزيز البنية التحتية الرقمية، تسريع عمليات التفتيش، تشجيع الشركات الملاحية من خلال تقديم بعض الحوافز، وتنويع الخدمات عبر تطوير مناطق لوجستية وخدمات إضافية لجذب العملاء والمستثمرين. الهدف الأساس، هو أن يصبح مرفأ بيروت أكثر جاذبية وأسرع في الأداء وأكثر قدرة على المنافسة الإقليمية، ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد الوطني”.
مسار الاستيراد عبر المرفأ
فور نزول الحاوية من السفينة يتم تخزينها في المرفأ إلى حين قيام المستورد أو مخلّص البضائع بتقديم الوثائق الرسمية الضرورية مثل بوليصة الشحن، (Bill of Lading)، إذن التسليم والفاتورة التجارية وقائمة التعبئة، والتصريح الجمركي عن البضائع بهدف إتمام عملية التخليص الجمركي.
بعد تقديم التصريح الجمركي عبر نظام الجمارك المعلوماتي تسلك المعاملة إما المسار الأحمر: للبضائع التي تحتاج إلى تفتيش يدوي أو المسار الأخضر: للبضائع التي سمح لها بالمرور بدون فحص شامل وهذا التقسيم يعتمد إلكترونيًا” على تحليل المخاطر وفق معايير تضعها الجمارك .
حاليًا، تعتمد الجمارك اللبنانية الوسائل التقليدية في التفتيش مع الاعتماد على جهاز “سكانر” واحد قديم وبطيء لكن مع التحديثات التي حصلت اليوم فإن أجهزة الـ X-ray المعتمدة ستكون عالية الدقة لفحص محتوى الحاويات بعد تفريغها من السفينة مباشرة وتدقيق الصور المستخرجة قبل دخولها البلد في وضع الاستيراد أو تحميلها على السفينة عند التصدير، وسيتم اللجوء إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والتعرف على محتوى الحاويات بسرعة، فهذه التكنولوجيا موجهة لتسريع المناولة والتقليل من التهريب ومن ادخال أو اخراج سلع غير مصرح بها.
مسار التصدير
إجراءات التصدير بدورها تشبه إلى حد كبير الإجراءات الجمركية الدولية لكن وفق القوانين اللبنانية وتشمل مجموعة من الخطوات الرسمية والوثائق التي يجب استكمالها قبل تصدير البضائع إلى الخارج. وهي تعتمد على تقديم التصريح الجمركي الذي يتضمّن كافة المعلومات حول البضائع المصدّرة مثل قيمتها، وجهتها، نوعها الخ، ويرفق بالتصريح الفاتورة التجارية الأصلية (Commercial Invoice) التي توضح وصف البضاعة وقيمتها، قائمة التعبئة (Packing List) إذا كانت الفاتورة لا تكفي. أوامر التصدير (Export Order) التي تُثبت وجود مشترٍ/مستورد في بلد الوجهة، شهادة المنشأ (Certificate of Origin) من وزارة الصناعة أو غرفة التجارة، خصوصًا إذا كانت هناك اتفاقيات تجارة حرة مع دول معينة، ومستندات إضافية مطلوبة بحسب نوع البضائع (مثل شهادات صحية للمنتجات الزراعية أو الغذائية، أو تصاريح خاصة). وبيانات التصدير تقدم في الأغلب عبر مخلّص جمركي معتمد يتولى الإجراءات نيابةً عن المصدر مما يمكن البضائع من مغادرة المرفأ عبر البحر فور انتهاء الإجراءات الجمركية.
مطابقة المحتوى مع الوثائق
بعد تقديم الوثائق، يمكن أن تطلب الجمارك فحص الحاويات قبل خروجها للتأكد من مطابقة المحتوى مع الوثائق، ومن خلال أجهزة السكانر سيتم خفض التفتيش اليدوي وإلغاء تصدير الممنوعات عبر المرفأ .
لا يُطلب دفع رسوم للجمارك عند التصدير نفسه (غالبًا الرسوم تكون للاستيراد)، لكن قد تكون هناك رسوم مرفئية أو خدمات تشغيلية داخل المرفأ تُستوفى قبل مغادرة البضاعة. وبعد استكمال الأوراق والفحص إن لزم، تمنح الجمارك إذن الخروج للشحنة ليتم تحميلها على السفينة المغادرة.
وكجزء من جهود تحديث النظام وتسهيل المعاملات بدأت السلطات في لبنان تقبل وتسهّل القيام ببعض إجراءات الاستيراد والتصدير عبر منصات إلكترونية من دون الحاجة إلى التوجه إلى إدارة الجمارك أو المرفأ بشكل مباشر، كجزء من جهود تحديث النظام وتسهيل المعاملات.
إن منظومة التفتيش ومراقبة البضائع في مرفأ بيروت وفي مرفأ طرابلس اللذين تمّ تجهيزهما بآلات “سكانر” حديثة، تدخل لبنان ضمن المعايير المعتمدة دوليًا للحدّ من التهريب والتهرّب من الرسوم الجمركية، فهي قادرة على الكشف عن المواد المخفية بدقة عالية، وإرسال النتائج إلى غرف مراقبة الجمارك والجيش، عبر استخدام تقنيات ذكاء اصطناعي لتحسين تحليل الصور وتقليل الأخطاء.



