مصرف لبنان يفجّر مفاجأة: ديون الدولة 3 أضعاف الـ16.5 مليار

في غياب نوابه الأربعة، أعضاء المجلس المركزي في مصرف لبنان، خرج الحاكم كريم سعيد على الإعلام تحت عنوان فتح ملفات فساد في البنك المركزي وملاحقة المرتكبين، ليقول إن ديون الدولة لصالح مصرف لبنان لم تعد تقتصر على 16.5 مليار دولار فقط بل باتت 3 أضعاف هذا الرقم. مفاجأة فجّرها سعيد في وجه الدولة قد تعيد النقاش بمسألة استرداد الودائع إلى “الصفر”.

ولأن مسألة استعادة الودائع مرتبطة بشكل مباشر باستعادة الديون من الدولة واسترجاع الأموال المنهوبة التي ستنتج عن الملاحقات القضائية، فإن النقاش في عملية وآلية استعادة الودائع الواردة في قانون “الفجوة المالية” لم تعد عناصرها واضحة وستعود إلى المربع الأول. فكيف يمكن لمصرف لبنان إعادة الودائع ما لم يسترد أمواله المتوجبة على الدولة والتي تكشّف اليوم أنها باتت 3 أضعاف الرقم الذي أخذ حيزاً واسعاً من النقاش ولم يغلق حتى اللحظة.

أطلق سعيد القنبلة التي تعني بشكل أو بآخر أن الثقل الأكبر من الودائع المتوجبة على مصرف لبنان تعود إلى ذمة الدولة والتي بدورها في حال اعترفت بما يدّعيه مصرف لبنان، وهو أمر مستبعد، ستعني تحويل جزء كبير من الودائع إلى دين عام على الدولة.

ملفات سلامة ومصرفي آخر

فتح مصرف لبنان ملفات فوري وأوبتيموم ومجمل الصفقات التي أدارها خلال السنوات الماضية ومنها ما يتعلق بمصارف كبرى، من دون أن يسمّي الحاكم السابق رياض سلامة وشركائه ومحاميه.

وأكد سعيد خلال مؤتمر صحافي عقده اليوم في مصرف لبنان، الإدعاء في لبنان وخارجه على كل من ثبت أنّه اختلس أو أساء استعمال أو بدّد أموال مصرف لبنان، أو ساعد أو سهّل ذلك بما يخالف واجباته القانونية أو المهنية، سواء ارتبط رسمياً بالمصرف في لبنان أم لم يرتبط.

وإذ عدّد سعيد الملفات المشبوهة التي سيتم فتحها أمام القضاء ومحاسبة المرتكبين فيها ومنها قضايا شركات “فوري” وأوبتيموم” المتعلّقة بالعمولات غير المشروعة التي تمت تحت مظلّة مصرف لبنان، أكد التقدّم بشكوى جزائية بحق مسؤول سابق في المصرف، وكذلك بحق شخص طبيعي مصرفي سابق، وليس بحق أي مصرف تجاري. وعلمت “المدن” أن المقصود بهذه الدعوى الجزائية هو الحاكم السابق رياض سلامة والمصرفي س.ح. من دون أن تشمل الدعوى المصرف الذي كان يعمل فيه الأخير، وهو من مصارف الفئة “أ” بالإضافة إلى شقيق رياض سلامة ومحاميه الشخصيين ومحامي المصرف المركزي.

وبحسب سعيد فقد جرى الاستيلاء على أموال مصرف لبنان عبر إنشاء أربع شركات وهمية مسجّلة في الخارج، وتحديداً في جزر الكايمان، ما أدّى في نهاية المطاف إلى إثراء غير مشروع للمدعى عليهم، من دون أن يسمّيهم، وغيرهم من الأشخاص الذين سيكشفهم التحقيق القضائي.

وقد باشر مصرف لبنان بإجراءات قانونية في فرنسا ولوكسمبورغ وليختنشتاين، ويتابع التحقيقات الجارية في سويسرا وألمانيا، بالتنسيق مع هيئة القضايا، لا سيما في ما يتعلّق بالدعاوى العالقة أمام القضاء السويسري. وتهدف هذه الجهود إلى كشف شبكة معقدة من الشركات والأصول التي أُنشئت حصراً للاستيلاء على أموال مصرف لبنان وتحويلها بصورة غير مشروعة إلى مستفيدين، من بينهم مسؤولون سابقون وأفراد من عائلاتهم، إضافة إلى مصرفيين ومستشارين ماليين وقانونيين.

وإلى جانب مقاضاة المرتكبين في القضايا سابقة الذكر، يعمل مصرف لبنان حالياً، بحسب ما أكد سعيد، على جمع معلومات تتعلق بالتحويلات الخارجية والسحوبات النقدية التي قام بها رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف والأشخاص المعرّضين سياسياً، وذلك في سياق إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعزيز الرقابة عليه.

بين أموال الودعين ودين الدولة

ذكّر سعيد أكثر من مرة بأن كل تلك الإجراءات والملاحقات القضائية التي قام أو يعتزم القيام بها مصرف لبنان تهدف لاسترداد أموال مصرف لبنان لتمكينه من إعادة أموال المودعين.

وتحت راية إعادة أموال المودعين فجّر سعيد المفاجأة التي قد تطيح بكل ما توصّل إليه مصرف لبنان مع الدولة من توافق على الأرقام والديون. ويقول سعيد بأن مصرف لبنان بصدد إعداد تقرير شامل ومدعّم بالمستندات، يهدف إلى تحديد وحصر وتقدير جميع الأموال التي وُضعت بتصرّف الحكومات اللبنانية المتعاقبة على مدار عقود، أو التي صُرفت نيابة عنها أو بناءً على تعليماتها، أياً كان شكلها، سواء كانت قروضاً أو سلفاً أو تسهيلات من أي نوع.

ولا يقتصر نطاق التقرير على مبلغ 16.5 مليار دولار أميركي الذي أقرّت به الدولة رسمياً عبر وزارة المالية، بل يشمل أيضاً مبالغ صُرفت لتمويل برامج الدعم، والمدفوعات المنجزة نيابة عن وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان وسواها من المؤسسات، وسائر المبالغ التي دفعها أو سلفها مصرف لبنان للدولة حتى نهاية عام 2023. أي بما يشمل فترة الدعم خلال تفجر الأزمة المالية بين 2019 و2023، وتُظهر التقديرات الأولية أنّ هذه المبالغ تتجاوز ثلاثة أضعاف الرقم المعلن رسمياً أي قرابة 50 مليار دولار.

وأكد سعيد استعداد مصرف لبنان الاستعانة بخبراء قانونيين محليين ودوليين للمحافظة على حقوقه وتأكيدها، بهدف استرداد كامل حقوقه من الدولة وضمان تخصيص الأموال المستردة حصراً لسداد حقوق المودعين.

وبالنظر إلى تكرار سعيد مسألة ربط إعادة أموال المودعين بعملية استرداد الأموال المنهوبة واسترداد الأموال المدينة بها الدولة دون التطرق لا من قريب أو بعيد إلى مسؤولية المصارف، كان من البديهي التوجه إليه بالسؤال ما إن كانت عملية سداد الودائع ستكون مرتبطة حصراً بتنفيذ هاتين المسألتين، لاسيما أنه من المستبعد اعتراف الدولة بدين يبلغ 3 أضعاف 16.5 مليار دولار، وماذا عن مسؤولية المصارف في كل ذلك؟ فكان جوابه على سؤال “المدن” بأن هذه المسارات هي إحدى موارد السيولة التي يجب أن تتوفر لمصرف لبنان لإعادة أموال المودعين فالأموال التي سيستردها مصرف لبنان من المسارات القضائية أو من الدولة مقابل استدانتها ستشكّل السيولة اللازمة للوفاء بحقوق أصحاب الودائع الشرعيين. ولم يجب عن مسؤولية المصارف.

هذا الأمر يأخذنا بلا تردّد إلى مكان آخر يقوم على تحويل جزء كبير من الودائع إلى دين عام على الدولة قد لا ينتهي سوى ببيع أصول الدولة ومنها الذهب، وهو النتيجة الطبيعية لمطالبات مصرف لبنان اليوم الدولة بـ3 أضعاف ما تم التوافق عليه في وقت سابق.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةدراسة حول قانون الفجوة: كيف قاربت الحكومة الملف؟