في بيان الوضع المالي الذي ينشره دوريًا مصرف لبنان، ظهرت سريعًا أولى تداعيات الحرب الدائرة محليًا وإقليميًا. فخلال النصف الأوّل من شهر آذار؛ أي في أوّل أسبوعين من هذه الحرب، خسر المصرف المركزي ما يقارب المليار دولار أميركي من احتياطاته الإجماليّة. وجاءت هذه الخسائر بفعل تراجع حجم احتياطات العملات الأجنبيّة بنحو 212 مليون دولار أميركي، إضافة إلى انخفاض قيمة احتياطات الذهب بقيمة 797 مليون دولار أميركي. مع الإشارة إلى أنَّ هبوط احتياطات العملات الأجنبيّة عكس تأثير الحرب على المستوى المحلّي، فيما تقلّصت قيمة احتياطات الذهب بفعل تراجع الأسعار عالميّا، ولأسباب لا يمكن فصلها أبداً عن التصعيد الحاصل على المستوى الإقليمي.
احتياطات العملات الأجنبيّة
تشير أرقام المصرف المركزي إلى أنّ بند احتياطات العملات الأجنبيّة شهد تراجعًا ملحوظًا، من 11.88 مليار دولار في أواخر شهر شباط الماضي، إلى 11.66 مليار دولار بحلول منتصف شهر آذار الحالي، وهذا ما يعني أنَّ المصرف خسر من احتياطاته قرابة 212.33 مليون دولار أميركي خلال فترة لا تتجاوز النصف شهر (أوّل نصف من شهر آذار). ومن المهم التنويه إلى أنّ الحرب بدأت على مستوى لبنان فجر يوم الإثنين 2 آذار، ما يعني أنّ هذه التغيّرات تعكس تداعيات أولى مراحل هذه الحرب، على الأوضاع النقديّة والماليّة.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ مصرف لبنان كان شهد، خلال النصف الثاني من شهر شباط، أي قبيل اندلاع الحرب، تراجعًا مماثلًا في حجم احتياطات العملات الأجنبيّة لديه. إذ تراجعت قيمة هذه الاحتياطات من 12.1 مليار دولار أميركي في منتصف شهر شباط، إلى 11.88 مليار دولار أميركي في نهاية الشهر نفسه، ما عكس خسائر بقيمة 196 مليار دولار أميركي في تلك الفترة (أي خلال ثاني نصف من شهر شباط).
وبهذا الشكل، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التراجع الإجمالي في قيمة الاحتياطات خلال الفترتين معًا، أي خلال شهرٍ كامل بين منتصف شهر شباط ومنتصف شهر آذار، تكون النتيجة تراجعًا في قيمة احتياطات العملات الأجنبيّة بنحو 408 مليون دولار أميركي. ومن المعلوم أنّ لهذه التراجعات تأثيرًا سلبيًا على حجم الفجوة في ميزانيّات مصرف لبنان، التي تتشكّل من الفارق بين التزامات المصرف وموجوداته السائلة أو القابلة التسييل، ومنها طبعًا احتياطات العملات الأجنبيّة.
هذا التطوّر الخطير، يعكس تراجع قدرة المصرف المركزي على زيادة حجم احتياطاته، عبر شراء الدولارات من السوق، وانتقاله إلى مرحلة استنزاف هذه الاحتياطات من جديد. مع العلم أنّ المصرف، قبل حصول هذه التطوّرات السلبيّة، تمكّن سابقًا من زيادة احتياطاته من 8.57 مليار دولار أميركي في أواخر شهر تموز 2023، إلى أكثر من 12.07 مليار دولار أميركي في منتصف شهر شباط الماضي، مستفيدًا من الفوائض المُحققة في الماليّة العامّة لامتصاص العملة الصعبة من السوق الموازية. لكن هذا النمط، كما بات واضحًا اليوم، توقّف منذ أكثر من شهر.
من الواضح وفق الأرقام بأنّ تراجع قيمة الاحتياطات، منذ منتصف شهر شباط، لم يرتبط بزيادة الإنفاق العام، ولا باستفادة الدولة من أموالها المودعة والمتراكمة في مصرف لبنان. إذ تشير الأرقام نفسها إلى أنّ قيمة ودائع القطاع العام في مصرف لبنان سجّلت زيادة بقيمة 77.86 مليار دولار خلال النصف الأوّل من شهر آذار، ليبلغ إجمالي هذه الودائع المتراكمة قرابة 9.17 مليار دولار أميركي.
ولهذا السبب، يبدو أنّ تراجع حجم الاحتياطات عكس نوعًا آخر من التطوّرات، مثل اشتداد الطلب على الدولار الأميركي خلال بدايات التصعيد الحالي، واضطرار المصرف لاستخدام احتياطاته للحفاظ على سعر الصرف المُستقر الحالي. كما يعكس زيادة الطلب على سحوبات المودعين المُتاحة بموجب التعاميم، وودائع “الدولار الفريش”، المودعة من قبل المصارف في حسابات خاصّة لدى المصرف المركزي (تودع المصارف جزءًا من ودائع “الدولار الفريش” في “حساب مقاصّة”، لتنفيذ التحويلات في ما بينها عبر مصرف لبنان).
احتياطات الذهب
أرقام مصرف لبنان تشير كذلك إلى تراجع قيمة احتياطات الذهب الموجودة لدى مصرف لبنان، من 47.75 مليار دولار أميركي في أواخر شباط، إلى قرابة 46.95 مليار دولار أميركي في منتصف شهر آذار الحالي، وهذا ما يعكس تراجعًا بقيمة 797 مليون دولار أميركي خلال فترة نصف شهر فقط. ومن المهم التنويه بأنّ مصرف لبنان يعيد تقييم احتياطات الذهب الموجودة لديه، وفقًا لأسعار الذهب العالميّة، ما ينعكس كأرباح أو خسائر في ميزانيّته، بالتوازي مع تراجع أو زيادة قيمة هذه الاحتياطات.
ما جرى على مستوى أسعار الذهب العالميّة، مرتبط على نحوٍ واضح بالتصعيد في منطقة الشرق الأوسط. فالحرب رفعت أسعار النفط، ما غذّى التوقّعات بارتفاع معدلات التضخّم، وهذا ما دفع المستثمرين للاعتقاد بأنّ الاحتياطي الفيدرالي وسائر المصارف المركزيّة ستؤخّر قرار خفض الفائدة، أو قد تميل إلى سياسات نقديّة أكثر تشدّدًا. ولهذا السبب، تراجعت جاذبيّة الذهب، بوصفه أصلًا لا يدرّ عائدًا أو فائدة، مقارنة بالسندات. كما تميل تحليلات أخرى إلى ربط انخفاض أسعار الذهب بتزايد قوّة الدولار، وارتفاع عوائد السندات، فضلاً عن اضطرار فئات معينة من المستثمرين لبيع الذهب لتأمين السيولة على المدى القصير.
بهذا الشكل، عانى مصرف لبنان من تقاطع تداعيات التصعيد الإقليمي مع تأثيرات الحرب على المستوى المحلّي. وخلال المرحلة المقبلة، من المتوقّع أن تترك الحرب ضغوطًا متعددة المستويات، على الوضعين المالي والنقدي، وهذا ما سيفرض على المصرف المركزي وضع خطط خاصّة للاستجابة لهذه الضغوط. أمّا الأهم، فهو أنّ الحرب كشفت حدود النموذج الذي اعتمد عليه مصرف لبنان خلال المرحلة الماضية، والذي حوّل ثبات سعر الصرف إلى عبء على الاحتياطات، بمجرّد حصول هذا النوع من الصدمات المفاجئة.



