الرئيسية اقتصاد لبنان مستقبل الاقتصاد بعد الحرب: سيناريوهات التعافي أو المراوحة

مستقبل الاقتصاد بعد الحرب: سيناريوهات التعافي أو المراوحة

بات من المسلّم به حتّى اللحظة أنّ الاقتصاد اللبناني يتّجه لتسجيل نسبة انكماش معتبرة هذه السنة، كنتيجة بديهيّة للحرب التي دارت محلياً منذ بدايات شهر آذار، فضلاً عن تداعيات الحرب الإقليميّة في منطقة الخليج. وهذا يعود طبعاً لجمود الحركة الاقتصاديّة في المناطق المتضرّرة، وصدمة الأسعار التي رافقت صعود أسعار النفط، فضلاً عن حجم الخسائر الماديّة التي لحقت بالبنية التحتيّة والمساكن. ومعهد التمويل الدولي قدّر نسبة هذا الانكماش بحوالي 12 بالمئة، مقارنة بنسبة نمو ناهزت 3.7 بالمئة خلال العام الماضي. مع الإشارة إلى أنّ هذه التقديرات كانت أكثر تشاؤماً من تقديرات وزير الماليّة ياسين جابر، الذي قدّر نسبة الانكماش المتوقعة هذا العام عند هامش يتراوح بين 7 و10 بالمئة.

غير أنّ السؤال اليوم بات يتمحور حول مستقبل الاقتصاد اللبناني بعد الحرب، وتحديداً على مستوى معدلات النمو وفائض الميزانيّة العامّة وحجم الاحتياطات، وغيرها من المؤشّرات التي يُقاس بها التعافي الاقتصادي. وبطبيعة الحال، لا يمكن الحديث عن نتيجة واحدة متوقّعة. بل يمكن الحديث عن سيناريوهات عدّة، وفقاً لمستقبل الوضع الأمني، ومدى تحقّق الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة المُنتظرة. ومن البديهي هنا القول بأنّ هذه المتغيّرات مترابطة: فالاستقرار الأمني سيفتح باب الإصلاحات التنفيذيّة والتشريعيّة التي جرى تعليقها خلال الحرب، والعكس صحيح.

سيناريو الاستقرار والتعافي

يضع المعهد في الحسبان أولاً السيناريو “أ”، أي سيناريو “الاستقرار التدريجي وتعزيز جهود الإصلاح”. ويتحقّق هذا السيناريو، بحسب هذا التقدير، في حال تحسّن الظروف الأمنيّة تدريجياً في جنوب لبنان، واستكمال الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة. وفي هذه الحالة، من المقدّر أن يعود لبنان لتسجيل نسبة نمو تصل إلى حدود 7 بالمئة خلال العام المقبل 2027، ومن بعدها 6.5 بالمئة عام 2028، ثم 6.8 بالمئة عام 2029، وصولاً إلى 5.8 بالمئة سنة 2030.

ويعزو المعهد هذا التعافي في النشاط الاقتصادي إلى الانتعاش القوي المرتقب -في هذه الحالة- في قطاعي السياحة والخدمات، وارتفاع الإنفاق على إعادة الإعمار، وزيادة الاستثمارات العامة. ووفق هذا السيناريو، اعتبر المعهد أن الحكومة اللبنانية ستكون قادرة على المضي قدماً في الإصلاحات ضمن برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، مع تعزيز إدارة المالية العامة، والشروع في إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وهذا ما سيتيح الحصول على تمويل خارجي من دول مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من المؤسّسات الدوليّة، بالإضافة إلى المستثمرين في الاغتراب. وهذا ما سيسمح، بدوره، بتسريع عملية إعادة الإعمار، بدعم من القروض الميسّرة، والهبات، والارتفاع المنتظر في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

في هذا السيناريو، وعلى مستوى الماليّة العامّة، من المتوقّع أن يرتفع الفائض المسجّل من 0.3% من الناتج المحلّي الإجمالي عام 2026، إلى 3.3 بالمئة عام 2030، مدعوماً بارتفاع معدلات النمو الحقيقي، وتدفّق المنح، والتمويل الميسّر من المؤسسات الدوليّة، ما سيعزّز الإيرادات العامّة. كما من المتوقّع أن يتخفض الدين العام الإجمالي من 141 بالمئة من الناتج المحلّي في نهاية 2026، إلى 69 بالمئة في نهاية 2027، بمجرّد شطب أجزاء من هذا الدين بعد إعادة هيكلته، على أن يصل إلى 66 بالمئة من الناتج بحلول نهاية 2030.

وضمن هذا السيناريو أيضاً، يمكن تقليص عجز الحساب الجاري من 29.7 بالمئة من الناتج عام 2026، إلى نحو 18 بالمئة عام 2030، مدعوماً بارتفاع صادرات السلع والخدمات. وهذا ما سيتيح تدريجياً رفع احتياطات العملات الأجنبيّة، من 11.4 مليار دولار أميركي في نهاية 2026، إلى 28.3 مليار دولار أميركي في نهاية 2030، بفعل تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، وتسوية وضع الودائع المجمّدة.

سيناريو عدم الاستقرار

وفق السيناريو “ب”، تستمر حالة “عدم الاستقرار ومحدوديّة التقدّم في تنفيذ الإصلاحات”، بسبب الانقسامات السياسيّة والمخاطر الأمنيّة وعدم التقدّم في الخطط الماليّة المرتبطة بمسار التعافي المالي. وفي هذه الحال، سيقتصر النمو في الناتج المحلّي العام المقبل على 3.4 بالمئة، على أن ينخفض إلى 2 بالمئة عام 2028، ثم 1.1 بالمئة عام 2029، وصولاً إلى 0.7 بالمئة عام 2030.

وفي هذه الحالة، سيعاني لبنان من ضعف طويل الأمد في النشاط الاقتصادي، إلى حين استعادة الاستقرار السياسي وتنفيذ برنامج إصلاح يتمتّع بالحد الأدنى من الموثوقيّة. ومن المتوقّع هنا أن تبقى المفاوضات بين السلطات اللبنانيّة وصندوق النقد متعثّرة، كما سيواصل تعثّر القطاع المصرفي ضغطه على الاقتصاد، فيما سيبقى التمويل الخارجي من دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدوليّة محدوداً. أمّا الاستثمارات الخاصّة، فستبقى محدودة، على أن تبقى احتياطات العملات الأجنبيّة عند حدود 11 مليار دولار أميركي خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2030.

في الخلاصة، من المبكر الجزم بمستقبل الوضع الاقتصادي على المدى المنظور. إذ لا يزال ذلك مرتبطاً بنوعيّة الترتيبات الأمنيّة التي سيستقر عليها الوضع جنوباً. كما أنه مرتبط باحتمالات عودة التصعيد في أي لحظة. وهذا ما سيحدّد البيئة السياسيّة التي ستعمل في ظلها السلطات اللبنانيّة، ما سيحدّد بدوره إمكانيّة تنفيذ برنامج الإصلاح المالي، بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وكل سيناريو من السيناريوهات المطروحة، سيقود البلاد إلى وضع مختلف من حيث المؤشّرات والنتائج.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةتدخّل من القصر الجمهوري في بلدية بيروت
المقالة القادمةوزيرة السياحة: المطار يستقبل حالياً ما بين 12000 إلى 15000 وافد يومياً