الرئيسية اقتصاد لبنان مع ارتفاع أسعار الذهب هل يمكن للبنان استخدام الإحتياطي؟؟؟؟؟

مع ارتفاع أسعار الذهب هل يمكن للبنان استخدام الإحتياطي؟؟؟؟؟

مع استمرار ارتفاع أسعار الذهب وملامستها الخمسة آلاف دولار يبرز سؤال قديم جديد حول إمكانية استخدام إحتياطي لبنان من الذهب، في تخفيف حدة الانهيار الاقتصادي وسد جزء من الفجوة المالية التي تتجاوز 80 مليار دولار ، مع العلم أن القانون الصادر عام 1986 يمنع التصرف بالذهب إلا بنص تشريعي خاص.

وفي حين يمتلك لبنان نحو 287 طنا من الذهب، ما يضعه في المرتبة الثانية عربيا،أظهرت ميزانية مصرف لبنان المركزي في منتصف كانون الأول 2025 تحولاً ملحوظاً في متانة أصوله السيادية، حيث قفزت القيمة الإجمالية لاحتياطيات الذهب إلى مستوى قياسي تاريخي، وسجلت قيمة احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان رقماً قياسياً غير مسبوق بتجاوزها عتبة الـ40 مليار دولار بمنتصف كانون الأول2025، مقارنة بـ 38.4 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني، وبزيادة هائلة على مستويات منتصف كانون أول 2024 التي كانت تبلغ 24.6 مليار دولار.

وتختلف الآراء حول صوابية استخدام الذهب بين من يعارض استخدامه، محذراً من سوء استعماله نظراً لغياب الثقة بالسلطة اللبنانية والحكومات المتعاقبة وما اتبعته من سياسات ادت الى تفشي الهدر والفساد، ومن يشجع في استثمار جزء من الذهب عبر عمليات مالية مع مؤسسات استثمارية عالمية، بما يتيح توفير سيولة تُضخ تدريجيا في الاقتصاد وتُستخدم في تسديد جزء من الودائع.

*الذهب من الاصول السيادية الصلبة

وفقاً للأكاديمي والخبير الإقتصادي الدكتور بيار الخوري يشكّل احتياطي الذهب الذي يملكه مصرف لبنان أحد آخر الأصول السيادية الصلبة المتبقية للدولة اللبنانية في لحظة تاريخية تتسم بانهيار الثقة، وتآكل القدرة المؤسسية، وغياب الرؤية الاقتصادية الشاملة.

ويقول الخوري في حديث للديار: “ارتفاع أسعار الذهب عالميًا خلال السنوات الأخيرة رفع القيمة الدفترية والسوقية لهذا الاحتياطي إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعله حاضرًا بقوة في النقاش العام كـ«حل محتمل» للأزمة المالية. غير أن مقاربة هذا الملف من زاوية مالية بحتة، بمعزل عن السياق السياسي والمؤسسي اللبناني، تمثل اختزالًا خطيرًا للمسألة وقد تقود إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والطويل”.

*توفير مظلة ثقة للنظام النقدي

من الناحية التقنية، يشير الخوري إلى “أن الذهب يُعد أصلًا احتياطيًا ذا طبيعة سيادية، وظيفته الأساسية ليست تمويل الإنفاق أو سد فجوات مالية ظرفية، بل توفير مظلة ثقة للنظام النقدي، وتعزيز الملاءة المعنوية والمالية للدولة في أوقات الاضطراب،مؤكداً أن أي تعامل مع هذا الأصل، سواء عبر البيع أو الرهن أو حتى إعادة توظيفه كضمان، لا يمكن فصله عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وقدرتها على إدارة الموارد العامة، ومدى خضوع القرار المالي لمنطق المصلحة العامة لا لمنطق التسويات السياسية قصيرة الأجل”.

*تحذير من المس بأحتياطي الذهب في ظل بنية سياسية هشة

ويرى الخوري أن الحديث عن بيع الذهب أو تسييل جزء منه يفترض ضمنيًا وجود دولة قادرة على تحويل السيولة الناتجة إلى استثمار منتج أو إلى مسار إصلاحي واضح، “بينما الواقع اللبناني يُظهر أن معظم الموارد التي أُتيحت سابقًا، سواء عبر الاستدانة أو المساعدات أو الهندسات المالية، جرى تبديدها ضمن منظومة ضعيفة، غير مستدامة، وتفتقر إلى المحاسبة”. ويحذٍر ااخوري من أنه في ظل غياب إصلاح جذري في بنية القرار السياسي والإداري، فإن أي سيولة إضافية ناتجة عن المساس بالذهب مرشحة لأن تُستنزف بالطريقة نفسها، مع فارق أساسي يتمثل في خسارة أصل سيادي غير قابل للتعويض.

أما عن خيار رهن الذهب للحصول على تمويل، والذي يُطرح أحيانًا كبديل «أقل كلفة» من البيع، فيعتبر الخوري أنه بدوره لا يقل خطورة في بيئة تغيب عنها الحوكمة الرشيدة، “فالرهن ليس عملية محايدة تقنيًا، بل عقد مشروط بثقة المقرض بقدرة الدولة على الالتزام، وبوجود مؤسسات تضمن حسن استخدام الأموال وسداد الالتزامات” معتبراً أن لبنان، في وضعه الحالي، يعاني من أزمة مصداقية عميقة، ما يعني أن أي تمويل مضمون بالذهب سيأتي بشروط قاسية، وقد يتحول في حال الفشل إلى مسار غير مباشر لفقدان هذا الاحتياطي، فضلًا عن تحميل الأجيال المقبلة التزامات إضافية دون مقابل تنموي حقيقي.

*الرهان على الذهب كأداة إنقاذ هروب الى ألأمام

ووفقاً للخوري حتى خيار الاحتفاظ بالذهب كأصل طويل الأجل، وهو الخيار الأكثر تحفظًا، يفقد معناه إذا لم يكن جزءًا من رؤية شاملة لإعادة بناء النظام النقدي والمالي، لافتاً أن الذهب وحده لا يصنع استقرارًا نقديًا، ولا يعيد أموال المودعين، ولا يعالج اختلالات المالية العامة، “فقيمته الحقيقية تكمن في كونه عنصرًا داعمًا لثقة مفقودة، وهذه الثقة لا يمكن استعادتها إلا عبر منظومة متكاملة من الإصلاحات تبدأ من السياسة، مرورًا بالإدارة العامة، وصولًا إلى القطاع المالي والمصرفي”.

ويصف الخوري “الرهان على الذهب كأداة إنقاذ قبل إصلاح منظومة الحكم يشبه استخدام احتياطي الطوارئ في مبنى متصدع دون ترميم أساساته، متخوفاً من أن الخطر لا يكمن فقط في خسارة الأصل، بل في ترسيخ منطق الهروب إلى الأمام، حيث تُستنزف الموارد المتبقية بدل أن تُستخدم كرافعة لإعادة بناء الدولة”.

في هذا السياق يقول الخوري: “يصبح الذهب ليس فرصة مالية، بل يصبح اختبارًا أخلاقيًا ومؤسسيًا: إما أن يُحمى إلى حين قيام دولة قادرة على إدارته ضمن استراتيجية وطنية شفافة، أو أن يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة التفريط بالأصول العامة”.

*للانتقال أولا الى إصلاح القرار السياسي وتحريره

وبناءً على ذلك، “لا يمكن تقديم أي توصية جادة بالمساس باحتياطي الذهب، بأي شكل من الأشكال، من دون انتقال فعلي وموثوق إلى منظومات حوكمة رشيدة، تبدأ بإصلاح القرار السياسي وتحريره من الزبائنية، وإعادة بناء الإدارة العامة على أسس الكفاءة والمساءلة، وإعادة هيكلة النظام المالي والمصرفي ضمن إطار قانوني شفاف وعادل. من دون هذا الانتقال، يبقى الذهب خط الدفاع الأخير، والمسّ به قبل الأوان لا يمثل حلًا للأزمة، بل مخاطرة استراتيجية قد تُقفل أحد آخر نوافذ التعافي الممكنة”.

 

مصدرالديار - أميمة شمس الدين
المادة السابقةصندوق النقد يشكّك بمشروع «الفجوة»: 10 مليارات دولار كلفة السنة الأولى
المقالة القادمةتجربة جديدة في صناعة النبيذ اللبناني تحت سطح البحر… تحاكي البيئة